أيار 20
   
يتميز أسلوب القاص حسب اللّٰه يحيى بالتنوع بين القصة والرواية والمسرح وقصص الأطفال ، وهذا التنوع اكسبه موهبة وقدرة على استلال الهم العراقي ووجع الناس وملامسة تفاصيل حياتهم في الازقة الشعبية والاحياء التي يسكنها الفقراء ، فيتمكن من تحويل تلك الاوجاع والتفاصيل الى قصص يسردها للمطالع بأمانة وصدق ، ومن يطالع مجموعته القصصية الأخيرة ( أصابع الأوجاع العراقية ) التي اعيد طباعتها في العام ٢٠٢٥ من دائرة الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة والمتكونة من ٢٠ قصة مضافا اليها ملحقا بخمس قصص يلمس بساطة اللغة ووضوح المقاصد والمعاني بعيدا عن التعقيد اللفظي أو الزخرفة اللغوية المفتعلة ، ولأنه لا يكتب من برج عالي فان جميع النصوص التي كتبها تميزت بالحس الإنساني والتقاط الالم والامل معا .
محور اغلب القصص يتركز على الشهداء والوطن والاصابع الرمزية التي ترتبط بالخبز وبالدفء والامنيات والنساء ، وقطار الموت الذي ينقل لنا صورة من داخل مقطورة الموت ثم ينتقل من عربات الصفيح الذي يشوي الأجساد البشرية الي زنزانات سجن نقرة السلمان .
في هذه القصص يتحول السرد الى مرآة تعكس صراع الانسان العراقي مع الخوف والفقر والانتظار، ويعكس قوة المرأة العراقية وصمودها بوجه التراجع والتحجر الفكري والاجتماعي الذي ينتشر هذه الأيام، ووقوفها ضد التحولات القاسية والمتخلفة من القيم التي عافها الناس، وتبرز بين قصص حسب اللّٰه يحيى أثر الحروب والازمات على البنية الاجتماعية والنفسية للمواطن العراقي، والذي نالت من نفسيته ومكانته الاجتماعية الحروب المتتالية التي ادخلته بها سلطة دكتاتورية لا ترحم ولاتفهم ، وينقل لنا صور الالتزام الفكري الثابت او القلق في شخصيات عاشت بيننا .
القصص التي تتضمنها مجموعة القصص في أصابع الاوجاع العراقية تشكل انحيازا للإنسان البسيط، وللحقيقة العارية التي تؤمن بان الادب ليس ترفا والقصص ليست حكايات عابرة انما تؤمن بانها شهادة على العصر وصرخة في وجه الألم لصحوة المجتمع.
والكاتب حسب اللّٰه يحيى يعد من الأصوات السردية التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالهم الاجتماعي والإنساني ، ويشكل صورة مشرقة من صور الحقيقة والواقع الذي يعيشه المجتمع والانسان بشكل عام ، وتركيزه على العدالة الاجتماعية وانحيازه للفئات المهمشة يشير الى الأفق اليساري الواضح في هذه القصص ، وما يمنح القصص التي يكتبها قوة الموضوع انه ينقل صورا صادقة ومتجذرة من الواقع العراقي ، يستلها من ضحايا التحولات السياسية والحروب والتطاحن السياسي الذي جرى منذ انبثاق ثورة تموز ١٩٥٨ وحتى اليوم ، وتلمس ذلك الانتماء اليساري في لغة الانحياز للفقراء والمعدمين ودفاعه عنهم والتي تحمل شحنة شعورية واضحة قريبة من وجدان القارئ ، الى جانب انتقاده للبنى السلطوية والاجتماعية الظالمة ، ولا تتحول تلك النصوص الى خطاب دعائي او صور باهتة بل تبقى داخل الإطار الفني للسرد، وتلك ميزة من مميزات قصص وأسلوب حسب اللّٰه يحيى.
القصص عند حسب اللّٰه يحيى موقف أخلاقي واجتماعي ولها قيمة واضحة، ويستمد هذا الموقف في الصدق والالتصاق بالناس أكثر من ممارسته التجريب الشكلي للقصة او اعتماده على التعقيد فيها، ومن طالع تلك القصص يلمس قوة الموضوع وواقعيته.
وحسب اللّٰه يحيى القادم من مدينة الموصل حاملا مشعله فوق كتفه ينير الطريق، لم يهده التعب ولا السجون والاغتراب، بل وبقي امينا على موقفه الفكري والدفاع عن الفقراء والمظلومين، تاركا لنا كماً من القصص
  والرويات والمسرحيات وقصص الأطفال بما يجعله مرتقيا صفف الصف الأول من كتاب القصة المؤثرين والقادرين على عجن الوجع والالم والحزن في بوتقة واحدة صورة قصة قصيرة تختزل كل هذا الوجع، وتلك قدرة وموهبة تميزه ضمن أسماء الكبار.