أيار 20
   

إنطلاقا من فهمنا ان كل معني بالأدب والفن؛ لابد ان يكون على معرفة بالثقافات المجاورة: السياسة والاقتصاد والتربية وعلم النفس والاجتماع.. ننشر هذا المقال القيم الذي يحيط بجوانب سياسية راهنة لابد للمثقف ان يكون على معرفة بها وبأبعادها بوصفها قائمة ومحيطه بحياته ووعيه.

محرر ادب وفن

 

     إنها لعبة قديمة قدم الإمبراطوريات في تاريخنا البشري، لعبة الهيمنة والنفوذ والغزو، وإسقاط الدول والحضارات، وإن صح التعبير بدقة أكثر، فالولايات المتحدة الأمريكية هي الإمبراطورية الكونية في عصرنا الحالي، إمبراطورية عالمية تستخدم كل أساليب التاريخ القديمة في حكم العالم والمناطق الخاضعة لنفوذها، لكن بطريقة القوة الناعمة، والأسلوب العصري الحديث المتماشي مع إيقاع التمدن والحضارة والعولمة.

إن الحقيقة القائلة بأن الإنسان قد غادر طريقة تفكيره البدائية فيما يخص التفكير والرغبة والملكية والجشع، هي حقيقة موضع سؤال وشك، فالصراعات التي تشغل العالم الآن، والحروب والمآسي البشرية هي ذاتها قبل آلاف السنوات، فما تغير فقط هي الأنساق العلمية والحضارية التي تحكم العالم. أما الخير والشر والبؤس الإنساني من فقر وحروب وأمراض وعبودية، فما زال كما هو، لكنه يرتدي أشكالاً جديدة، وأقنعة براقة تلمع وحشية الحضارة وتستبيح الإنسان تحت لافتة الرقي والتطور، وتحت مفاهيم أخرى مثل العدالة والسلام والمساواة.

إن الأحداث المتسارعة للعالم في الأعوام الأخيرة ابتداءً من وباء كورونا إلى حرب أوكرانيا وروسيا، إلى حرب غزة، واغتيال زعماء مقاومة وقادة حرب ميدانيين مؤثرين في دولهم في الشرق الأوسط ،إلى الأزمة الإيرانية المتمثلة في حربها مع إسرائيل وأمريكا، وأحداث الشغب التي تعيشها الآن طهران وبقية المدن الإيرانية ، ثم جاء أخيراً اختطاف مادورو زعيم فنزويلا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، ومطالبة ترامب بجزيرة غرين لاند التابعة للدنمارك لضمها إلى الولايات المتحدة؛ كل هذه الأحداث التي لم يعد يستوعبها العقل، لا بد أن تضع السياسة الأمريكية تحت مجهر المساءلة والنقد والمحاسبة، ولا بد لنا من معرفة الطريقة التي يجري بها العالم، وكيف يتم فعليا ًحكم العالم، وبيد من؟

 

مصير العالم والبشرية ومافيات الاقتصاد

لا يمكننا أن نفصل السياسة الخارجية أو الداخلية لأي دولة بعيدا ًعن الاقتصاد، بل إن علم السياسة برمته لا ينفصل عن المكون الاقتصادي، وعليه يمكننا أن نحلل سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تحليلاً دقيقاً منذ خمسينيات القرن العشرين، فبعد سقوط الاتحاد السوفيتي وانهيار المعسكر الاشتراكي في العالم، ابتهج الكثيرون وصفقوا لانتصار النموذج الرأسمالي الذي يعد البشرية بالحرية والرفاهية والتطور.

إن الحكاية الخفية لأمريكا تبدأ من أزمنة الحرب الباردة بينها وبين والاتحاد السوفيتي، وإلى التحولات الجذرية التي أصابت أمريكا وبروزها كقوة دولية عظمى على الساحة الدولية، بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديدا ًعندما تأسس النظام العالمي المعاصر، وتشكل البنك الدولي، وصندوق النقد لإعادة إعمار أوروبا المدمرة. وحققا في ذلك نجاحات بارزة، وسرعان ما تبنت كل الدول الحليفة للولايات المتحدة هذا النظام وأقرته في وجه الاتحاد السوفيتي السابق، بعدها أصبح الدولار هو العملة العالمية الوحيدة للتداول، والتي تطبعها فقط الولايات المتحدة الأمريكية.

