أيار 20
   
                                                                                                  
    لا أدري من اين ابدأ، وثمة دافع قوي يدفعني الى الكتابة وكأن هذه الحيرة بدت شبه ملازمة في كل مرة أكتب فيها عن أمر يثير المشاعر فما بالك في زلزال يهز سكينة الروح. والأمر لا يتعلق بطبيعة الصلة التي تربطك بالشخص المعني، قربها او بُعدها عنك، يكفي انك ألتقيها مرة، فتدخل قلبك عبر مسامات الحوار المتأني ذي النبرة الهادئة حد والابتسامة التي قد لاتشبه ابتسامات الآخرين، ثم تلتقيه مرة اخرى او ثلاث او اربع، أو أكثر. وكلها عن طريق الصدفة. ولكن هل هي الصدفة فقط؟ ام نحن "سكان المنافي" أو الأصح " بدو المنافي" الرحّل، "من بلدٍ الى بلدٍ ومن دارٍ لدار" مثقلين بهموم الوطن الذي أزاح حدوده بنا، عن جغرافية المكان حتى أصبحنا امتدادات له في الفضاءات الغريبة، بل وحتى في مقابرها الباردة.
دقائق ويبدأ أحد المشاركين يبث على المباشر، نقلاً حياً لمسيرة تشييع "أبو داود" الى مثواه الأخير. تشييع هادئ، يشبه الوداعة التي امتلكها الرجل في حياته، وطابورٌ من المودعين يسيرون بإيقاع منظَّم، يتقدمهم جثمانه مكللاً بالورود البيضاء ويسيّره على عربة اربعة أشخاص، اثنان من كلا الجانبين ويتقدمهم شخص خامس، يقود مسيرة الدفن. هكذا هو طقس التشييع المهيب حتى الحدثُ المهيأ والدفانون الأنيقون بزيهم الرسمي بمقبرة مدينة "لايبزيك" الالمانية، يحرصون على عملية سير الطقوس التي تجلت في فضاءاتها رهبةُ المكان، والعيونٌ نَعسى إنسلتّ من حدقاتها دموعٌ تجمعت بين طيات الجفون. حيث يودع المشيعون جثمان حميد مجيد موسى "أبو داود"، القائد الشيوعي والشخصية الوطنية الوقورة التي التقيتها وتركت لها في نفسي تقديراً عالياً واحتراماً من نوع خاص.
في المرة الأولى كان في مقهى "سلافيا" في براغ، ذلك المكان التاريخي الذي كان يرتاده المثقفون والأدباء والفنانون التقدميون، وكان المقهى المفضل للشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري، ردحاً من الزمن. وللكاتب المميز شمران الياسري أبو كاطع. وكان يرتاده الشيوعيون العراقيون واصدقاؤهم من الناشطين في الجمعيات والروابط الطلابية، فروع الاتحاد العام لطلبة العراق، وكنت انا منهم. كنت حينها عائداً من مشاركتي في مؤتمر لجمعية الطلبة العراقيين في بولندا، ووصلنا انا والزميل عصام الزند، من جمعية الطلبة العراقيين في تشيكوسوفاكيا، الى براغ، ومنها سأستقل القطار الى بلغراد، حيث كنت أقيم، ولكن ولما كان الوقت مازال مبكراً على موعد القطار، نصحني زميلي ان اذهب الى المقهى وسيأتي آخرون ممن يسكنون في براغ، حتى لا أكون وحيداً وبالفعل ذهبت الى هناك ورأيت شخصاً يجلس بكل وقار وهدوء منتظراً احداً ما. كان ذلك في بداية الثمانينات. شعرت وكأنني أعرفه منذ زمن طويل... علمت "بعد حين، أنه جاء ليمثل الحزب الشيوعي العراقي في مجلة قضايا السلم والاشتراكية.
ثم مرت الايام والشهور والسنوات، ومن خلال اهتمامي بالعمل الثقافي والصحفي، وكنت اراسل "طريق الشعب" التي كانت تصدر علنية ايام "الجبهة"، اتابع، كغيري ما يجري في الوطن، حيث انقلب البعثيون على حلفائهم في الجبهة، ونكلوا بالشيوعيين وغيرهم من اليساريين والديمقراطيين، الذين لم يتبق لكثيرين منهم سبل العيش الكريم فالتجأت أعداد منهم الى اوروبا الشرقية، وخاصة بلغاريا، أيام كانت شيوعية، وبعدها حدثت الحرب العراقية الايرانية وغزو صدام للكويت، وحرب الحصار ضد الشعب العراقي والحرب الأمريكية لتحرير الكويت من الغزو الصدامي، التي سميت بالحرب الامريكية الأولى، في تلك الفترة انتقلت الى بلغاريا ومنها الى السويد، في مطلع  التسعينات. وربما التقيت "أبو داود، خلال تلك الفترة، في بلغاريا، أو هنغاريا، أو في التشيك مصادفة بالطبع، ولم يعلق شيء من تلك اللقاءات بالذاكرة. ثم جاءت الحرب الثانية التي أسقطت صدام ونظامه القمعي ولكنها اسقطت معه أسس الدولة العراقية.
