أيار 20
   
 
 
 
1.زهرةٌ على الرفّ
سأقضي بقية عمري
أضعُ ساقيةً على منضدتي
وأخرى في الماضي
وهناكَ على الرفِّ
تنمو زهرةٌ بصعوبةٍ بالغةٍ
يالشرقنا الذي أشبعنا عذاباً
ونشوة !
2.هذا القلب
من ذا يعينني ؟
ويستلُّ مني هذا القلبَ
يأخذه بعيداً خلف الحديقةِ ويدفنهُ
لأهيمَ دونهُ
وأملأ أيامي بالنسيان
وهناكَ أنامُ على صخرةٍ في الساحلِ
أو على كتف صعلوكٍ في حانةٍ.
 
3.أدرنا دفة السفينة
لا تبكي عالياً 
وأنتِ تضمّدين الخيول الجريحةَ
كي لاينفضح أمرنا
تلك أيام الجمرِ التي عشناها في البلاد
كم كان النهار شحيحاً في العيون
وكم كنا نتلوى في السفينةِ التي هربتنا
كان المنافقون يلاحقوننا بالسهام
ويقفون في طريقنا
ولذا أدرنا دفة السفينة
وقررنا الرحيلَ للماضي القصيّ
حتى وصلنا لسواحلِ المدن القديمةِ
تلك التي أحببناها وتمددنا فيها جريحَين
أمام آلهتها النائمة عند الأبواب !
 
4.كحول
كلما ارتجفت أيامي
سال منها كحولٌ
وصعدت من شقوقها ثيرانٌ طائرةٌ
وأسودٌ ملتهبةٌ
هناك في صحراء أيامي
قضيتُ العمرَ مع الواحات المرّةِ
ومع الأفاعي التي تقفزُ في أمواج الرمال
وكان أهلي ينامون في ظلامهم
ويدافعون عنه بكلابهم
لكني دفعتُ نفسي مع العاصفة
لأصعد جريحاً
أزرع غيوماً
وأهطلُ جمراً
وأوقظهم قبل بداية الشتاء .
5.أضع فراشةً على إصبعي
هناكَ الكثير من  الألم 
رغم أني أدفنهُ في ركبتي
وأتحدثُ عنه بزهدٍ
لكن دمعاً يسقطُ في القلبِ
وينهالُ ترابٌ على أوجاعي
وقد آن الأوان لكي أضع فراشةً على إصبعي
لتطير  بي
و بيدي الأخرى نخبُ ألمي
لتكن  هذه هي كأسي الأخيرة
فربما تلتمع عيونكم بعد
أن أتوارى .
6.كنتُ أرقصُ كملاكٍ
العودة إلى البيتِ عذابٌ
الهرب منه عذابٌ
وتبادل كرة المنضدةِ  معهم عذابٌ
الجوهر يختفي
وتظهر عضلات الكلامِ
وعلى حافة العشبِ أبكي
ويسندني جدارٌ
ويُعينني طيرٌ مشغولٌ بالتقاطِ البذورِ
كنتُ أرقصُ كملاكٍ
وفجأةً أصبحتُ إنساناً !
 
7.نهارٌ يخطفني من طبيعتي
النهارُ أكثرُ قسوةً
فهو يخطفني من طبيعتي
ويذهب بي نحو الشمس
فيما القمرُ الذي في داخلي يبكي
لترفعني مراوح الهواء في الحقول إلى الأعالي
فيضيءُ مصباحٌ
ويبتسمُ رضيعٌ
وتغني عاشقةٌ .
 

أتقلّبُ في أعماقي

لماذا أيتها المهيبةُ ؟
لماذا يقع هميان الذهبِ ؟
وتقع الأخطاءُ الموحشةُ
وقلبكِ لايتحرك
الأيام تضعني هناك في رفوفكِ المنسية
أتنفسُ بصعوبةٍ
وأتقلّبُ في أعماقي
مثل سمكةٍ على الساحل .
                                                                                   

تعال أيها الحكيمُ

تعال أيها الحكيمُ
وضع يدك على جبهتي
ضع زهرةً فوق أذني
لعلّي أنهض!
لماذا لاينتبه الناسُ
إلى الترابِ الذي ينزل من كتفيّ
لا أريدُ جدارين حولي بل أريدُ دائرةً!
 