بعد تلك الحقبة، يمكننا الحديث عن بروز نظام خفي يحكم الولايات المتحدة والعالم، وهو قطاع الشركات الكبرى الخاصة التي تدير نظام الحكم في أمريكا والعالم بناءً على الربح والفائدة. ويتصل كل من جهاز المخابرات الأمريكي ال سي. اي. ايه، والمسؤولين الكبار في أمريكا والجيش الأمريكي بتلك الدائرة السرية في الخفاء، وعادة ما يتبادل المسؤولون الحكوميون في أمريكا مناصبهم بين مديري تلك الشركات أو مالكيها، وبين وظيفتهم الحكومية في الدولة من الرئاسة إلى قيادة الجيش والاستخبارات، ومنهم الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ريغان، والرئيس جورج دبليو بوش، وديك تشيني نائب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية من عامي 2001 إلى 2009، ومهندس غزو العراق عام 2003.

في كتاب "الاغتيال الاقتصادي للأمم" للخبير الاقتصادي الأمريكي جون بيركنز(*)، يقدم بيركنز مجموعة من الاعترافات والأدلة بوصفه قرصاناً اقتصادياً سابقاً، وبأنه كان ضمن مجموعة من القراصنة الاقتصاديين المنتمين لتلك الشركات الكبرى، ويسلط الضوء على ممارسات النخبة من رجال الأعمال والسياسة في الولايات المتحدة، لبناء إمبراطورية عالمية تسيطر عليها "الكوربورقراطية"، أي حكم منظومة الشركات الكبرى، والتي تشكل عصب اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية، وترسم سياستها الداخلية والخارجية ومصالحها مع العالم.

يحدد بيركنز دوره مثل أقرانه من صفوة الخبراء في الشركات الاستشارية الأمريكية الكبرى في استخدام المنظمات المالية الدولية لخلق ظروف تؤدي إلى خضوع الدول النامية لهيمنة النخبة الأمريكية التي تدير الحكومة والشركات والبنوك، فالخبير يقوم بإعداد الدراسات التي بناء عليها توافق المنظمات المالية على تقديم قروض للدول النامية المستهدفة، بغرض تطوير البنية الأساسية وبناء محطات توليد الكهرباء والطرق والموانئ والمطارات والمدن الصناعية، بشرط قيام المكاتب الهندسية وشركات المقاولات الأمريكية بتنفيذ هذه المشروعات. وفي حقيقة الأمر، فإن الأموال بهذه الطريقة لا تغادر الولايات المتحدة، حيث تتحول ببساطة من حسابات بنوك واشنطن إلى حساب شركات في نيويورك أو هيوستن أو فرانسيسكو، ورغم أن هذه الأموال تعود بشكل فوري إلى أعضاء في الكوربورقراطية فإنه يبقى على الدولة المتلقية سداد أصل القرض والفوائد. أما المثير في اعترافات بيركنز فهو تأكيده بأن مقياس نجاح الخبير يتناسب طرديا ًمع حجم القرض بحيث يجبر المدين على التعثر بضع سنوات، وعندئذ تفرض شروط الدائن التي تتنوع في عدة أمور، مثل: الموافقة على تصويت ما في الأمم المتحدة، أو السيطرة على موارد معينة في البلد المدين، أو قبول تواجد عسكري داخل هذا البلد، وتبقى الدول النامية بعد ذلك كله مدينة بالأموال، ولكن في ظل الهرم الرأسمالي التي تشكل أمريكا قمته. ويسلب القراصنة الاقتصاديون ملايين الدولارات من دول كثيرة في سائر أنحاء العالم، ولتحقيق ذلك، تتنوع وسائلهم وأدواتهم بين اصطناع التقارير المالية، وتزوير الانتخابات والرشوة والابتزاز والجنس والقتل، لكنها تأخذ أبعاداً جديدة ومخيفة في عصرنا الراهن.

