أيار 20
   
 
تمثل رواية (نور خضر خان) للروائي جابر خليفة جابر تجربة سردية تنطوي على الكثير من روح التجريب وتعدد مستويات الدلالة. وتتجلى روح التجريب الفني في استثمار الوقائع التاريخية والاقتراب من التاريخ على وفق صيغة الأستلهام وليس بصيغة أو خصائص، الرواية التاريخية المحضة فالرواية تمركز حول توظيف الوقائع التاريخية وتوظيف التاريخي ومزجه بالمتخيل السردي ومنذ البدء والعتبات والأشارات نكتشف البنية المركبه أو اللعبة السردية المخاتلة لتمرير المضمون الإنساني وتعددية توجهاته والكشف عن المسكوت عنه واليومي والمهمل في تضاعيف الواقع التاريخي والمرحلة الممتدة التي تجسدها الرواية منذ المرحلة أو العصر العثماني وحتى نهاية القرن العشرين وهناك إشارات ومشاهد للحرب الواقعية الإيرانية وسنوات الحصار في التسعينات وتجسد الرواية لجوء أسرة نور وهروبها من مجزرة الموت أو الأبادة العثمانية للارمن عام 1915 واستقرارها في البصرة والتعايش الاجتماعي وتماسك النسيج المكوناتي الذي يوحي لعميق هواياتي ونسق انساني يجمع الشخصيات المختلفة ومن أديان وطوائف ومذاهب مختلفة ومن الخصائص الفنية للرواية وأطارها المركب أنها لم تمركز حول متن حكائي احادي أو بؤرة سردية مستقلة ومتمركزة بل اتبعت الرواية أسلوب التخطي أو البناء الشذري فتحولت الى عدد كبير من الحكايات والشخصيات ولتعدد الأمكنة والازمنة على وفق توليفه سردية لا تخلو من التوثيق والتشويق وانباء السردي المتشابك وتعدد الرواة فيها (نور ، سهيلة ، آنوش وغيرها ..) واعتمدت بذلك على تقنية (بوليفونية) وتعدد الأصوات وظلت الرواية تنسج خيوطها بأسلوب التوليد السردي لعدد كبير من الحكايات والقصص والاجواء مما منح الرواية بعدًا اجماليًا في تنوع البيئات والمواقف والدلالات.
 وترتكز الرواية على أسلوب ( الميتا سرد ) بوصفها رواية داخل رواية حيث يذكر فيها اسم الكاتب جابر خليفة جابر لغرض كسر الأيهام وتقديم نص فيه الكثير من التجريب وقصدية الخطاب وكما في المقطع السردي "تضمن القسم الأول سيرة للرواية / الكتاب استخلصها الأستاذ خاجيك مما تركته زوجته الراحلة من أوراق ويوميات ، إما القسم الثالث فقد تضمن دليلاً للأسر والأشخاص اعده الأستاذ خاجيك ايضًا" وضم القسم الثاني رواية (انوش )كما صدرت في الطبعة الأولى سنة (2024) وفقًا لصياغة وإعداد الروائي الراحل الأستاذ جابر خليفة جابر رحمه الله ومن دون تعديلات وقد توخينا من الأضافة " تقديم تفاصيل جديدة تبين الجهد الكبير الذي بذلته المؤلفة الأصلية للكتاب (أم زوجتي) السيدة الراحلة نور خضر خان رحمها الله " ( الرواية :٩). والمقطع يكتشف عن ملامح التجريب واللعبة السردية المخاتلة مع تأطير فانتازي وغرائبي ولمحة ميتا سردية تجسد (الرواية داخل الرواية) تجسد ذكر المؤلف الحقيقي.
يتيح السرد المخاتل التوكل في تفاصيل ووقائع تاريخية وحكايات متناثرة على مدى زمني ممتد منذ القرن السادس عشر وحتى يومنا الحاضر. وهذا الامتداد الزمني الواسع اقتضى تتبعًا وتجسيدًا لأحداث متشابكة وشخصيات متناقضة وسم الرواية بنوع من الأستطراد المضاعف والتشضي على مستوى البنية السردية ومن خصائص الرواية الفنية ان فصولها أهملت عناوين تذكر فيها الشخصيات مثل ( سهيلة، مريام) و(سلام) و (نظران) و( علي زمان) و( عدن افندي) و(محاسن) و(سلطانة) و( احمد بن مهنا) و(أشرقت) و(حكايات توما) و )ماركيل) و(فاطمة القراطيسي) و(ارميناك) و(علي خضر خان) وغيرها من الشخصيات التي تشكلت على شكل عناوين لكل فصول الرواية المتشابهة والمتسلسلة والمتشابكة مما جعل رواية تتسم بهذا البناء التركيب والأطاري واتاح لها السياحة في عدة ازمان وأزمنة وتتبع الشخصيات المختلفة .