خلال تلك الفترة كانت المعارضة العراقية منقسمة حول الحرب الأمريكية على العراق، وبرز موقف الحزب الشيوعي الذي تميز بمعارضته للحرب ومناهضته في ذات الوقت للنظام الدكتاتوري الفاشي. مثلما برز إسم حميد مجيد موسى "أبو داود"، شخصية قيادية جمعت بين الليونة في السياسة والصلابة في المبدأ، والتعامل مع الأحداث بروية وموضوعية. وقد تحمل وزر النضال بشجاعة وحكمة. كل هذه الصفات سمعتها عنه حتى من المختلفين مع الحزب لسبب وآخر. حتى جاء اليوم الذي التقيته في ستوكهولم. كنت حينذاك اعمل صحفيا ومعد ومقدم برامج لقسم اللغة العربية المؤسس حديثا في الاذاعة السويدية. وشاءت الصدفة ان التقي أبو داود في ضاحية "سيترا" في ستوكهولم بصحبة الصديق العزيز جاسم الحلفي "أبو أحلام" فتصافحنا بحرارة. وعلى هامش الندوة التي اقيمت له في ستوكهولم والتي تحدث فيها أمام الجالية العراقية عن الاحداث السياسية الجارية في العراق والمنطقة مفصحاً عن رؤى الحزب حول ما يجري من خلافات بين قوى المعارضة. فالتقيته في حوار مسجل أذيع من راديو السويد. وفي ذلك اللقاء تعرفت على قائد سياسي ذكي، لمّاح ومنصت جيد متأني في الإجابة مهما كانت طبيعة السؤال. كان يتمتع بكاريزما نادرة من بين العديد من المسؤولين الذين التقيتهم في حياتي المهنية في هذه الاذاعة بالذات لأكثر من عشرين عاماً، قادة احزاب، وزراء وسواهم عراقيين وعرب ومن بلدان مختلفة.
 ومن الطبيعي، ان أبحث عنه، لإجراء لقاء صحفي معه للإذاعة السويدية التي أوفدتني الى اسبانيا في العام 2004 لتغطية اعمال مؤتمر مدريد للدول المانحة لإعادة اعمار العراق.
كنا نحن الصحفيون ومن جميع وكالات الأنباء ووسائل الاعلام العالمية والمحلية نتابع وقائع المؤتمر من صالة منعزلة تماماً عن قاعات الاجتماعات التي شارك فيها جمع كبير من العراقيين المشاركين في العملية السياسية، ومن قادة ووزاء خارجية ومالية، من البلدان الاوروبية والعربية، المانحة لإعادة اعمار العراق، نتابع من خلال الشاشات والمعلومات التي يفيدنا بها المكتب الصحفي للمؤتمر. كانت المشاركة العراقية واسعة لأعضاء مجلس الحكم وقادة الاحزاب السياسية ومن نشطاء في منظمات المجتمع المدني. ولكن اللقاءات بالقادة والمسؤولين المشاركين لم تجر بشكل منظم، حيث حصل تدافع بين الصحفيين للفوز بتصريح من هذا المسؤول او ذاك الوزير، من الذين عقدوا مؤتمراتهم المقتضبة في الصالة الصحفية. الا انه في بعض الاحيان تلعب الجهود الشخصية للصحفي دوراً بالحصول على سبق صحفي او مقابلة ذات طابع استثنائي. وكنت قد اجريت عدد من اللقاءات مع مسؤولين عراقيين من جهات مختلفة ومن ناشطين في منظمات المجتمع المدني وغيرها من الذين زاروا الصالة الصحفية، ومن خلال لقاء اجريته مع احدى الناشطات، وكانت من رابطة المرأة العراقية علمت بمشاركة حميد مجيد موسى سكرتير الحزب الشيوعي العراقي وعضو مجلس الحكم، فرجوتها اخباره عن وجودي هنا ورغبتي بأجراء حوار معه. وماهو الا وقت قصير حتى دخل "أبو داود" بطلّته بشوشاً، كعادته فقمت باستقباله، تحدثنا قليلاً ثم أجريت معه حواراً مطولاً باللغة العربية، نشرته على موقع الإذاعة السويدية على الانترنت مباشرة وبعدها اخبرت زميلتي من قسم الاخبار في الاذاعة السويدية "أيكوت" عنه فأجرت معه حواراً باللغة الانجليزية. كان لقاءً جميلاً أشعرني بتواضعه الجم ونبل أخلاقه.