يحدد بيركنز نماذج التنبؤ التي يستعين بها الخبير لدراسة تأثير استثمار مليارات الدولارات في بلد ما على النمو الاقتصادي المتوقع لسنوات قادمة، ولتقويم المشروعات المقترحة. ويكشف الطابع المخادع للأرقام الجافة، فنمو الناتج الإجمالي القومي قد يكون نتيجة استفادة أقلية من المواطنين (النخبة) على حساب الأغلبية بحيث يزداد الثري ثراءً ويزداد الفقير فقراً. ورغم ذلك فإنه من الناحية الاقتصادية، يعتبر تقدما اقتصادياً.

وعليه، يكشف بيركنز الجانب غير المرئي في خطة القروض والمشروعات، وهو تكوين مجموعة من العائلات الثرية ذات نفوذ اقتصادي وسياسي داخل الدولة المدينة، والتي تشكل امتدادا ًللنخبة الأمريكية، ليس بصفة التآمر، ولكن من خلال اعتناق نفس أفكار ومبادىء وأهداف النخبة الأمريكية الحاكمة، والدفاع عن الليبرالية بالمفهوم الأمريكي، وبحيث ترتبط سعادة ورفاهية الأثرياء الجدد بالتبعية طويلة المدى للولايات المتحدة الأمريكية. رغم أن عبء القروض سيحرم الفقراء من الخدمات الاجتماعية لعقود قادمة، ويدلل بيركنز على ذلك بأن مديونية العالم الثالث قد وصلت إلى 2،5 تريليون دولار، وأن خدمة هذه الديون بلغت 375 مليار دولار سنويا ً في عام 2004، وهو رقم يفوق كل ما تنفقه دول العالم الثالث على الصحة والتعليم، ويمثل 30 ضعفا ًلما تقدمه سنويا ًالدول المتقدمة من مساعدات خارجية.

 

القراصنة الاقتصاديون ينهبون ثروات أمريكا اللاتينية

 كانت أولى أعمال جون بيركنز في الاكوادور التي عاش فيها فترة من الزمن، وكتب عن تاريخها وعاداتها، وعن ثقافة سكانها الأصليين في غابات الأمازون. يعترف بيركنز بأنه هو وزملاؤه كانوا قد دفعوا الاكوادور إلى الإفلاس، ففي غضون ثلاثين عاما ًارتفعت نسبة الفقر من 50% إلى 70%، وازدادت نسبة البطالة من 15% إلى 70%، وكانت الاكوادور تخصص قرابة 50% من ميزانيتها لسداد الديون، الأمر الذي اضطرها إلى بيع غابات الأمازون إلى شركات البترول الأمريكية، نظرا ًلكون مخزون غابات الأمازون من النفط يحتوي على احتياطي يعتقد أنه منافس للشرق الأوسط. أضف إلى ذلك، فإن شركات البترول قامت بتسمميم المياه بالنفايات السامة، والقضاء على الثروة الطبيعة من أسماك وطيور ونباتات وحشرات. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تعداه إلى عمليات تزوير وسرقة لأراضي السكان المحليين، وجرائم قتل وحتى تحرش بالنساء أيضاً.

وعندما حاول رئيس الاكوادور خايمي رولدوس فرض سيادة بلاده على مصادر النفط وتوجيه الثروات الطبيعية إلى داخل البلاد، طاله الاغتيال في حادث طائرة مدبر في 24 مايو من عام 1981.

أما بالنسبة لغواتيمالا، فقد قام رئيسها أربنز الذي جاء إلى الحكم من خلال انتخابات حرة وديمقراطية في الخمسينيات من القرن العشرين، بتأمين برنامج إصلاح زراعي يهدد مصالح شركة يونايتد فروت الأمريكية التي تأسست في أواخر القرن التاسع عشر، ونمت لتصبح من القوى المسيطرة على أمريكا الوسطى بما لها من مزارع كبرى في غواتيمالا ونيكاراجوا وكوستاريكا وجمايكا وبنما، الأمر الذي خلق سابقة خطيرة للشركة في المنطقة، وعليه فقد قامت الشركة بحملة دعائية واسعة داخل الولايات المتحدة تركز على أن أربنز يعمل في إطار مؤامرة سوفيتية على أمريكا، وهكذا قامت (السي. اي. ايه) في عام 1954 بتدبير انقلاب على النظام المنتخب ديمقراطياً، وضرب الطيارون الأمريكيون العاصمة، واستبدل أربنز بدكتاتور يميني متطرف هو الكولونيل (كارلوس أرماس)، الذي ألغى على الفور الإصلاح الزراعي والضرائب على الاستثمار الأجنبي ونظام الاقتراع السري في الانتخابات، وأودع في السجون الآلاف من المواطنين.

