
أهو الأمان أم قناع القلق المنظم في لوحة جبران طرزي ؟
يُقدم الفنان "جبران طرزي" لوحته كفخ بصري ناعم ويجعلها مساحة آمنة ظاهرياً، كأرض مستوية لا تخبرك أنّها مائلة إلا بعد أن يتغلغل البصر فيها، فمنذ اللحظة الأولى، تمنحك الأشكال شعوراً بالطمأنينة عبر مربعات متساوية، شبكة منتظمة، حدود واضحة، ألوان محدودة، توزيع متوازن لا يختل. كل شيء يجعل المتلقي يشعر أن هذا الاطمئنان ذاته هو أول الإثارة وزوبعة من تساؤلات لا تنتهي منها هل نثق بالنظام لأنه صادق، أم لأنه واضح فقط؟ وهل يمكن للشكل المُتقن أن يُخفي فراغاً من دون أن يكذب؟ ومتى يصبح التكرار وسيلة للسيطرة بدل أن يكون أداة للفهم؟
في كل مربع، يتكرّر شكل واحد، أو هكذا يخيل لمن يتـأمل اللوحة من شكل هندسي، يبدو ثلاثي الأبعاد، مصقول الزوايا، مُحكم البنية. شكل يمكن للعقل أن يتعامل معه بسهولة، لأننا نحب الأشكال التي نعرف كيف نُكمِلها ذهنياً. فنحن نحب ما يوحي بالحجم، بما يشبه الأشياء التي يمكن لمسها، تدويرها، وضعها على طاولة. لكن هذا الشكل لا يسمح بذلك. هو يمنحك وهم البعد الثالث، ثم يسحبه في اللحظة نفسها. لا ظلّ حقيقي، لا مصدر ضوء ثابت، لا منظور يُمسك به. كل محاولة لتثبيته تنتهي بانزلاق جديد..
التكرار إذا ليس راحة، بل استنزاف. فكل مربع يغيّر اتجاه الشكل قليلًا، انقلاباً خفيفاً، ميلًا بالكاد يُلاحظ، وكأن اللوحة لا تقول لك إنّ الشكل يتحرّك، بل تجبرك على اكتشاف ذلك بنفسك. العين تبدأ العدّ، ثم تتعب. العقل يحاول إيجاد نمط نهائي، ثم يكتشف أنّ النمط نفسه يتفلّت. لا يوجد مربع هو الأصل، ولا آخر هو النسخة. كل وحدة مكتفية بذاتها، لكنها في الوقت نفسه ناقصة بدون الأخريات. وهذا التناقض هو جوهر التوتّر. إذ تخلق حالة تجعل المتلقي يُدرك، أن الطمأنينة قد تكون تركيباً بصرياً، وأن القلق قد يكون الحقيقة التي نحاول تنظيمها قبل مواجهتها وكأن الفنان جبران طرزي يقول لنا إن النظام ليس سيئ، بل النظام ليس بريئاً. وأن الجمال حين يصبح دقيقاً أكثر من المعتاد يبدأ بطرح أسئلة قبل تقديم إجابات. فهل يمكن للشكل المتقن أن يُخفي فراغاً من دون أن يكذب؟ وإذا كان هذا النظام لا ينهار، فهل لأنه قوي؟ أم لأنه لا يسمح للبصر باختباره؟ وهل يمكن أن يتحوّل السؤال من سؤال عن اللوحة إلى سؤال عن الإنسان. عن علاقتنا بالأنظمة التي نبنيها كي نشعر بالأمان وتصديق ما يُرسم بخط مستقيم حتى لو كان الداخل متذبذباً؟

يُجبر طرزي العين الانتقال من شكل إلى شكل ومن لون إلى لون الأصفر الترابي والأخضر المائل للرمادي والأزرق الباهت والبرتقالي الدافئ فالألوان بدورها، تشارك في هذه الخدعة الهادئة. لا ألوان حادّة، لا تباينات صادمة. الأزرق باهت كسماء مغطّاة، الأصفر ترابي كأرض قديمة، الأخضر مائل إلى الصمت، البرتقالي دافئ لكنه مكتوم. ألوان توحي بالاستقرار، بالقدم، بالموثوقية. لكنها موزّعة بحيث لا تسمح للعين بالاستقرار بل تبقى بحالة قلق لتثير قوة الاكتشاف. فاللون لا يثبّت الشكل، بل يزيد من ارتباكه. وما لا يمكن رؤيته بشكل مباشر هو في الحقيقة بنية خفية، فالشكل الأساسي لا هو مكعب كامل ولا شكل مسطح، وعقلانياً البصر يحاول باستمرار إكمال البعد الثالث، لكنه يفشل فيبدأ القلق العبقري إن صح لي قول ذلك بمعنى القلق الذي يثير التفكّر، فهو يوحي بالحجم ثم يسحبه مما يجعل المتلقي في حالة قلق وتساؤل أيضا عن قوة هذا النظام؟ فهل كل مربع في أعمال طرزي هو لحظة مختلفة من الشكل نفسه؟ وهل الدوران والميل والانقلاب والانعكاس يجعلنا أمام سلسلة لقطات لشكل واحد يتحرك في فراغ بلا مركز لا بداية ولا نهاية فقط استمرارية ؟ أم هذا يجعل اللوحة زمنية ولا مكانية فقط؟
في أعمال طرزي يتكشّف معنى التجريد البنائي في أكثر حالاته قسوة. فالتجريد البنائي، في تاريخه، وعد الإنسان بأنّ العقل قادر على بناء عالم متماسك من الخطوط والأشكال. وعد بأنّ الهندسة لغة الحقيقة، وأنّ النظام طريق الأمان. هذه اللوحة تستخدم اللغة نفسها، لكنها منضبطة حد القسوة . إنها تتكلّم بالعقل، لتُظهر حدوده. تبني لتكشف هشاشة البناء. تكرّر لتفضح فراغ التكرار.وهي أشبه بلغز لا يمكن فك معناه ولكن يجعلنا نتعايش مع محاولات فهمه. فهل التحوّل داخل القيود هو وهم جميل يكفي تصديقه؟
لا يمكن أن يشعر المتلقي أمام هذه اللوحة بالاستقرار الذي يبدو آمناً لكنه وهمي، فهو قلب التجريد البنائي حين يفقد عفويته ويجعلنا داخل الشبكة الصارمة التي تحتضن كل مربع، فهي ليست إطار حماية، بل قفصاً ذهنياً. وكأن طرزي يقول كل شيء في مكانه، كل شيء ضمن المنطق البصري. لكن ما الذي يعنيه المنطق البصري إذا لم يكن هناك مركز؟ ما الذي يعنيه التوازن إذا كان موزّعاً بالتساوي إلى حدّ إلغاء الثقل؟ لا نقطة تستريح عندها العين، لا محور تُقاس منه الحركة. اللوحة بلا قلب، وهذا مقصود. إنها بنية بلا نواة، جسد بلا عضو حاكم. أو الأصح كالعين التي تقول أنا في مكان آمن، كل شيء مضبوط. فهل يُجبر طرزي دماغ المتلقي على إعادة الحساب في كل شكل؟ وهل كل هذا لا يُشكل استقراراً بل تعليق دائم للإدراك؟
النظام في أعمال طرزي يساوي الحقيقة والهندسة هي اليقين فأدواته البنائية من خط وزاوية وقياس وتكرار هي القلق المنظم ومع التأمل العميق يبدأ المتلقي في الشعور بأنّ اللوحة لا تتحرّك، بل هو الذي يتحرّك داخلها. كأنّ الزمن هو ما يتكرّر، لا الشكل. كل مربع يبدو كزمن محتمل للشكل نفسه، لحظة عابرة لا تكتمل.إذ يتحوّل التخطيط التجريدي\ البنائي من مساحة إلى سرد، من شكل إلى تجربة زمنية. فلا يمكن للبصر أن يمر بها مرور الكرام بل يتغلغل بالأنماط المُتوقعة والتكرارات والشبكات، فهذا هو الفن الذي يثق بأنّ للإرباك الحسي والبصري قيمة، وبأنّ القلق الهادئ أكثر صدقاً من الطمأنينة المصطنعة. هو فن يعرف أنّ الإنسان المعاصر يعيش داخل شبكات مشابهة من أنظمة، جداول، تكرارات يومية، وعود بالاستقرار، بينما الداخل يهتز بلا توقف. فهل يريد طرزي قول ليس كل ما يبدو مضبوطاً متماسكاً وليس كل ما هو هندسي صادقاً وليس كل استقرار إلا احتمال سقوط مؤجل؟
