
زاولَ عليّ جواد الطاهر (1919 – 1996) الكتابةَ والنشر منذُ صدرِ حياته، وظلّ يكتبُ وينشرُ حتّى آخرِ أيّامِه؛ فقد كتب مقالةً، نشرها في جريدة البطحاء، يوم 15 نيسان، من سنة 1946، هي من أُولَيات ما كتب، عنوانُها " بيتٌ في قصيدة "، أدارها على بيت أبي العتاهية:
ترجو النجاةَ ولم تسلِكْ مسالِكَها ... إنّ السفينةَ لا تجري على اليَبَسِ
وجعلَ مقصدَه منها؛ أنّ بلوغَ المرامِ مرهونٌ بتهيئةِ الأسباب، وأنّ النجاةَ قرينةُ العملِ الدائب، وأنّ التمنّي، وحدَه، ضربٌ من الضلال. ولقد انطوتْ تلك المقالةُ القديمة على عناصرَ من خصائصِ شخصه، وخصائص أُسلوبه؛ ذلك أنّ ممّا أحكمَ عليه مجرى حياتهِ؛ الأخذَ بالحزم والعزم في كلّ الأحوال، ومباعدةَ التواني، والتراخي، وأنّ ممّا أجرى عليه أُسلوبَه إحكامَ الجملةِ الواضحةِ المقتصدة، وإشاعةَ أشياءَ من الطرافةِ والطراوة.
وهو من قبلِ أن يكتبَ هيّأ للكتابةِ أسبابَها؛ فقرأَ، وحفِظَ، ولزِم كتبَ الأدبِ، في الرفيعِ منها، في ميداني الشعرِ والنثر. ونظمَ الشعرَ، وهو فتى، وأراد أن يكون شاعرًا؛ ولكنّ ما تحقّق له من المنظومِ لم يُرضه، فأضرب عنه صفحًا، وطوى كشحًا؛ على أنّ جذوةً من روح الشعر بقيت حيّةً عنده، لا تنطفئ؛ متّخِذةً من الكتابة منفذًا لها.
كان مشغوفًا بطه حسين، وبما يكتب من نثر رفيع؛ فقد أقبل على "الأيّام"، وهو في الثالثةَ عشرةَ من عمره؛ إذ دلّه عليها أستاذه، في المدرسة المتوسّطة، محمّد أحمد المهنّا، وقرأ فصولًا من "على هامش السيرة"، وهي تُنشر منجّمةً، قبل أن يضمّها كتابٌ، وأُخِذ بخيالها، وبيانها، وبإيقاعِ ألفاظها. وعرَف أحمد حسن الزَّيّات في قلمه، وفي مجلّته "الرسالة"، وهي يومئذٍ مَجْمَعُ أصحاب القلم المبين، وأحبّ افتنانَه في الكتابة، وصنعته في البيان. وعرف آخرين من كتّاب ذلك العصر كعبد العزيز البشريّ، وزكي مبارك، ومحمّد عوض محمّد؛ فكان أن استقرّ عنده منحى الكتابةِ المُبِينَة في اللفظِ، والجملةِ، وتتابعِ الفِقَر، وتتامِّ المعنى. وحين شرعَ بالدراسة في فرنسا، وعرَف الفرنسيّةَ، وأخذ يقرأ آثارها؛ نفَذت إليه أشعّةٌ من لغةِ جان جاك روسّو، وأطيافٌ من الجفاف الطري في عبارةِ ستندال، وأشياءُ من متانةِ أندريه جيد.

بذلك كلّهِ، وبالطبع المواتي، صار البيانُ مكينًا عنده، راسخًا، في لسانه وفي قلمه؛ وهو، من بعدُ، بيانٌ قرينُ الوضوحِ والسلاسةِ، والوجازةِ المحيطةِ بالمقاصد من دون إخلالٍ أو إملال.
ولقد جرت كتابتُه في منحيين متآزرين هما: الكتابةُ الأكاديميّة في البحث والتأليف، والكتابةُ في الصحف والمجلّات العامّة؛ وقد حرَص عليهما معًا مدّةَ حياته، وأقامهما على شرائطهما من غير أن يطغى منحى على آخر. وهما منحيانِ قلّما يلتقيان على قلم معًا، وقلّما يبرع في كليهما أحد؛ إذ ليس من شرط الدارسِ الباحث أن يُحسنَ الكتابةَ للصحافة، وليس من شرطِ من يكتبُ في الصحفِ اليوميّة أن يكون دارسًا باحثًا على النهج الأكاديميّ؛ لكنّهما متى التقيا عند أحد تكاملا واستحكما في الطريقة والمحتوى.