 

أساليب وطرق القرصنة الاقتصادية

 هكذا يمكننا أن نستنتج أن إمبراطورية الكوربورقراطية تعتمد في عملها على مجموعة من الشبكات المتصلة التي تبدأ بالقرصنة الاقتصادية تحت شعار التنمية والاستثمار، وشبكة المخابرات المركزية، والقرار السياسي الأمريكي بغزو الجيش الأمريكي للدول التي ترفض الانصياع لمغريات القراصنة الاقتصاديين. أما شبكة المخابرات فتكون ممثلة بما يسمى بالثعالب، وتكون مهمتها إشعال الفوضى والفتن، ومحاولة إسقاط النظام داخليا ًللدول التي ترفض عرض منظومة الشركات الأمريكية في العمل داخل أراضيها، أو تأميم البترول وتوجيه عائدات الثروة الوطنية إلى الداخل. ويمككنا أن نلاحظ مثالاً على عمل الثعالب في إيران عام 1951، عندما تمردت إيران على شركة بترول بريطانية كانت تستغل موارد إيران الطبيعية وشعبها. كانت تلك الشركة أهم شركات مؤسسة بترةيش بترولم، وردا ًعلى هذا الاستغلال، أعلن رئيس الوزراء الإيراني المحبوب جماهيرياً، والمنتخب ديمقراطياً محمد مصدق تأميم أصول البترول الإيراني، فجن جنون بريطانيا ولجأت للولايات المتحدة الأمريكية حليفتها في الحرب العالمية الثانية لمساعدتها، لكن الدولتين تخوفتا من اللجوء إلى الحل العسكري، لأن هذا سيتسفز الاتحاد السوفيتي ويجعله يتخذ موقفا ًمسانداً لإيران. وبدلا ًمن إرسال البحرية الأمريكية (المارينز)، أرسل على وجه السرعة عميل المخابرات المركزية الأمريكية كيرمن روزفلت حفيد تيودور روزفلت، وقد أدى دوره بمهارة شديدة، واستطاع أن يكسب الناس بالرشاوى والتهديدات، ثم حرضهم على تنظيم أعمال شغب في الشوارع، والسير في مظاهرات عنيفة أدت إلى خلق انطباع بأن مصدقاً ليس رجلاً وغير كفء. وفي النهاية سقط مصدق وأمضى بقية حياته في الإقامة الجبرية، وأصبح الشاه محمد رضا الدكتاتور المرعب، صديق أمريكا وحليفها في الشرق الأوسط. وهذا الماضي هو انعكاس لما يحدث اليوم في إيران من فوضى وشغب داخلي ومحاولة لإسقاط النظام مع التلويح في الوقت نفسه بالحرب المباشرة والضربة العسكرية ضد النظام الإيراني المستقل عن لعبة المافيات الاقتصادية وحرب القراصنة الأمريكيين.

ويمكننا في فترة الخمسينيات تلك، أن نرى الحرب الاقتصادية لمنظومة الكوربورقراطية بشكل غير مباشر متمثلة بالعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، بعد تأميم قناة السويس من دول هي حليفة لأمريكا كبريطانيا وفرنسا وإسرائيل، أو بحرب الثعالب وتخطيط المخابرات المركزية الأمريكية، كما في حالة انقلاب البعثيين على عبد الكريم قاسم الذي أمم النفط العراقي وطرد الاستعمار والشركات الإمبريالية من العراق، بعدما أسقط النظام الملكي وأسس الجمهورية العراقية.