 
10.كلّ ليلةٍ أطرقُ بابَ غرفتكِ
 
كلّ ليلةٍ أطرقُ بابَ غرفتكِ
لكنكِ لاتفتحين
عادة ماتكونين مشغولةً بتقليب الطيور في أعشاشها
ورغم أني أحملُ الماءَ والطعامَ لها
لكنكِ لا تأبهين بصياحي
ولاتثقبي حجر الجدار
كأنني الحجر الملقى في طريقكِ .
 
11.خيطٌ من الدموعِ
كأن المساءَ ، بينَ يديكِ ، أحجيةٌ
وكأن الموسيقى لغطٌ
بينما جرّتي تتفطرُ
وينمو العشبُ على أقدامي
والنور الذي في داخلي يختفي
وخيطٌ من الدموعِ يسري تحتَ سريركِ
دون أن تشعري به !
 
12.أصعد سفينتي
أطاردُ أيامي وأصعدُ سفينتي وأغيب
كأن يدي في فم التنّين
وكأن الأسرار تتدفق فيها
رحيل دائمٌ مع الكائنات التي لا تُرى
ومع حيوانات العقلِ
وقطعانها الشاردة
ووردة التيه لا تفارقني
وأنا أنحني على خوفي وأنيني .
 
13.الرغبات عمياء
الرغباتُ عمياء
لا لون لها ولا عشّ
من جبلٍ إلى جبلٍ تطاردني
وتدفن موسيقاي في الماءِ
تتوردُ في آخر الخوف
وتعودُ مدهونةً
تقطرُ حيناً على العتبات
وتخرجُ حيناً مع الموج
تتيه في الساحلِ
ثم تعود إلى عمائها.
 
14.الخوف أم  السؤال؟
حين كنتُ طفلاً
كانت أقدامي تقودني دائماً إلى حافة البئرِ
كنتُ أبحثُ عن ظلّي
وأنظرُ في أعماقي
فيزداد غموضي
لا أبكي ..
لكني أتمتمُ بفمٍ مشقوقٍ
ولسانٍ ثقيل
ما الذي سيحصلُ معي ؟
ملاكٌ في طريقهِ للجنون
وأرض لاتحتملُ سؤالي
الخوف أم  السؤال؟
آآآآآآه .. كلاهما !!
 
15.كأني غيمة
حياتي تتحول إلى جمهرةٍ
خيولٌ جريحة
و حطام أوسمةٍ وسيوفٍ
وحشود..
لا تقف عند سورٍ أو نهرٍ
ولاتطرقُ البابَ حين تتمتم
وأنا على ظهرها أقرأ أسطورةً
ويلمحني بشرٌ كثيرون  كأني غيمة !
 
16.يطيرُ منكَ غرابٌ
كلّ محراثٍ ظهر فيكَ رمى بذورَه ومضى
لكنكَ مازلتَ على حافةِ الليلِ تغني
ويطيرُ منكَ غرابٌ
وتهربُ أفعى
ويظهرُ نهرٌ رقراقٌ
في قاعِ أعماقكَ
وعلى حافة النهر حطام لانهاية له .
 
17.جدران الكلمات
لا الشياطينُ ولا الأقاصي تنفعُ هذه الأقدام
أحلمُ بطيفٍ فاترٍ
وبمصائر تمطرُ  حِمماً
لأجعلها جدراناً من الكلمات
تُرصّعُ قصري
السلالة غافية
وذلك اليوم مازالَ في ظهيرتهِ
وفي سعالهِ
بينما أنا على وشكِ الطيران
تلكَ أيامي التي لا أستطيع تدوينها!
 