كان " الشعر العربيّ في العراق وبلادِ العجم في العصر السَّلجوقيّ " أوّلَ عملٍ له، وضعه بالفرنسيّة، ونال به الدكتوراه من جامعة السوربون، في سنة 1954، ثمّ ترجمه إلى العربيّة ونشره بجزأين الأوّل في سنة 1958، والثاني في سنة 1961. وقد جعله بعربيّةٍ واضحةٍ مقتصدةٍ تُحيط بالمراد؛ لا تقصُر عنه، ولا تزيدُ عليه؛ هي مثالٌ لما ينبغي أن تكون عليه لغةُ بحثٍ رصين.
وحين كان منشغلًا بترجمة "الشعر العربيّ في العراق وبلاد العجم في العصر السلجوقيّ" إلى العربيّة، كان يكتب مقالاتٍ في مجلّة " المعلم الجديد"، وفي مجلّة "الأديب العراقيّ " يعالج فيها أطرافًا من شؤون الأدب والنقد؛ أقامها على مزيدٍ من السلاسة والتدفّق، وعلى جانبٍ من التهكّم الناقد؛ كمثل: "النقد سهل"، و"أنا ناقد مسرحيّ" و "ألفُ شرط وشرط"، و "شرطٌ في المغني"، وغيرها. وقد اتّضح، بذلك، نمطا الكتابةِ، عنده، واستقرّا، وظلّا حاضرين على قلمه مدّةَ حياته؛ نمطُ البحثِ والدراسة، ونمطُ المقالةِ الأدبيّة؛ وكلاهما قائم بشرط الفصاحة والبيان، وهو في كليهما كاتب مبين.
قال في مورد من " الشعر العربيّ ..." وهو في سياقِ الحديث عن الطُّغرائيّ وعن لاميّته: " وقد حازت هذه اللاميّةُ إعجابَ القرّاء والسامعين والنقّاد على مرّ العصور، وهي أهلٌ لذلك، لما فيها من متانةٍ في السبك، وجيشانٍ في العاطفة، وخصبٍ في القريحة؛ وتُفسّر حِكَمُها الجانبَ الأكبرَ من عناية القدماء بها." والموردُ مثالٌ، على ما سواه، يشهدُ بالوضوح، والوَجازةِ، وسَدادِ الدلالة، والإفادةِ من التاريخ، وينبئ عن ذوقٍ رصين لا تخفى عليه مواطنُ الإجادة.
وقال في مقالة بعنوان: "ألفُ شرط.. وشرط"، وهو في سياق بيان مكانةِ النقد والناقدِ: " أي نعم، ألفُ شرط يجب أن تتوافر في الإنسان لكي يكون ناقدًا، وشرطٌ واحد لكي يكونَ شاعرًا، فلماذا؟ أما في ذلك حيفٌ يلحق كائنًا من الناس؟! ألفُ شرط، وأنتَ تعلم منها العلمَ العميقَ الواسع، ولا بدّ من دراسةِ اللغة والتاريخ والدين والأخلاق والجغرافية، والفلسفةِ وعلم النفس وعلم الاجتماع، والفيزياءِ والكيمياء والفسلجة! ولقد بالغنا وأثقلنا، وكان القدامى أرحمَ إذ أشاروا إلى الأخذ من كلّ علمٍ بطرف." وهو مثالٌ على طريقته في الكتابة، حين يتخفّف من شرائط البحث والدراسة، ويستغني عن المصادر والمراجع، ويميل إلى المقالة الأدبيّة في طرافتها وحيويتها، واقترابها من القارئ. أمّا توخّي الصواب، وإقامةُ الصدق، والتوجّه إلى الحقّ؛ فشيء لا يخلو منه كلا نمطي الكتابة عنده.