 

بنما وفنزويلا والعراق 

 في بدايات عام 2026 اُختطف رئيس فنزويلا مادورو من بيته هو وزوجته في عملية أمريكية خاطفة ونوعية تدل على حجم وقدرة التطور العلمي والتكنولوجي الذي وصلت إليه أمريكا، بعدما شلت أمريكا المراكز الحيوية العسكرية، واغتالت قادة مهمين في الجيش الفنزويلي، الأمر الذي أدى إلى تعطيل كل أنظمة الدفاع الفنزويلية. كانت حربا ًخاطفة ومفاجئة وصادمة، فقد اُقتيد الرئيس الفنزويلي وزوجته إلى واشنطن للمحاكمة بتهمة الفساد وتجارة المخدرات، وتهديد الأمن القومي الأمريكي. وقد ضجت قنوات الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بهذا الحدث الذي يدل على تطور شكل جديد من أشكال الحرب المعتمدة على التقنية العلمية، وعلى حرب معلومات فائقة الدقة. كذلك يثبت لنا هذا الحدث المزلزل المفهوم الهش لسيادة الدول واستقلالها، وضعف انفرادها بقرارها السياسي والاقتصادي.

إن رؤية الحدث من زاوية تاريخية يزيل عنه طابع الدهشة والصدمة، فقراءة متمعنة وعميقة لتاريخ أمريكا المعاصر يثبت لنا أن هذه العملية لم تكن الأولى من نوعها في أمريكا اللاتينية، بل سبقتها غواتمالا وبنما، وقبل كل شيء معاهدة مونرو التي وقعت عام 1823، والتي تتيح لأمريكا التدخل في شؤون أمريكا اللاتينية، وتمنع أي قوة دولية أو فكر سياسي يهدد أمريكا أن يستوطن دول أمريكا اللاتينية، وعلى هذا الأساس رسمت أمريكا سياستها الخارجية تجاه هذه القارة، وأتاحت لها التدخل عسكريا ًوسياسيا ًفي شأن أي دولة من أمريكا الجنوبية.

كان عمر توريخوس رئيس بنما يحظى بشعبية هائلة ومحبة كبيرة من الشعب البنمي وبقية دول العالم، وكان احترامه نابعا ًمن أنه أرغم الولايات المتحدة الأمريكية على التخلي عن قناة بنما وتركها لأصحابها الحقيقيين، وواصل الوقوف ضد رونالد ريغان. وكان بطلاً في الدفاع عن حقوق الإنسان، ورئيس دولة فتحت ذراعيها للاجئين، وكان ذا صمت مؤثر في جانب العدالة الاجتماعية. واعتقد الكثيرون أنه سيرشح لجائزة نوبل للسلام، إلا أنه قتل بعد مقتل خامي رولدوس رئيس الإكوادور بشهرين، وتحديدا ًفي يوليو من عام 1981، على يد المخابرات الأمريكية، وانقلب العالم رأسا ًعلى عقب، وخرجت مظاهرات حاشدة ومنددة بمقتله في مدن أمريكا اللاتينية ومدن العالم.

لم يكن مانويل نوريجا الذي تولى رئاسة بنما بعد عمر توريخوس، بنزاهة وشعبية وعدالة توريخوس، فقد عرف عن توريغا بتورطه في الفساد وتجارة المخدرات، إلا أن نوريجا ظل وفيا ً لعهد سلفه توريخوس في استقلالية قناة بنما وسيادة القرار الداخلي الاقتصادي، لكن العالم وجد نفسه مذهولاً وهو يرى الولايات المتحدة تقوم في 20 ديسمبر من عام 1989، بالإغارة على بنما بهجوم جوي عنيف صُنف كأعنف قصف جوي على مدينة بعد الحرب العالمية الثانية، كان هجوما ًبلا مبرر على سكان عزل، فلم يحدث أن مثّل شعب بنما أي خطر على الولايات المتحدة ولا غيرها من الدول. وقد شجب السياسون والحكومات والإعلام العمل الفردي الذي اتخذته الولايات المتحدة تجاه بنما في انتهاك صارخ لحقوق الإنسان والقانون الدولي.

لقد أصرت بنما على أن تحترم اتفاقية القناة، وأن تكون بنما مستقلة وذات سيادة. إضافة إلى ذلك كانت بنما قد استكشفت إمكانات بناء قناة جديدة بالتعاون مع شركات التمويل والإنشاء اليابانية، فكانت النتيجة عقوبة جماعية لبلد وشعب بأكمله.