وتمر الاعوام فالتقي "أبو داود " مجدداً، وهذه المرة في الحبيبة بغداد العام 2018 في الجلسة الصباحية التي أقامها الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق للإعلان عن تريشيحه مظفر النواب لجائزة نوبل في الأدب. كنت قد تحدثت فيها، باعتباري عضواً في لجنة الترشيح التي ترأسها "مع حفظ الألقاب" الناقد فاضل ثامر وعضوية عدد من الاسماء من بينها مفيد الجزائري، مالك المطلبي، عمر السراي، رياض النعماني، كاظم غيلان وآخرون. كان "أبو دواد" حاضراً في تلك الفعالية التي حضرتها شخصيات ثقافية وأدبية وسياسية من بينها ميسون الدملوجي، رئيسة اللجنة الثقافية في البرلمان العراقي والصحفي عبد المنعم الاعسم وغيرهم، من لم تسعفني الذاكرة بأسمائهم. كان لقاءً حميمياً حقاً. 
اللقاء الأخير في بيتي
لكن اللقاء الأخير كان مفاجئة رائعة لم أكن اتوقعها أبداً. كان مجيء "أبو داود " الى ستوكهولم، ليلبي دعوة اجتماعية، حفلة شخصية كنا نحن، زوجتي وأنا ايضاً مدعوان لها، لكن بسبب وضعي الصحي، لم أستطع تلبيتها. الا انه شرفني بزيارته الى بيتنا في اليوم التالي.
صدقاً أقول إنني فوجئت بتلك الزيارة التي اسعدتني جداً، وقد سادها جوٌ عائلي بامتياز. استفسر "أبو داود" عن صحتي، ولم يبح شيئاً عن حالته الصحية التي بدأت في تلك الفترة، وهو أمرٌ أقدّره عالياً بطبيعة الحال، وقد عرفت بها في وقت لاحق. تحدثنا في امور عامة كثيرة، وعن إصداراتي المتواضعة وكتاباتي في الصحف والدوريات والمجلات، ومنها مساهماتي في الثقافة الجديدة وطريق الشعب، وتوقف عند أحد المقالات البحثية التي نشرتها في الثقافة الجديدة بعنوان هل تشكل تطور تقنية المعلومات بديلاً للثورات الاجتماعية؟ فسألني إن كنت أومن بإمكانية حصول ذلك، فأجبته، ليس الآن ولكن ربما سيحدث هذا الامر في المستقبل، خاصة ونحن نعيش مرحلة تتطور فيها تقنيات التواصل العابرة للحدود بشكل متطور وبتسارع جداً.
ثم أخذته لأريه مكتبتي المتواضعة والتي من شدة اعتزازي بها خصصنا لها غرفة، قلت له، مازحاً هذه صومعتي كما اسماها أحد الاصدقاء، فضحك طويلاً.
وفي نظرة خاطفة الى محتويات رفوف المكتبة توقف "ابو داود" عند كتابي عن الأديب الراحل عبد الغني الخليلي "عبد الغني الخليلي.. سحر الكلمة وعشق الصداقات"، أعجبه العنوان وقال انه ينطبق على الخليلي حقاً. ثم حدثني عن معرفته بأبي فارس، وعن خصاله المميزة الكثيرة.
-         ابو فارس، كان انساناً نادراً ومن زمن نادر،
قال عنه "أبو داود"، وقد فاجئني حين ذكر لي انه قد رأى الكتاب في بغداد، وأنا لم ارسله حينئذ الى العراق، حيث طُبع في اوروبا ونفذت الطبعة الاولى، ولم يتبق منها سوى ثلاث نسخ، أحدها كانت بحوزتي عندما زرت العراق في العام 2017 وكانت مهداة الى الصديق الودود الفقيد عقيل الناصري الذي رحل هو الآخر عن عالمنا، قبل ايام من رحيل أبو داود. وكان الفقيد الناصري قد اعار الكتاب بدوره الى صاحب مكتبة في المتنبي. لقد دهشت فعلاً كيف وصل الكتاب الى أبو داود؟ كما دهشت أكثر عندما سألني عن عدد المرات التي سافرت، أو جئت بها الى العراق. قلت له، بجواب سريع، أعتقد أربع مرات، لكنه فأجابني، بالقول، لا انها خمس مرات. نعم، وكان محقاً في ذلك. فقد نسيت تلك السفرة التي جئت بها الى الوطن. وزرت خلالها بغداد ليوم واحد فقط.
كان ذلك اللقاء الأخير بالفقيد العزيز حميد مجيد موسى، وبعده وقد اختفت الصُدَف التي كانت تتيح تلك القاءات، حتى جاء نبأ رحيله الأبدي ليدفن في ثرى ارض غريبة، شأنه شأن الكثيرين من شغيلة الفكر والسياسة من الذين ضحوا بكل ما يملكون من أجل الوطن لكنهم دفنوا بعيداً عنه.
 فلروحك السكينة ايها النبيل الطيب، رحلت أنت الى الخلود وظلت ابتسامتك الهادئة معلقة على رفوف مكتبتي. 
12 مارس/ آذار 2026