تعرض هذه الرواية البناء السّردي و الموضوع الذي من أجله
أوجد الكاتب سرديّته الخاصّة، فتتحدث عن الشّخصيات و دورها
في عملية السرد إلى جانب الإيقاع السّردي ودلالته حتى
تصل إلى محوري الرواية الأساسيين وهما: الدّين والجنس
وطريقة عرضهما وكيفية توظيفهما في الرواية.
تختلف اتجاهات الكتابة الرّوائية باختلاف الاتجاهات الفكرية للكاتب. ولأن الثقافة والمعرفة التي يتميز بهما الروائي هما من العناصر الأساسية للكتابة، كان على كل روائي عند اختياره لموضوع معين أن يعرض للقارئ هذا الموضوع بأبعاده المختلفة سواء أكان مؤيّدًا لهذه الأبعاد أو معارضًا لها حتى يمنح المتلقي مساحة أكبر للتفكير والتحليل والنقد .
رواية جمال ناجي تعد أنموذجًا للرواية التي تهدف إلى خلق تيار من الوعي الفكري الّذي يولد بعد عملية تقييم للواقع الدّيني المرتبط بمجموعة وقائع سياسية واجتماعية وفكرية، كلها تدور في فلك الدين أو التمظهر الدّيني إن صح التعبير.
"م تصطدم الرواية – إجمالًا- بالذائقة العربية التقليدية ولم تتورط في مغامرات موضوعاتية أو شكلية غير محسوبة، بل ظلت مرتبطةً بالواقع العربي وتواصلت محاولات مبدعيها للتعبير عن معاناة الإنسان في حياته اليومية ولم تنبهر الرواية العربية بالمفاهيم الغربية التي تجردها من خصوصيتها"(1).
انطلاقًا من هذا، جاءت هذه الرواية تصويرًا للجهل المستشري في عمق الإنسان العربي الممزوج بالهشاشة النفسية والّتي تدفعه للعيش في تبعية عمياء للآخر الذي يفرض سطوته مستغلًّا سلطتين: المال والدين، أو يستغل المال والدين لتحقيق دوافع جنسية
أراد لنا الكاتب في هذه الرواية أن نقف أمام أنفسنا أوّلًا وأمام مجتمعنا ثانيًّا ونطرح الإشكالية الآتية: متى يكون الفرد متديًّنا بالمعنى الحقيقي لمفهوم التدين، أو بعبارةٍ أخرى ما هي السمات الصّحيحة للدّين؟ فيأتي بعدها تقييم الممارسات الدينية لمختلف الأفراد وهو ما حاولت الرواية الوصول إليه بعد أن عرضت الأنموذجين لمفهوم التدين على وفاق آراء شخصياتها .
الأنموذج الأول هو الأنموذج السّطحي الّذي يستلهم من الدّين قشوره وعند تصادم مصالحه مع الدين ينزع عنه هذه القشور ويتجرد منها، والأنموذج الثاني هو الأنموذج الذي لا يعنى بالدين لا ظاهريًّا ولا باطنيًّا فيتجنّب التّوغّل فيه خوفًا من عدم قدرته على استيعابه ويفرض على نفسه أن يتحرر من قيوده. وفي الحالتين يتحول السلوك البشري إلى سلوك غرائزي نفعي يسعى لنيل المكاسب بصرف النظر عن رأي الدين فيه
عند قراءتنا للرواية نلاحظ أن رسم الكاتب للشّخصيات قد تمّ بمسار أحادي في تطورها أي إنها تتطور معًا تطوّرًا يشتدّ ويخفت واضعًا مختلف الشخصيات في دائرة واحدة ضيقة من حيث الحدود الزمنية والمكانية ومتسعة من حيث التوظيف الدلالي للأفكار التي لا تخلو من بعض النقد السّياسي والاجتماعي.
لجأ الكاتب في عرضه للحوادث إلى تقنية التقديم المباشر للشّخصيات بحيث ظلّ خارج العملية السّردية وترك للشخصيات أن تعرّف ذاتها وتعبّر عن هواجسها وأفكارها تعبيرًا حرًّا حقيقيًّا وأبقى ذاته كسارد بعيدًا من انعكاسات الحوادث وتأثيرها في علاقات الشخصيات بعضها ببعض وقد أسهمت هذه التقنية في تأكيد الموضوعية النّسبية التي يحاول الكاتب إظهارها وهذا البعد هو الحد الفاصل بين الكاتب وبين الشخصيات وهو نفسه الحد الذي سيعطى للمتلقّي لاحقًا لتلقّف ما يودّ الكاتب إيصاله إليه بطريقة غير واعية وتلقائية مجردة من أي فرض.