اعتمد التبرير الذي صاغته واشنطن لهجومها على بنما على استهداف رجل واحد. لقد كان إسقاط نوريجا هو المبرر الوحيد للولايات المتحدة الأمريكية لإرسال جنودها رجالاً ونساء ليخاطروا بحياتهم وضمائرهم، فيقتلون الأبرياء، بمن فيهم أعداداً لا تحصى من الأطفال، ويضرمون النيران في أحياء ضخمة من العاصمة بنما.

لقد صوروا نوريجا على أنه شيطان وعدو للشعب، وتاجر مخدرات بشع، ومن ثم فقد قدم للإدارة الأمريكية العذر كي تقدم على غزوها الكاسح لدولة يقطنها مليونا نسمة.

وأسلوب شيطنة الدول واتهامها بالإرهاب، ثم تجويعها ومحاصرتها، هو أسلوب ما زال متبعا ً حتى وقتنا الراهن في السياسة الخارجية الأمريكية.

يعلق جون بيركنز على غزو بنما، ويرى أن ذلك كان إشارة إلى أن السياسة الأمريكية ارتدت إلى الأساليب العتيقة في بناء الإمبراطوريات، إلى درجة أن إدارة بوش قررت أن تزايد على إدارة ريغان وتظهر للعالم عدم ترددها في استخدام القوة من أجل تحقيق غاياتها. وقد بدا أيضا ًأنه إلى جانب رغبة الولايات المتحدة في إزاحة إرث توريخوس وتنصيب حكومة صورية موالية للولايات المتحدة، كان الهدف المطلوب من بنما هو ترويع دول أخرى مثل العراق وإجبارها على الخضوع.

كان نوريجا هو سجين الحرب الوحيد في غزو أمريكا لبنما، فقد جيء به إلى الأراضي الأمريكية ليواجه المحاكمة والسجن بحجة انتهاكه القانون الأمريكي على أرض بلده وداخل نطاق نفوذه الوطني. وقدرت منظمات حقوق الإنسان الحجم الحقيقي للمذبحة التي ارتكبها الأمريكيون في بنما بين 3000 إلى 5000 قتيل و25000 مشرد.

 

عندما أنقذ العراق فنزويلا

 بعد نجاح القراصنة الاقتصاديين، وعلى رأسهم جون بيركنز في المملكة العربية السعودية التي اُستثمرت فيها مشاريع هائلة من البنى التحتية، ومحطات توليد الطاقة والكهرباء، ومد الجسور والطرقات، وبناء المدن الصناعية، أصبحت المملكة العربية السعودية تابعة سياسيا ًفي قرارتها للولايات المتحدة مقابل حماية أمنها وبقاء آل سعود على سدة الحكم، فوضعت المملكة دخلها من البترول تحت يد الحكومة الأمريكية مقابل هذا الشرط. لقد خرجت المملكة العربية السعودية من مجتمع القرون الوسطى، وبدأت باللحاق بركب العصر الحديث والعالم المعاصر، وكلما زاد اقتصاد المملكة العربية السعودية تشابكا ًوخضوعا ًلمصالح الولايات المتحدة، كلما ازداد تقليدها للأسلوب الغربي وميلها وتبعيتها لقرارات أمريكا وسياساتها الخارجية.

كان القراصنة الاقتصاديون يظنون أن الأمر سهل مع صدام حسين، وسيحذو حذو المملكة العربية السعودية، وتحديدا ً بعد معاهدة البترودولار، إلا أن القراصنة الاقتصاديين خاب ظنهم وفشلوا فشلا ًذريعا ًفي ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، رغم أنهم كانوا سيرضخون لطلبات صدام في نزعته التوسعية في الشرق الأوسط والعالم العربي، ووصل الحد إلى أنهم كانوا سيوافقون على بناء منشآت نووية، وأسلحة حديثة متطورة، وسيغضون الطرف عن دكتاتورية صدام وجرائمه الوحشية تجاه شعبه والدول المجاورة، بل يمكننا القول بأنهم كانوا يعدون لخلق هتلر آخر في الشرق الأوسط مقابل أن تستثمر الشركات الأمريكية الكبرى في العراق، ويكون العراق حليفا ًاستراتيجياً قويا ًللأمريكان لا يقل قوة عن إسرائيل وإيران في زمن الشاه.