وإذا كان قد أصدر " الشعر العربيّ في العراق وبلاد العجم " في كتاب ، ولم يدعه رهينةَ الفرنسيّة التي كُتب بها أوّلًا ؛ فإنّه جمع مقالاتِه التي كتبها في " المعلّم الجديد " ، وفي غيرها ، وأصدرها ، سنةَ 1962 ، في كتابٍ عنوانُه : " مقالات " ، قال في مقدّمته : " هذه مقالاتٌ ، والمقالةُ هنا ليست إنشاءً مطلقًا قائمًا على العاطفة أو الخيال ، وليست بحثًا مثقلًا بالأسانيد والمراجع ؛ إنّما هي عرضٌ يسهّل المادّة ويجعلها أقربَ إلى القارئ ، وأخفَّ عليه بما يحاوله المؤلّف من ترقيق في الأسلوب ، وإثارة للذهن ، وقصدٍ إلى الطرافة ." وقد ظلّ حريصًا على مزاولةِ نمطي الكتابةِ؛ الدراسةِ، والمقالةِ؛ وإصدارهما في كتب. على أنّ المقالة عند الطّاهر، بتطلّب الفنّ فيها، هي الكتابة على وجه التحقيق، وهي التي تجعل من صاحبها كاتبًا. وقد ينحسرُ أحدُ النمطين في زمنٍ ما، لعواملَ ممّا يُحيط به؛ كالذي جرى للمقالة عنده؛ إذ انحسرت من سنة 1963 حتّى مطلع السبعين، وأخلتِ المكانَ للدراسة والبحث؛ ثمّ استأنفها، من بعدُ، في سنة 1972، في جريدة " الجُمهوريّة "، في صفحة " آفاق " منها. وشرع يلتقط القضيّة من قضايا الأدب أو المجتمع، ويُدير الكلام فيها قاصدًا الإعرابَ عن رأيٍ واضح متماسكٍ، مع مراعاةِ جانبِ اللغة؛ في تخيّر الكلمة، وبناء الجملة، وتوخّي اكتمالِ الهيكل في سلاسة الدلالةِ على المراد. وقد انتظمَ بالكتابةِ على هذا النمط في جريدة " الجمهوريّة"، وفي غيرها من المنابر التي كان يُدعى إلى الكتابة فيها. وهو، في ذلك كلّه، يسعى أن يَتمّ لكتابته شرطُ الفنّ؛ لكي تظلَّ مقروءةً من أجل شكلها مثلما هي مقروءةٌ من أجل محتواها؛ ويهيئها أن يضمّها كتابٌ متى اجتمع منها قدرٌ صالح. وقد تتامّت مقالاتُه، بانتظام الكتابةِ، وصار من حقِّها أن تصدرَ في كتابٍ يلمُّ أطرافَها، ويرشّح لها ما تلتقي عنده؛ فصدرت في سنة 1977 بعنوان: "وراء الأفق الأدبيّ". ولعلّ في عنوانها ما يُوحي بما طوته المقالات، ولم تنشره؛ ذلك أنّ الذي يقع وراءَ الأفق الأدبيّ هو الأفقُ الاجتماعيّ ملتبسًا بالسياسة، دائرًا في فلكها، وأنّ ما يعتري الأدبَ من قصور، وتراخٍ، وعللٍ أخرى؛ إنّما يرجِع، في جانبٍ منه، إلى الأفقِ الذي هو وراءه؛ أي إلى المجتمع مصبوبًا بما تريده السياسة؛ فكأنّه بهذا العنوان جعل للمقالات مغزى يجاوز المعنى المتحقّقَ بها.
وإذا كانت كتابةُ المقالة عنده محكومةً بتاراتٍ من الإقبال والانحسار؛ فإنّ كتابةَ الدراسةِ والبحثِ شيءٌ مطّرد لا يكاد يتخلّف في كلّ الأحوال. فقد نشر "محمود أحمد السيّد رائد القصّة الحديثة في العراق"، في سنة 1969، ونشر "منهج البحث الأدبيّ"، في سنة 1970، وهما دراستان رائدتان في بابيهما؛ كُتِبتا بأُسلوبٍ واضح مقتصد، تنزل فيه الألفاظُ منازلَها في استقامة الدلالة، وإحكام المعنى؛ غيرَ أنّه أجرى مقدّمتي الكتابين مجرى المقالة في الإعراب عنه، وعن صلته بموضوع الدراستين، فأبان عن أشياءَ قريبةٍ منه. وكذلك ظلّ يفعل في كلّ كتابٍ يؤلّفه؛ يجعلُ مقدّمته مقالةً، أو ما يقرُب منها؛ يُزجي بها الحديثَ إلى قارئه على نحوٍ من الألفة والمكاشفة.