وتتمركز الرواية من حيث التيمات والمضامين حول الأنسان والصراع الطبقي والقيمي واشكالية الهوية واشكالية العنف واشكالية الآخر والتعايش وموضوعية القيم الأنسانية وتداعيات الصراع القائم بين الخير والشر بشكل عام.
ويمكن الأستدلال على أن الرواية في جانب منها تمثل سردية مكانية في تركيزها على مدينة البصرة وتاريخها واحداثها وجغرافيتها وواقعها الديموغرافي المتعدد حتى يتحول الواقع البصري الى بانورما كوزموبولتية  اي ينصر فيها الاقوام والطوائف والاخباس وتتعايش فيها الهويات والانتماءات والأصول المختلف وتمثل محلة (دار زمان) رمزًا للبعد ورمزًا لهذا التشابك الإنساني وتعدد دلالات هذا التداخل الدال وكما ينبئ المقطع السردي الآتي والدال من الرواية:") تمزج هذه الرواية بين تاريخ يجمع بين المعلن والمسكوت عنه) وبين سيرة غريبة حافلة بالأحداث لدار في البصرة القديمة (محلة نظران) تسالم الناس على تسميتها ب (دار زمان) وتتناول  مصائر أسر ارتبطت حياتها بهذه الدار فاستحقت الكتابة والتوثيق، وقد اشتقت الرواية مادتها من كتاب بعنوان (دار زمان) قدمته السيدة نور خضر خان الى دار ميران لطباعته ونشره ، ولكننا ولأسباب فنية اقترحنا على السيدة نور ان تعاد صياغة كتابها ليصدر كرواية بعنوان (انوش) فأرسلت لنا موافقتها الخطية مشكورة وقد وقع اختيارنا لإنجاز هذه المهمة على الأستاذ الروائي جابر خليفة جابر لاهتمامه بكل ما يتعلق بمدينة البصرة من سير واخبار ولتجربته في السرد التاريخي، فله منا كل الشكر وباقة تحيات.. دار ميران                                                    للطباعة والنشر (البصرة2024)" ( الرواية : 11).
وهذه الإفاضة تكشف عن ملامح اللعبة السردية المخاتلة وأسلوب التجريب لخلق شكل فني (ميتاسردي) كمنظومة تعبيرية تحكم بناء الرواية بدلالة ذكر اسم مؤلف الرواية أكثر(6) من مرة . ونجد سمة السرد الأطاري وتعدد الرواة وسير النسق السردي من شخصية الى أخرى حتى يصبح الرواة مجموعة من الحكائين عن البصرة واناسها واماكنها وطقوسها والأحداث التي مرت بها فتقول الشخصية الرئيسة " وبالإضافة الى استفادتي من خاجيك ومعرفته بحكاية دار زمان وأهلها،  فأن ما قدمته امه السيدة ماريام وابنتها الأنسة كنار كان مهمًا وله وقع خاص في نفسي حيث حللت ضيفة عليهم لعدة ايام لا تُنسى متعتها سعدتُ فيها بكرمهم البصري الأصيل وصحبتهم الطيبة وزين ذلك كله وجود المحبوب الصغير شكران وكانوا قد تحولوا للسكن في دار زمان ") الرواية :14).
فالبناء السردي اعتمد على عدة رواة وعلى منظور تواتري متصاعد كل راوي وكل حكاء ينقل الوقائع الى الآخر وبما يؤدي إلى سرد لولبي وعنقودي يتصاعد ويتشابك ويتلقط غرائب الأحداث والشخصيات والأمكنة وذكر المدن مثل البصرة ونيويورك وزغبار وغيرها من المدن.وتكشف البطلة والشخصية الرئيسة في الرواية عن لقائها بحبيبها خاجيك وهو مسيحي ارذوكي ارمني وزواجه منها وهي مسلمة من التركمان وكيف غير اسمه الى خيري وهي دلالة أو شفرة قصدية على طبيعة التناغم الاجتماعي ونسيج المكونات المتماسك في مجتمع البصرة العابر لكل الهويات الفرعية وتثير الرواية اشكالية الهوية التناغمية التي تتشكل من مكونات متعددة ولاتتعرض الى الصراع أو خطاب الكراهية القائم على النزعة الاقصائية وتهميش الآخر وهي احدى الثيمات التي كشف عنها السرد ودلالاته "فالطريقة الغريبة التي تزوجنا تمثل روح المحبة والسلام التي عرف به تاريخ دار زمان ،فقد اتفقت الأسرتان على زواجنا بصيغتين رسميتين الأولى في المحاكم العراقية كما اشترطت امي (أمان) والثانية في المحاكم البراطينية كما اشترطت ماريام أم خاجيك، وفي العقدين بقي اسمي كما هو ، لكن اسم خاجيك في العقد العراقي فقط صار خيري ، وفي العقد البراطيني بقي كما هو، في العراق تم العقد في جامع المعرفي الكائن على نهر العشار،  وردد خيري أو خاجيك الشهادتين وأعلن اسلامه من دون علم والدته ماريام ،ثم تم تأييد عقد زواجنا في المحكمة الرسمية" )الرواية :35).