 

لكن كيف أنقذ العراق فنزويلا من غزو مؤكد في عام 2003؟

 يقول جون بيركنز: "إن العراق ليس فقط هو النفط، ولكنه أيضا ًالمياه والموقع الاستراتيجي، والسوق الواسعة للتكنولوجية الأمريكية وخبرتها الهندسية".

ولقد بات واضحا ًمنذ عام 1989 للنخبة الأمريكية التي ساندت صدام حسين في حربه ضد إيران. أن صدام لن يسير في السيناريو الاقتصادي المرسوم له. وأما بالنسبة لفنزويلا فهي رابع مصدر للبترول في العالم، وثالث مورد للولايات المتحدة، وهي تعتبر حاليا ًأكبر احتياطي للنفط. كانت الأمور قد تأزمت بين البلدين، عندما فرض شافيز إجراءات ملزمة وتولى السيطرة على القضاء وغيره من المؤسسات، وحل البرلمان الفنزويلي. لقد ندد شافيز بسياسة الولايات المتحدة الإمبريالية الفاضحة، وقدم نقدا ًلاذعا ًللعولمة، وفرض قانونا ًجديدا ً للتنقيب عن البترول شبيها ًحتى في اسمه بذلك القانون الذي فرضه خايمي رولدوس في الاكوادور قبل أن يلقى مصرعه في تحطم طائرته المروحية.

قام شافيز بفرض سيطرة بلاده على البترول في ديسمبر من عام 2002، وحاولت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش خلعه عن الحكم بطريقة سياسة الثعالب المتبعة كحل ثانٍ في منظومة الكوربورقراطية الأمريكية، إلا أن شافيز عاد إلى الحكم مستنداً إلى الجيش الذي وقف إلى جانب الشعب. بخلاف مصدق في إيران، ولم تتمكن أمريكا في عام 2003 من تكرار سيناريو إيران عام 1951 في فنزويلا، فقد جاء الغزو الأمريكي للعراق لينقذ فنزويلا، حيث لم يكن بإمكان الإدارة الأمريكية شن الحرب على عدة جهات: أفغانستان، والعراق، وفنزويلا في التوقيت نفسه.

يقول بيركنز في اعترافاته: "راقبت فنزويلا لسنوات عديدة. كانت مثالاً تقليديا ًللدولة التي نهضت من الفقر إلى الثراء نتيجة اكتشاف البترول. كانت كذلك نموذجا ًللاضطرابات التي تحركها ثورة البترول، وفقدان التوازن بين الأثرياء والفقراء، ومثالاً لبلد استغلته الكوربورقراطية بصفاقة".

 

الأهداف الاستراتيجية

تهدف أمريكا إلى بناء نظام عالمي تسيطر عليه الولايات المتحدة، ويتم من خلاله نمو وازدهار الأعمال الأمريكية، وتأسيس منظومة عالمية تتشكل من النخبة في جميع البلدان، تؤدي مكوناتها المختلفة مهاما ًمحددة لصالح الشركة الأمريكية، سواء كمراكز تصنيع أو كأسواق استهلاك أو كمصادر للطاقة والمواد الخام.

لذلك تسعى الإدارة الأمريكية إلى تقسيم العالم إلى مناطق اقتصادية نوعية تخدم كل منها على حدة أغراض الشركات الأمريكية.

إن ما يريده النظام الأمريكي في حقيقة الأمر ليس التجارة الحرة، بل احتكار المستقبل لصالح منظمة الشركة الأمريكية في دخول الأسواق واستغلال الموارد واحتكار التكنولوجيا والاستثمار والإنتاج العالمي.