18.داخل هذه الحشود
لم يكن سوى موجةٍ عابرة
داخل هذه الحشود
ذاب  مع الكلمات التي يثرثرُ بها الناسُ كلّ يوم
هناكَ من جرّ كلماته وجعلها تمطرُ
وهناك من جعلها شبيهةً بتمثالِ شبحٍ
هناكَ من رفع  أحزانه في الأعالي
ورأى كلماته وهي تتحولُ حجراً
ومدنٌ تظهرُ منها 
وحشودٌ كثيرة تسكنها
لماذا تحاصرنا لغة الحشود؟
 
19. أصابعكِ
 كانت أصابعك معجزة
حين تمررينها على طيني
تتّضحُ معالمي
وتكون لي حكاية
أعبر حانة سيدوري
وأصلُ لك حتى أمضغ ، على مهلٍ ، عشبة الخلود
تجعلين مني غابة
وأجعل منك إلهة
و تكون أصابعكِ المعجزة بساطا لنا
وقمراً
يطلع على ليلٍ لاينام .
 
20.أشباحنا تضحك وتبكي
كنتِ معي حين ذهبتُ 
وحين وقفنا أمام الغيوم
وسارت بنا سفينة غاطسة في الرمال
لا تغفلي عن المسلات
ولاتنامي
فهنا كانت أشباحنا تضحك وتبكي
وكنّا نرعى قطيعاً من الوهمِ
وكان الحبّ محراثاً خلفنا
يجرُّ رجلاً عجوزاً
وصبياً أسره البدو.
 
21. ندور مع الملائكة
كوني معي أيقونةً في البلاد الغريبةِ
نأخذ متاحفها بعيوننا
ونسكرُ في حاناتها
ونعيد رواية العمران
حينها ..
يكون جسدي جرّةً من النبيذ
وتكون قصائدي خبزاً وفاكهةً
وندور مع الملائكة في سمائنا
ولا أثر للأبوابِ والنوافذ في غرفنا التي بلا سقوف.
 
 
22. صورة الصيّاد
لا تُمحى صورة الصيادِ من عيني الحمامةِ
حتى وأن سقطت في المياه
ستكون هناك مياه مالحةٌ وعذبةٌ تتصارع بينها، وهي تحدّق
حتى وأن نريد دفنها في الجبال
ستكون هناك تماثيل من النهار أمام تماثيل من الليل
ستجد هناكَ في البستان
نسراً وأفعى
وستجد هناك سطلاً وكوباً
وستجد نبيذاً وموقداً
لا يُمحى شيء
الإشارات ستحكي.
 
 
23. ألقى بي البدو هنا ومضوا
 أنا كما أظنُّ في الظلام
وفي بئرٍ داخل الصحراء
ألقى بي البدو هنا ومضوا
لكنهم لم يدركوا أني أعرف صناعة النوافذ
فكان لبئري نافذة
 ولم يعرفوا أن بإمكاني أن أُطيل سيقاني
وأقفزُ على عكازةٍ
فخرجتُ ومضيتُ إلى ماءٍ بعيداً عنهم
وصنعتُ مدناً وتماثيلَ
ورقصتُ على عكّازي .
 
24.حيث مجمرتكَ يايوسف
يايوسفنا الجميلُ تقدّم واخرج من الخرائب التي دفنتكَ
أكاد أموتُ من شجر اللوز
وهو يطوّحني
وأكادُ أتصفّحُ نهراً من النسيان
محمولاً على رقاب الحجر
وعلى نساءٍ يستعدن رغوة البلّور
ويثملنَ في تداعي الشعاب
من الماءِ لأريدو، ومن أريدو للشمس
صعوداً نحو السماء الرابعة
حيث مجمرتكَ يايوسف
وحيث يكون النداءُ ضعيفاً
والملائكةُ كثيرةٌ تتطوّح
في الروابي والبساتين
هناك لسعتنا أفاعي السماء
وسقطنا تحت أحذية الكهنة
ولم تعد الأرضُ لنا.
 
25.النساء الأرامل
أقسمُ بالنساء الأرامل
بالماء الذي ينشف في غصونهنّ
بالخديعةِ تتربصُ بماضيهنّ وحاضرهنّ
بالليالي العجاف بين الوسائد الخالية
والأسرة الباردة
بالبومة التي تنعقُ في نوافذهنّ
بالستارة التي لاتفي بوعدها
بنومهنّ الملغوم بالرغبات الخجولةِ
أقسم بهنّ
فهنّ أعظمُ من ينتظر في هذا الوجود بذاكرةٍ مثقوبة دون رجاء.