قُدّر للشخصيات منذ بداية الرواية أن تكون ذات نزعة دينية متشددة وهو تقدير متشابه بينها في الظاهر إلا أنه متعدد الاتجاهات والمنطلقات في مضمونه فلكل شخصية هدف تتخذ من أجله الدين وسيلة للوصول إليه ولكن اللّافت هو أن الشخصيات ومنذ ظهورها الأول باعثة على النفور، ليس النفور الذي يبعد القارئ من متابعة الرواية، بل هو النفور الذي يتعمده الروائي لجذب القارئ حتى يستميل عواطفه ويوظّفها في خدمة مراده وهو النفور الذي اعتاد عليه القارئ العربي في الروايات التي تتناول التطرف الديني. لكن ما يؤخذ على الكاتب هو إصراره على أن يحوّل التدين إلى مسار أيديولوجي مثير للريبة إذ جعل كلّ متدين في الرواية منافق وفاسد دون وجود شخصية متدينة واحدة على الأقل تحمل الفكر الديني السليم شكلًا ومضمونًا بالرغم من ملاحظة مدى جديته في إضفاء بعض التشويق والغموض على الصّورة النمطية للشخصية المتطرفة لجعل الرواية أقرب إلى المتلقّي وهو ما كسر الجمود فيها.
حافظ الكاتب على إيقاع سردي واحد بقي هادئًا حتى الوصول إلى ذروة التأزم وعنصر التشويق جاء مخفّفًا ولكن لا يعدّ هذا عيبًا فنيًّا، أوّلًا لأن الفضاء الذي تتحرك فيه الشخصيات فضاء بسيط غير مثقل بالتعقيدات، وثانيًّا لأن الشخصيات التي تحمل عبء تطور الأحداث غير مركبة وإن كانت تتمتع بتعدد الأوجه إلا أن جوهرها سهل الفهم والإدراك فابتعد من الصراعات العميقة التي تكون أكبر من وجود الشخصية النفسي والفكري.
برز الجنس في الرواية بروزًا قويًّا وجعله الكاتب النقطة التي تلتقي عنده معظم الشخصيات نظرًا لأهميته في الكشف عن التأزم النفسي للشخصيات التي رأت في الجنس تعويضًا عن نقص عاطفيٍّ داخلها وهذه الحال لا تقتصر فقط على الرجال بل صار الجنس هاجسًا عند المرأة أيضًا، من هنا أكد الكاتب أن قضية الجنس في الرواية العربية هي قضية إنسانية ولا يمكن حصرها في حدود مجموعة من السّلوك، أو جعلها قضية آنية، وهذه الفكرة أشار إليها الكاتب حين نقل لنا الظّروف الاجتماعية والثقافية لكل شخصية قبل الحديث عن البعد الجنسي فيها فقضية الجنس قضية شائكة مرتبطة بقضايا أكثر تعقيدًا كالدين وعلم النفس، ومن خلال هذا الدافع، استطاع الكاتب أن يسلط الضوء على مجموعة من العقد الّتي تحتلّ الحياة النفسية للشخوص، وأن يبقي القارئ مشدودًا إليها دون إطلاق الأحكام، وصار القارئ أكثر تقبّلًا لها لا للدّفاع عنه بل لمعالجته.
" فعلاقة الإنسان بذاته هي في النهاية علاقة جسدية ومن ثم تكون الحقائق الحاملة للمعنى هي حقائق الجسد ذاته الذي يحمل المعنى ذاته، وهذا التأصيل المفهومي للجسد الخاص يدفعنا إلى الإقرار بأن الذاتية الإنسانية هي في أصلها ذاتية جسدية وفي ذلك يتأكد البعد الاجتماعي والمعرفي للظاهرة الجسدية، وهذا ما انتهت اليه العلوم الإنسانية المعاصرة.."(2).
إلا أن الكاتب لم يستغل موضوع الجنس بشكل فاضح ولم يكن جريئًا وصريحًا في توصيفه بكامل تفاصيله لأن غاية الكاتب من عرضه ليست جنسية، انما عرضه كان بهدف الوصول الى أبعاد أكثر أهمية وهي التخلف والتطرف على عكس بعض الروايات العربية التي كسرت كل القيود وعرضت موضوع الجنس بشكل فاضح.