ولا يقتصر ارتباط الدولة في أمريكا مع الشركات الكبرى على الجانب الاقتصادي، فهناك الجانب السياسي المرئي وغير المرئي، مثل تبادل أفراد النخبة المراكز العليا في الدولة والشركات، ومساندة الدكتاتوريات والأنظمة اليمينية المتطرفة، مثل الرئيس الأندونيسي سوهارتو، وزعيم تشيلي بيونشيه، والرئيس الكوري بارك تشونغ، ورئيس الكونغو الديمقراطية موبوتو، إضافة إلى حكم آل سعود في المملكة العربية السعودية التي تعتبر أكبر ممول وداعم للإرهاب. والسعودية على حد تعبير مسؤول رفيع في وزارة الخزانة الأمريكية، هي بؤرة تمويل الإرهاب من أواخر الثمانينيات إلى ما بعد غزو العراق في عام 2003، وكان تمويل الإرهاب والحركات الأصولية المتطرفة يجري بشكل واضح وعلني تحت أنظار الإدارة الأمريكية ودعمها المستمر.

هكذا تصبح الأنظمة الأصولية المتطرفة والأنظمة الشمولية القمعية، حليفة دائمة للولايات المتحدة عندما ترتبط مصالحها بالشركات الكبرى. كما أنها تشكل معها جدارا ًمنيعا ًفي وجه الأنظمة الوطنية التي تبحث سيادتها واستقلالها ورفاهية مواطنيها بعيدا ًعن مافيات الاقتصاد، وعن لعبة المال والسياسة التي تلعبها الولايات المتحدة لإحكام نفوذها وبناء إمبراطوريتها العالمية.

 

لماذا الاعترافات؟

 لا يضر الولايات المتحدة الأمريكية إن أصبحت جرائمها من التاريخ، ولا تدينها الوثائق والأدلة إن مضى عليها فترة من الزمن، ما دامت تحقق أهدافها الاستراتيجية ومصالحها في الوقت الحالي. وهنا نستنتج، لماذا لم يستطع جون بيركنز أن ينشر كتابه "الاغتيال الاقتصادي للأمم" إلا بعد أكثر من ثلاثين عاماً، رغم أنه تعرض للتهديد والرشاوى في ذلك الزمن الذي كان ينوي فيه نشر كتابه. كما يجب ألا ننسى أن بنية النظام الرأسمالي التي تحفر في وجدان النخبة الأمريكية تخلق للإنسان رغبات زائفة وحاجات زائفة، أضف إلى ذلك فإنها توفر له عدة خيارات توهمه بالحرية كالسلطة والسلطة المضادة، والنقد وبدائله، و المصادر المتنوعة للمعرفة ووسائل الإعلام والتواصل، إلا أنها في النهاية تصب كلها في مصلحة النخبة الحاكمة وأهدافها ومبادئها، ما دام كل شيء قابلاً للتسليع والاستهلاك حتى الإنسان نفسه، كل ما ينتجه النظام الرأسمالي من بدائل وخيارات ومعارضة تعمل على تعليب الوعي، وعلى إعادة إنتاج السلطة مرة أخرى، مع المراقبة الحثيثة لتلك السلطة ألا يتحول أي فكر خلّاق ومبدع إلى واقع إجرائي أو فعل سياسي.

تأتي اعترافات بيركنز بمثابة تطهير وخلاص من خطايا الماضي وجروحه العميقة، والمضي قدما ًنحو العالم الذي يحلم به الإنسان، إنه موقف وجودي وأخلاقي كبير، لكن ما أغفله بيركنز أو محاه عامدا ًأو ساهيا ًمن ذاكرته، هو إسرائيل في الشرق الأوسط، والنخب الصهيونية المتحكمة في منظومة الشركات العالمية الكبرى. هذا هو السؤال الذي سيبقى مفتوحا ًوينتظر إجابة من بيركنز أو من الصراعات والحروب القادمة في العالم.

 ـ

جون بيركنز، الاغتيال الاقتصادي للأمم  ( اعترافات قرصان اقتصادي)، ترجمة ومراجعة: مصطفى الطناني، عاطف معتمد، تقديم شريف دلاور، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة،  2012.

:John perkins  جون بيركنز:

، من مواليد 1945 في الولايات المتحدة الأمريكية، اقتصادي وكاتب أمريكي، عمل في شبكات استشارية وحكومية دولية، واكتسب خبرة في علاقات التمويل الدولي وسياسات القروض الخارجية. اشتهر بكتابه 

، والذي سرد فيه تجاربه حول كيفية ممارسة النفوذ المالي على الدول الناميةConfessions of an ECONOMIChit MAN (2004)