أيار 20
   

بكثير من الاعتزاز، توصلت بنسخة من المجموعة القصصية "بيت الهموم"، الصادرة ضمن منشورات "الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق" للمبدع العراقي الجميل حسب اللّٰه يحيى، إذ نقلتني إلى أجواء عراقية حميمة ودافقة، كنت وما زلت أحن إليها كثيرًا في ظل ظروف اغتراب طال أمده.

هذه المجموعة التي أطلت علينا ب ١٢٨ صفحة من القطع الوسط، وضمت خمس عشرة قصة قصيرة، كتبت بأسلوب ينتمي بشفافية وجدارة إلى عالم "السهل الممتنع"، بما يحمله من ايحاءات ودلالات. وجاءت مضامينها ممتدة إلى جذور اجتماعية وإبداعية، لا نملك مع غناها وتنوعها إلا التأمل والتفكير بصفاء وعمق، متناغمين مع ما تنطوي عليه من تجارب ورؤى، على مختلف التوجهات والمسارات.

ولعل القصة القصيرة الأولى في المجموعة، والتي تحمل عنوان "عالم السيدة الوحيدة"، تقدم تصورًا عاما عما ذكرناه، ولكننا قبل التوقف قليلاً عندها، نجد انه من المفيد العودة إلى ما دونه المبدع حسب اللّٰه على الصفحة الأخيرة من المجموعة تحت عنوان "هذه القصص"، فبعد ان اكد وجود ثمار للهموم، وأسرارٍ للبيوت، وتجمع كم هائل منها في بيوتنا العراقية، قال إنه كان يعيشها ويعرف عنها الكثير.. وقد حاول اشغال ذاكرته بسواها من المشاغل.. بعد ان توقف عن الكتابة لزمن كان يحسه أزليا.

ولكنه يستدرك بالقول: " ان ثقل هذه الهموم والاسرار؛ ظل يحاصرني ويضيق علي انفاسي

ويلزمني بالبوح، ووجدت في كتابة هذه الهموم سبيلي الى الحرية، والى الحياة كذلك".

وبالعودة إلى القصة الأولى في المجموعة "عالم السيدة الوحيدة"، نجد أنها تغوص عميقًا في مشاعر الإحساس بالوحدة، وتتكثف فيها مشاعر القهر والاضطهاد والاستلاب، وتقدم لنا صورًا عن معاناة حادة مع الوحدة، والتعرض إلى تجاوزات آخرين من الجيران وغيرهم، مورست ضد السيدة مريم، التي كانت في سنوات سابقة تعيش مع زوجها نعيم وحيدين " في منزل واسع، لا تشغله سوى انفاسهما.

لقد كان هذا الزوجان يتمنيان أن يمضيا رحلة العمر دون فراق، وأن يرحلا عند حلول الأجل سوية وفي يوم واحد، ولكن المرحوم نعيم الذي كان يعمل خبيرًا في وزارة الزراعة، رحل دون أن يتحقق له حلمه. وكانت زوجته قد عملت مشرفة تربوية في عدد من المدارس، قيل أن تتقاعد بعد رحيله.

وبعد رحيل الزوج وتقاعدها، أخذت تواجه وحدة مريرة وحصارًا اجتماعيًّا قاسيًا، وتم التجاوز على رصيف بيتها بشكل مفضوح ومعلن، ثم ترغيبها لبيع بيتها، وحصلت مواجهات توحي بالرغبة في إبعادها والتخلص منها.

وتنتهي القصة بنهاية حياة السيدة وانطفائها، ويصور لنا المبدع حسب اللّٰه يحيى ذلك بالقول " كانت أنفاسها تختنق، كما لو ان احدا يمسك بعنقها ويضغط على حنجرتها، كما لو ان هذا الاحد يسلبها وجودها ويعدمها الحياة بعد ان يطلق عليها النار ويضغط على أنفاسها ثم يضحك منها وهي تتلوى..

تبحث عن نسمة هواء وعن نظرة شفقة وعن رجاء غائب تماما، ومعدوم كليا عن الحركة.. لم تعد تحيا..

لم تعد أبدًا".

وقبل أن أغلق صفحات المجموعة على أمل العودة إليها في وقت آخر، وجدت أن أسماء قصصه توحي بالكثير الموحي عن أجوائها ومعالجاته ومضامينها، إذ جاءت هذه الأسماء، وكما ورد في الفهرست بالشكل التالي: عالم السيدة الوحيدة - شجرة ذابلة - وردة عطرة - عفونة امرأة سعيدة - أم - الدرس الأول - يوم في حياة رجل عجوز - وقار - النخلة والعاصفة - الخبز والأسلحة - لهفة - اللعبة

- كراهية - فتنة مكان - فارس من هذا الزمان - شيخوخة.