وعلى نهجهِ في الانقطاعِ عن كتابةِ المقالة حينًا بعد حين؛ فقد انقطع عنها، مرّة أخرى، بعد تمام "وراء الأفق الأدبيّ"، وانشغل بما سواها من تأليف، ونقد، وأشياء أخرى حتّى سنة 1984، قال في معاودته كتابة المقالة: "وكان الدافعُ المباشر للعودة الأخيرة مرورَ عشرة أعوام على وفاة أستاذه الكبير الدكتور محمّد مهدي البصير؛ وما كان معقولًا أو كريمًا أن تمرَّ المناسبة دون كلمة مناسبة، فكانت". وبدأت بها طائفةٌ من المقالات، نشرها في جريدة الجمهوريّة، على صفحة آفاق منها، أدارها على أساتيذ كرام في رفيعِ خِصالهم؛ في العلم، والخُلُق، واستقامة المنهج؛ كمثل محمّد مهدي البصير، وطه الراوي، ومحمّد أحمد المهنا؛ وكلّهم ممّن درّسه، وكمثل طه حسين، ومحمّد غنيميّ هلال، ومحمّد صقر خفاجة، وطه أحمد إبراهيم؛ ممّن عرفهم في آثارهم، وأحبّهم؛ لعلمهم، وبيانهم، وإخلاصهم. وكأنّه إذ يقف عند هؤلاءِ، ويبسطُ القولَ فيهم، وفي فضائلهم؛ يريد أن يستعيدَ من التاريخ القريب أمثلةً رفيعةً على ما يكادُ يندرسُ من فضيلةِ العلم، والخُلُق، والموقفِ السديد. وكتب، أيضًا، مقالاتٍ أخرى قال في دواعي كتابتها: " يكادُ يكونُ الباعثُ الأوّل على كتابتها واحدًا؛ هو الضيق بأمرٍ، والانفعالُ بحالٍ، والتأذّي بظاهرة فإذا بالباعثِ يتمكّن من النفس ويتخمّر فيها، وينبثق كلمةً فيها التألّم، وفيها الإلماحُ إلى ما يجب أن يكونَ من حَسَنٍ ردًّا على قبيحٍ كائن. "وحين تمّت المقالات باستيفاء بواعثها صدرت في سنة 1987 بكتاب عنوانه: "أساتذتي ومقالات أخرى". وفي النصّ على أساتذته في العنوان، وهو في العقد السابعِ من عمره، رفيعُ المنزلة؛ إلماحٌ إلى مكانةِ الأستاذ في الثقافة والحضارة، وفي اكتمال المعرفة، وإلى ما ينبغي له عند الآخرين.
ثمّ أجمّ نفسَه سنةً، أو ما يزيد عليها بقليل؛ لا يكتبُ المقالةَ؛ حتّى دعته مجلّةُ "ألف باء"، في شهر تشرين الأوّل سنة 1988، إلى أن يكون له فيها بابٌ كلَّ أسبوع، يختارُ عنوانَه، ويكتبُ فيه ما يشاء؛ فاستأنف الكتابة، تحت عنوان: "الباب الضيّق"؛ يريد منه إلى تناول شؤونٍ من مجرى الحياة في الثقافة والمجتمع، على نحوٍ من الوجازة الموحية، والاقتصاد في القول، وتوخّي شكلٍ محكم؛ يتّضح فيه المستهلُّ والخاتمةُ؛ وقد قال عنها: "هذه كلماتٌ أردتها مقالاتٍ لها ما يستطيع أن يهبها صاحبها من مفهوم المقالة الأدبيّة لديه حتّى في حال قصرها ، وأهم ما في المفهوم : الانفعال الكبير بالمنبّه الصغير ... إنّها انفعالٌ مسيطَرٌ عليه، وله التقاء مع التاريخ" وإذا بدت عبارةُ "الباب الضيّق" قديمةً متداولةً؛ إذ جاءت في إنجيل متّى: "أُدخلوا من الباب الضيّق . فإنّ الباب رَحبٌ والطريق المؤدّي إلى الهلاك واسع، والذين يسلُكونه كثيرون" وجاءت في إنجيل لوقا: "اجتهدوا أن تدخلوا من البابِ الضيّق، أقولُ لكم إنّ كثيرًا من الناس سيُحاولونَ الدخولَ فلا يستطيعونَ" وهي في كلا المقامين دعوةٌ إلى التقوى، ومغالبةِ الأهواء، وأخذِ النفسِ بالاستقامة، وجاءت عنوانَ روايةٍ لأندريه جيد بدلالةٍ لا تبعد عن الشدّة والحزم وما يتّصل بهما – فإنّها عند الطاهر جديدةٌ تذهب إلى التنبيهِ على نقصٍ، والوقوفِ على خلل؛ من أجل السديدِ الحَسَن في الحياة والأدب. وظلّ يكتب حتّى استوفى ما أراد أن يقول في "الباب الضيّق"؛ فتوقف، ثمّ جعل المقالات كتابًا، بعنوان الباب نفسه، صدر في سنة 1990. وأخذ، من بعده، بأمر آخر؛ فإذا كان "الباب الضيّق " قد أتمّ قضاياه؛ فلِمَ لا يكون بابٌ واسعٌ يتّسع لما لم يتّسع له "الباب الضيّق"؛ فيأخذ في شؤون كثيرة من الثقافة والمجتمع؛ فيها أشياءُ من الزمن الحاضر، وأشياء من زمنٍ ماضٍ؛ قريبٍ أو بعيد. وهي في كلّ حالاتها موصولةٌ بالكاتب نفسه؛ بما رأى، أو سمع، أو وقع عليه، أو وقع منه. ولعلّ جانبَ الذكرى واستعادةَ أطرافٍ من تجاربَ مضت أوضحُ ما يسِمُ هذه الطائفةَ من المقالات. ومع ذلك فقد كان من غايته فيها أن يبسطَ معرفةً دقيقة، وأن يصوّبَ خطأً، وأن يُشيع صوابًا؛ وأن يصُبَّ ذلك كلّه في صياغة طريّةٍ قادرةٍ على مخاطبةِ القارئ وإمتاعه.