ما من مخرج بصري في هذه اللوحة فالأثر النفسي الخفي يتجلى بعد تأملها فقد يشعر المُتلقي بتغيير زاوية النظر للبحث عن مخرج بصري غير موجود. إذ لا شيء والازدواجية ليست خللًا، بل موقفاً. موقف يجعلنا نكتشف ما معناه إنّ النظام ليس نقيض الفوضى، بل هو الأكثر تهذيباً. وإنّ الاستقرار قد يكون قناعاً، وإنّ الأمان قد يكون مجرد اتفاق بصري بين العين والعقل على تجاهل ما لا يمكن حسمه. فالتجريد البنائي ليس بناء، بل اختباراً لفكرة البناء. هو استقرار بلا أرض، نظام بلا مركز، أمان بلا ضمان. فهل الاستقرار الذي نبحث عنه هو حالة واقعية، أم مجرد صورة نكررها حتى نصدّقها؟ وهل جبران طرزي يحتفي بالهندسة، أم يستخدمها كمرآة. مرآة تُظهر لنا شغفنا بالنظام، وخوفنا من اللايقين، واستعدادنا لتصديق أي استقرار ما دام مرسوماً بخطوط مستقيمة؟

في النهاية يمكنني القول أن قراءتي لأعمال الفنان جبران طرزي هي انطلاقة انطباعية تحليلية تكشف عن نفسها بوصفها نموذجاً دقيقاً لما يمكن تسميته الاستقرار غير القابل للإقفال فكل عنصر فيها يشير إلى نظام، لكن أي محاولة لإغلاق هذا النظام معرفياً تفشل، لأن الشبكة المربعة، في ظاهرها، تمثل أبسط أشكال التنظيم الممكنة مثل تقسيم متساوٍ للفضاء،وحدات قابلة للعد، بنية يمكن توصيفها دون فقدان. غير أن هذا التوصيف ذاته هو ما يتحول إلى عبء، لأن الشبكة لا تعمل كإطار حاسم، بل كحقل توزيع. كل مربع لا يحدد موقعاً، بل يؤجل التحديد وكل تساوٍ في القياس يخلق اختلافاً في القراءات النقدية. رياضياً يمكن اعتبار اللوحة فضاءً ذا شروط حدية ثابتة. بحيث يبقى النظام متماسكاً من الخارج ومفتوحاً من الداخل. الشكل الواحد المتكرر لا يؤدي وظيفة النسخ، بل وظيفة التحويل، لأن كل ظهور له يخضع لتغير دقيق في الاتجاه أو العلاقة، ما يمنعه من أن يصبح مرجعاً. ويمكنني القول أن التناقض الجوهري يتمثل في التكرار، الذي يفترض أن يقلل المعلومات، فكل تكرار لا يُلغي السابق، بل يضيف طبقة جديدة من الاختلاف، وكأن النظام لا يتقدّم نحو حل، بل يتراكم حول فجوة مركزية لا تُرى. هذا النوع من البنى معروف في الفيزياء النظرية بوصفه حالة شبه مستقرة: لا انهيار، ولا اتزان نهائي. اللوحة لا تخلق فوضى، لكنها تمنع الوصول إلى حالة توازن إدراكي، لأن شروط التوازن لا تكتمل. العين، في هذه الحالة، تتحول من جهاز استقبال إلى جهاز قياس يفشل باستمرار في تثبيت القراءة، لأن كل قياس يغيّر موقعه المرجعي. اللون، من جهته، لا يعمل كقيمة جمالية مستقلة، بل كمعامل تخميد. الألوان المختارة تقع في مناطق طيفية تقلّل من الاستثارة العصبية، لكنها لا تلغي الحمل المعرفي، فتحدث مفارقة دقيقة مثل انخفاض الإحساس يقابله ارتفاع في الجهد الذهني. هذا يشبه أنظمة فيزيائية ذات طاقة كامنة منخفضة، لكنها عالية الحساسية لأي اضطراب صغير. وهكذا، يصبح القلق ليس نتيجة صدمة، بل نتيجة استمرارية. كل مربع يَعِد بأن يكون نهاية المسار، لكنه يفشل في ذلك، لأن بنيته لا تسمح بأن يُقرأ منفصلًا. الاستقلال هنا ليس خاصية حقيقية، بل فرضية بصرية سرعان ما تُنقَض، لأن معنى كل وحدة لا يظهر إلا ضمن شبكة العلاقات. من منظور هندسي، يمكن القول إن اللوحة