ونجد هيمنة النزعة الأنسانية في هذا المقطع السردي الدال من الرواية وذوبان الهوية الجهوية والانتصار الى الهوية الأنسانية والتناغم الاجتماعي الذي يصهر جميع المكونات وانتفاء التعصب أو التطرف بكل أشكاله ومرجعياته الدينية والاتنية والقومية والطبقية مما يسفر عن دلالة مركزية في الرواية لنقل صورة هذا الواقع الذي ينطوي عليه المكان (دار زمان) ورمزية الاسم وكونه يمثل إشارة الى مدينة البصرة التي عرفت بطابعها الكوزمويوليتي كونها ميناء يجمع كل الجنسيات والاطياف في وحدة متماسكة دون إقصاء أو عداء أو كراهية،  وهذه الصورة تمثل النموذج المضاد والمعاكس لما حدث لأسرة نور من إقصاء وقتل وتهجير من قبل العثمانيين وفي الواقعة المشهورة لأبادة الارمن في نيسان 1915- والتي راح ضحيتها أكثر من مليون ونصف ارمني وهاجر القسم الأعظم منهم إلى البلدان المجاورة ومنها العراق وانتشر الارمن في البصرة وسائر مدن العراق. ونجد قصدية الخطاب السردي يتناول هاتين الدلالتين أو شفرتين لتقديم الصورة ونقيضها في مايتعلق بتاريخ الاقليمات وهجرتها ومعاناتها وما يرمز ذلك الى ضرورة الارتهان الى مجتمع متناغم رغم الأختلافات واتسمت فصول الرواية بالأختزال وكأن الرواية تقدم مشاهد بانورامية سريعة تكشف عن العمق الاجتماعي وعاداته وطقوسه وتناقضاته احيانا تلك التناقضات التي توجبها الحياة الطبيعية وليس التناقضات الصراعية وان حدثت فأنها تمثل الشخصيات السلبية ونجد الارتكاز على استحضار الماضي وجعل الذكريات بوصفها مرجعية سردية متوهجة بحثا عن الذات وبحثا عن المكان الأليف أو الشاعري كما يصف جاستون باشلار هذا النوع من النوستالوجيا الكامنة وكما وصفها ماتشادو "كل تلك الذكريات ،ذكريات الطفولة الزرقاء كما وصفها شاعر اسبانيا الكبير ماتشادو امتزجت بما رواه لي خاجيك من حكايات دار زمان وأهلها، يوما بعد يوم وانا اسيرة حبي لخاجيك بدأ الكتاب بالتشكل في ذهني وبدأت الكتابة ووضعت مخططًا اوليًا للكتاب. شجعني خاجيك ووعد بأن يوفر لي كل ما احتاجه من وثائق عن الدار وأبدى استعداده لتسهيل سفري الى العراق وتركيا وحتى أرمينيا" ( الرواية:3).
  ويمكن الأستدلال على تحولات النسق الواقعي الى النسق أو الدلالة الترميزية فأساس الرواية والكتابة عن دار زمان وأهلها واحوالهم وعاداتهم وصفاء نفوسهم والأحداث الفاصلة والشخصيات الغريبة كانت هذه الكتابة مرتبطة وناتجه عن الحب الحقيقي والتآصر الأنساني العميق بين نور وخاجيك أو خيري وهو ارتباط انساني متعال عابر لكل التناقضات والتمايزات لتعميق فكرة مركزية هي العلاقة أو التماهي القيمي بين البشر وهذا التلاقح أو التألف الثنائي انتج حبا ثم زواجا ثم رواية تحكي قصة التوق الأنساني وتحولات الحياة والأزمنه والامكنة مثلما نحد صورة ناصية للحب في زمن الكوليرا لماركيز حين انبثق السرد ليوثق لقاء العاشقين الذين يمثلان رمزين وفي رواية( نور خضر خان) يتحول الحب الى دلالة وحدث كوني وليس مجرد علاقة عاطفية عابرة انه رهان على الانسان والذات والهوية ونجد خاجيك (خيري) ونور وقد تحولا الشاهدين على العصر .
ومن خصائص الرواية لارتكازها على لغة مختزلة دون تزويق أو افتعال بلاغي، لغة تمزج بين الاخبار والتعبير والإيحاء كما نجد في هذا المقطع انموذجا لهذه الدلالة وفي فصل موسوم (إعدام المير) "لم يتيح القدر لمحاسن ان تنجب طفلا آخر، ولم تدم فرحتهما، فبعد ايام من ولادة آذار سنة 1769- فز علي زمان على سوت خادمه المرعوب عنبر وهو يصرخ: شنقوا المير .. عمي شنقوا المير" ( الرواية:122). والمقطع يصف الكابوس الذي هيمن على عنبر وما ارتبط به من أحداث عاصفة. رواية نور خضر خان توليفه سردية تجمع التاريخ والمتخيل السردي وتبحث في الأنسان والذات والهوية والتوق.