الكاتب يرى أن القاعدة الأساس التي يستند إليها التطرف لينمو وينتشر هي الجهل فانعدام الوعي هو العنصر الذي يمكّن رجال الدين الفاسدين من احتلال عقول الناس والتحكم بها نتيجة تمسك المجتمع بالدين واتباعه من اي مصدر كان إلى جانب عامل الفقر الذي يحصر الإنسان في دائرة البحث عمّا يسد به رمقه لا سيما إن كان المسؤول عن إطعامه مجموعة من المتطرفين، عندها يستميلون قلوب المساكين ويكسبونهم في صفوفهم حتى يتحولوا الى دمى يلعبون بها كيفما شاءت مصالحهم.
وللغاية سعى المتطرفون في الرواية إلى زرع الأفكار الملوثة والأوهام وكل ما له علاقة بالسحر حتى يبعدوهم عن الحقيقة فيحافظوا على وجودهم ومكانتهم مع "الغلو في العصبية الدينية، وما نشأ عنها من اضطهاد وتعذيب وسفك الدماء، وأضرار عقلية كالتي نشأت من الخرافات والأوهام.."(3).
والتّغيير يبدأ من إعادة التفكير بكل المعطيات الدينية وضبط السلطة التي يتمتع بها رجال الدين حتى لا يستفردوا بها عندها يمكننا الحديث عن نهضة شاملة وواسعة في كل مجالات الحياة لخلق نظام سياسي واجتماعي ينسجم مع الدين ولا يعارضه لتحقيق العدالة الاجتماعية.
وأزمة التطرف لا تغيب عن الأزمة السياسية العربية بل هما متداخلان، فالسياسة تستفيد من الوجود الديني المتطرف لإرساء قواعدها والمتطرفون يستغلون القاعدة الشعبية لهم للوصول الى السياسة لذلك نلحظ تركيز الكاتب في الحديث عن السياسة مع كثير من النقد للواقع السياسي الهش والمتزعزع فقد جعل السياسيين تحت رعاية المتطرفين. "فالروائي اتخذ من قضية القهر السياسي المسألة الأساسية في عمله الإبداعي. وقضية قهر الإنسان عنده ليست ضبابية أو مثالية، إنما هي متجسدة ببعدها السياسي والاجتماعي، لذلك يتمثل القص الروائي عن التاريخ والسياسة بكتابه المسكوت عنه.."(4).
" صارت إشكالية الدين تمثل تشكيلًا فنيًّا في الإبداع العربي المعاصر على عكس الرواية السابقة التي كانت تعده أحد المحرمات، ومنه صارت الرواية المعاصرة تقدم الجانب الديني لرؤية فكرية جديدة ، وهذا كله نتيجة تطور آليات القراءة الثقافية المعاصرة." (5)
نجح الكاتب في توظيف واستثمار مكونات رواية وعناصرها في ايصال ما يريد إلى القارئ بأسلوب متين متجنّبًا الغوص في تفاصيل لا تخدم الموضوع، وإن ابتعد الكاتب قليلًا من اللغة الشاعرية إلا أن القوة السردية التي نلحظها عند قراءتنا قد حققت جمالية فنية .
طرح موضوع الدين والجنس بنمط هادئ يثير في المتلقي الرغبة في إعادة بلورة بعض المفاهيم بعيدًا من الانفعال معتمدًا فقط على عنصر العقل لأن الموضوعين المطروحين لا يحتاجان الى العواطف والانفعال إنما إلى التفكير المنطقي والعقلاني .
إن مراد الكاتب من روايته ليس الاقناع او فرض ما يريد من أفكار على القارئ انما يريد من القارئ أن يعي بمفرده وبعد دراسة وتحليل الواقع العربي أن التغيير يبدأ حين نرفع ثوب القداسة عما هو غير مقدس حتى نتمكن من الوصول إلى تغيير إنساني عام.
جمال ناجي / روائي وقاص اردني توفي عام 2018
الهوامش :
1 ـ بهاء الدين محمد، النزعة الإنسانية في الرواية العربية وبنات جنسها، 2007، ط1، العلم والإيمان للنشر والتوزيع، ص: 44
2ـ عبد الوهاب بو شليحة، خطاب الحداثة في الرواية المغاربية، 2011، ط1، نادي الإحساء الأدبي، ص:300- 301
3ـ احمد امين، فيض الخاطر، تق: عبد الرحيم الكردي ،2009 . ج9 ، (ط3) دار الكتب المصرية. ص249