ترفض وجود محور إحداثي مهيمن، لا أصل، لا اتجاه موجب ثابت، لا بعد يمكن تثبيته دون تناقض. هذا يضع المتلقي داخل فضاء بلا إطار إسناد، حيث تصبح كل قراءة صحيحة محلياً وخاطئة كلياً. الأمان، ليس قيمة موضوعية، بل أثر جانبي لتنظيم لا يسمح بانفجار التناقض دفعة واحدة، بل يوزعه بالتساوي. المربع لا يحمي، بل يقسّم. النظام لا يطمئن، بل يُدير القلق بكفاءة عالية. وهنا تكمن خطورة الجمال المنضبط، إنه لا يكشف هشاشته، بل يخفيها خلف انتظامه. اللوحة، ليست عن الشكل، بل عن حدود القدرة على الإغلاق المعرفي. إنها تجربة على الإدراك أكثر منها عرضاً بصرياً. كل ما فيها يعمل كما لو كان معادلة بلا حل صريح، أو برهاناً صحيح الخطوات، غير مكتمل النتيجة. لا انهيار يحدث، لكن لا راحة تتحقق. وهذا بالضبط ما يجعلها نموذجاً بصرياً لفكرة أعمق وهي أن الاستقرار قد يكون حالة إدارية لا وجودية، وأن النظام، حين يُتقن، لا يلغي القلق بل يمنحه بنية، وأن الطمأنينة التي نشعر بها أمام الأشكال الواضحة ليست دليلًا على الأمان، بل على نجاح الشكل في تأجيل السؤال بدل الإجابة عنه.
فإذا كان هذا النظام البصري قادراً على الاستمرار دون أن يبلغ حالة اتزان، فهل يعني ذلك أن الاستقرار ليس سوى وهم إحصائي ناتج عن تكرارٍ كافٍ؟ وإذا كانت الشبكة لا تمنح مركزاً بل توزّع المعنى على وحدات متساوية، فهل يمكن للمعنى أن يوجد أصلًا دون نقطة مرجعية؟ ثم، هل القلق الذي تولّده اللوحة ناتج عن قصور في الإدراك، أم عن اكتمال مفرط في النظام نفسه؟ وإذا كانت الطمأنينة هنا نتيجة خفض الاستثارة لا نتيجة حلّ معرفي، فهل نثق بما نشعر به أم بما نفهمه؟ وأخيراً، إذا كان الشكل المنضبط قادراً على إدارة القلق بدل تبديده، فكم من أنظمتنا اليومية تعمل بالطريقة نفسها، وكم من شعور بالأمان ليس إلا أثراً جانبياً لتنظيم ناجح للهشاشة؟
والفنان اللبناني جبران طرزي عام 1944، ولد ونشأ في المغرب خلال أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، في بيئة محافظة ومتعددة الطبقات الثقافية، تراوحت بين المدرسة الكاثوليكية الفرنسية الصارمة في الرباط، وعلاقات والده ألفريد طرزي الوثيقة بالملك محمد الخامس، وبالبرجوازية المغربية والحرفيين التقليديين. وكان القاسم المشترك بين هذه العوالم جميعها تجارة التحف المغربية والمشرقية، وهي المهنة التي ارتبطت باسم عائلة طرزي منذ أكثر من قرن ونصف، وامتزجت فيها الحرفة بالفن، والذاكرة بالهوية.
غير أن جبران طرزي، منذ ستينيات القرن الماضي، اختار مسارًا مغايرًا، فتمرد على الإرث العائلي ورفض الاكتفاء بدور الوريث الحِرفي، متجهًا نحو الحداثة الأدبية ومتأثرًا بالفكر اليساري، من دون أن ينخرط تنظيمياً في اليسار العربي، بل عبر شبكة من الصداقات الثقافية والفكرية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، وجد نفسه مجبرًا بين عامي 1974 و1986 على العودة إلى “مشغل طرزي” العائلي، متحملًا مسؤولية الألوان في فنون الخشب الشرقية، في مفارقة جسّدت الصراع بين القناعة الفكرية والضرورة التاريخية.