ولقد كتب بعضًا من مقالات "الباب الواسع" وهو في جوٍّ من علّةٍ تخاتله؛ كلّما دفعها من ناحيةٍ أقبلت عليه من أخرى؛ غيرَ أنّه كان حريصًا على أن يمدّ كتابتَه بأسباب القوّةِ والرَّصانة، وأن يُهيّأ لها سبيلَ النشر. وقد أخذت تُنشر كلَّ خميسٍ في جريدة "الثورة"، وكان يدفع إلى الجريدةِ بالمقالتين والثلاث معًا حتّى لا ينقطع النشر؛ فلمّا حان يومُ مغادرته بغدادَ إلى عَمّان ابتغاءَ العلاج، وكنتُ، مع آخرين، في وداعه فجرَ ذلك اليوم عند الحافلةِ المنطلقة إلى عَمّان؛ دفع إليّ ملفًّا فيه بقيّةُ "الباب الواسع" وقال: إذا لم أرجع فتولَّ أنتَ نشرها! قلتُ: ترجِعُ، أستاذَنا، بالسلامة والعافية، وأعيدُ إليكم الملفّ! وأعدتُه إليه حين عاد فنظر فيه، ونقّح، ودفعه إلى جريدة "الثورة"، وظلّت المقالات تُنشر كلّ خميس مدّةً بعد وفاته. ثمّ صدرت، من بعد، بكتاب عنوانه "الباب الواسع". وكان، وهو في علّته المخاتلة تلك، قد هيّأ مقالاتٍ له؛ بعضها قديم، وبعضها جديد، ودفع بها إلى النشر، وصدرت بعد وفاته بعنوان: "كلمات".
ذلك ما كان من شأن الكتابة الخالصة التي تأخذ مادّتَها من النفس والثقافة والمجتمع؛ أمّا الكتابةُ النقديّة التي تقوم على الشعر والقصّة فهي ميدان آخر كان فيه رائدًا مؤسّسًا في منحى المنهج، والرعاية، والتوجيه؛ وأريد هنا أن أقول إنّه كان حريصًا على أن يجعل كتابته النقديّة ذاتَ طابعٍ أدبيّ يحقّقُ المتعةَ والفائدة، وأن تُقرأَ من أجل النصّ الذي كُتِبتْ عنه، ومن أجل صياغتها؛ إنّها أدب يقوم على أدب.
كان غزيرَ الكتابة، لا يكاد يمرُّ به يومٌ يخلو من جريان قلمٍ على ورق، وكان لا يكتب إلّا ما يرى ويعتقد، ولا يصدر إلّا عن نفسه، وقد قال ذات مرّة " إنّ الإنسان إمّا أن يكتبَ ما يرى ويعتقد، أو لا يكتب؛ إمّا أن يحترم قارئه خلال نفسه، وإمّا أن يخسر احترام القارئ." وقد كان يحترم قارئَه فلا يلقاه إلّا بالصدقِ والوضوح والاستقامة ودعوة الخير؛ فلقد كان يكتب في " الجمهوريّة "، و"الثورة"، و"ألف باء" وفي غيرها ممّا كان قائمًا من صحف ومجلّات، وكان يُلقي المحاضرات، ويتحدّث في محافل الأدب - من غير أن يخطَّ قلمُه أو ينطِق لسانُه بكلمةٍ تنطوي على ممالأة، أو تدنو من زلفى...!
إنّه في طليعةِ من أحلّوا الكتابةَ منزلةً رفيعةً في البلد ...!