شكّل عام 1986 نقطة التحول الحاسمة في مسيرته، إذ أدى حل “مؤسسة طرزي للفنون” إلى تحرره النهائي من سلطة العائلة، وانتقاله إلى قرية بلونة في كسروان، حيث سعى إلى استعادة توازنه النفسي بعيدًا عن أهوال الحرب. ورغم عودته إلى الكتابة الأدبية، إلا أن محدودية جدواها الاقتصادية دفعته إلى تصميم المرايا والصناديق الشرقية، قبل أن ينزلق، شبه مصادفة، إلى التجريد الهندسي الحديث، ليبدأ بين عامي 1988 و2003 واحدة من أكثر التجارب العربية دقةً وانضباطًا في هذا المجال.
لم يكن التجريد لدى جبران طرزي ممارسة شكلية، بل كان نضالًا بصريًا وفلسفيًا، قوامه الصبر والتأمل والانضباط الصارم. لم يترك للصدفة أي دور في أعماله، إذ كانت كل لوحة نتاج مئات الرسومات الهندسية والمخططات الورقية، فيما خضعت الألوان لسلسلة طويلة من الاختبارات المتراكمة، بحيث تختزن اللوحة الواحدة عشرات الطبقات اللونية الممحوة، في سعي شاق للوصول إلى التوازن النهائي. وقد دفع هذا الإخلاص الجسدي والفكري ثمنًا باهظًا من الجهد والألم، لكنه شكّل جوهر رؤيته الجمالية.
سعى طرزي بوعي حاد إلى التمايز عن الحرفة التقليدية، مدفوعًا بتمرده الفكري، لكنه في الوقت ذاته لم ينفصل وجدانيًا عن مغرب طفولته، ولا عن معرفته العميقة بالفنون الإسلامية والزخارف المشرقية. ومن هذه المفارقة بالذات، وُلد مشروعه في “الحداثة الذاتية”، إذ آمن بأن الشرق يمتلك أدواته الخاصة للحداثة، من دون الحاجة إلى استيراد النماذج الغربية. فطرح الشرق لا بوصفه ماضيًا جامدًا، بل باعتباره أفقًا منافسًا وقادرًا على محاورة التجريد العالمي بندّية.
غير أن هذا الطموح اصطدم طويلًا بصورة اجتماعية لازمت اسمه، بوصفه مرتبطًا بالحرف التقليدية وتجارة التحف، ما حال دون الاعتراف به كفنان عربي معاصر في حياته، وخلّف لديه شعورًا بالمرارة والندم. توفي جبران طرزي عام 2010 من دون أن يشهد اكتمال هذا الاعتراف، لكن الزمن أنصف تجربته لاحقًا، فتكاثفت الدراسات النقدية حول أعماله، وبرزت أهميته بوصفه مجددًا في التجريد الهندسي العربي.
لعب الناقد والشاعر العراقي خضير الزيدي دورًا محوريًا في توثيق هذه التجربة، من خلال كتابيه “جبران طرزي – سيرة إبداع فني مشرقي” (2024) و“جبران طرزي – رائد الأصالة والتجديد” (2025)، حيث قارب فلسفته الجمالية في ضوء بيان “الحاجة إلى الشرق”، وربط تجريده الهندسي بالأيقونات والخط والمنمنمات، وقارنه بتجارب عالمية مثل فيكتور فازاريلي، وبتيارات فكرية عربية حديثة عند شاكر حسن آل سعيد والجابري وأدونيس وأركون.
وقد تكرّس موقع جبران طرزي بين التراث والحداثة منذ عام 2015، مع دخول أكثر من خمسين عملًا له إلى المتحف العربي للفن الحديث في قطر، ثم إلى متحف عالمي مرموق عام 2023. وتعمل مؤسسات لبنانية كبرى، مثل متحف بيروت للفن (BeMA) ومتحف الجامعة الأميركية في بيروت ومتحف “نابو”، على أرشفة أعماله وإعادة إدراجها ضمن السردية التاريخية للفن اللبناني والعربي، فيما أدرجت أعماله في المناهج الأكاديمية للجامعة اللبنانية.
تكمن أهمية جبران طرزي في كونه لم يقدم حلولًا بصرية جاهزة، بل فتح أسئلة عميقة حول معنى الهوية وجدوى الفن، مثبتًا أن الحداثة لا تُستعار بل تُصاغ من الداخل، وأن الشرق قادر، حين يُعاد التفكير فيه، على أن يكون مصدرًا لا ظلًا.