
بدأت تجربة الشاعر صقر عليشي تسجل أولى بصماتها الحقيقية - بعد مرحلة قصيرة من تجريب أولي - مع مجموعته (قصائد مشرفة على السهل) والتي انتمت إلى مرحلة ازدحمت بشعراء كثر انقسموا إلى عدَّة تيارات، فهناك تيار استهوته لعبة الشكل والإغراب، وثانٍ اختار الشعر الوجداني الشفيف من غير غرق في لعبة الشكل، بل جعلها تندغم بسلاسة في القصيدة، وثالث فهم الشعر استجابة للآنيِّ الإعلامي، وصدى لما تطلبه المنابر والجمهور المسيَّس.
وكان صقر من التيَّار المنتمي فنياً إلى الشعراء الذين اختاروا السهل الممتنع، ولاقت ريفيته اللافتة المحببة استحساناً واسعاً، منحازاً إلى الطبيعة البكر، والجمال الأنثوي الصافي، وسط كآبة غلَّفت معظم الشعر العربي.
بعيداً عن النثرية
تنجو قصيدة عليشي من الوقوع في النثرية الفجَّة، مع أنه شديد الاقتراب من اليومي والمألوف والسهل، وهي حالة نراها عند من يريد شعرنة الكلام العادي، أو المشاهد العادية، فيغرق في المبتذل من الحالات، وفي الصياغة الخالية من مهارة البناء، فالعادي عند صقر متوهج، والصياغة ذكية ولمَّاحة.
لاحظوا معي كيف يكون الكلام الخادع بأنه عادي عندما يحمل المفاجآت الإيحائية:
أنا من هناك...
حيث كل شيءٍ مرتفع
الروابي
والنهود
والجباه
رعيت الأبقار والماعز والسواقي
وركضت مع الصباحات النشيطة
مع الشعاب الجبلية
حتى تمزقت جوارب المنعطفات (1/19)
شَعْرَنةُ الحياة
ما هي خلطة صقر السحرية لشعرنة الكلام؟ تنبه صقر، فلم ير القصيدة طولاً أو قِصَراً، ولا غراماً بتقليد ما يشيع من الأشكال، ولا رغبة في تلبية ما يطلبه الجمهور، فقد مثَّل الحالة الأصيلة لالتقاء الموهبة بالثقافة بصدق التعبير ورغبة امتلاك الصوت الخاصِّ، فكان له ما أراد، حيث لم يزاحم أحداً، ولم يُراكِم مجموعاته ويباهي بمطوَّلاتها، بل ظلَّ متقشِّفاً، أشبه بدرويش شعري مؤمن بأدواته، يجلس فوق مسامير شعره وحياته، ويقدم هداياه الشعرية في مهرجان ملوَّن، حالماً أن يكون قد زاد من بهجة العالم ومتعته.
وعندما يسير صقر عليشي في غابة الشعر يسلك إليها درباً يشبه دروب قريته في الجبل، إنه الدرب الذي يفاجئك في كل منعطف ووراء كل صخرة وأَكَمَة وتلَّة وقمَّة ومنحدر.
لهذا كان الشعر كما فهمه يتدفق من الحياة البسيطة حوله، ومن كائناتها المألوفة، لكنه سرعان ما يطير بما هو على الأرض فيحلق به، ويمسك بما في السماء فيجعله أرضياً، وفي هذه الأرجحة الشعرية يطلب من زملائه في قصيدة (نصيحة) أن يفهموا هذا الألق في اللحظة الشعرية، فهي تأتي عندما يحين لها أن تأتي، لأنها تكون في لحظة كمونها الحر الباحث عن لحظة الولادة:
إن لم تأتِ بموعدها الكلماتُ
تريّثْ..
لا تقلق وتولولْ
سوف تجيئك راضيةً مرضيّهْ
فهي هناكَ
تعبّ هواءً طلقاً... وتنطّ..
وترعى الأعشاب الغضّةَ
في البريّهْ (1/326)
ويقول في (مذكرات نملة) أن لديه دوماً ثقة بحكمة الطبيعة والجمال:
كم أنا اليوم متعبةٌ!
قشة قصمتْ – قبل أن أصل البيت-
ظهري
قشةٌ / ثروةٌ
هي أطول من نملتين معاً..
يهب هواءٌ فيهتزّ أمري
أسبُّ أبا القشِّ
ألعن يوماً تعرَّفت فيه
على القشِّ
أسمع قهقهة النمل حولي..
وينفدُ صبري (1/340)
يستطيع صقر أن يمارس لعبته الأثيرة مع الإدهاش والشفافية والطرافة، فعندما يكتب عن المرأة يقوم بلعبته الفنية، حيث تتحول الكلمات الجافة والمسميات والمصطلحات والعبارات الشائعة إلى وظائف طريفة جديدة:
مشاعري وفستانك
يتبادلان الحفيف (2/329)
والسخرية والمرح يمران غالباً على شكل تناصّ أو عبارة في قصيدة، كقوله:
صَبايا نَضِجْنَ كَمَا يَنْبَغي
قبلَ نضْجِ العِنبْ
رجالٌ يلفّونَ تبْغَهُمُ
ويخُوضُونَ في عالَمِ الغَيْبِ
حتى الركبْ (1/258)
والسخرية تكون أحياناً نوعاً من اللعب الجميل المحض، لكن في مقدورنا أن نلمح دلالات خفية بين ثنايا الصور:
طرتُ قريباً من "دربِ التّبانةِ"
(حتى إن التبنَ تناثر فوقَ ثيابي)
وهنالكَ شاهدت الإنسانَ
يحطّ على طرفِ الأقمارْ
لكنْ...
لا تنسوا أني حين وصلتُ
إلى هذا العصرِ،
وصلتُ على ظهرِ حمارْ (2/190)
الجسد قصيدةً
شاعرنا يدافع عن بهجته وفرحه، وينظر شزراً إلى الشعر الحزين، ولا يميل إلى التأمل الواسع في معنى الحب والموت، هو يغني للحب، يلتقط منمنماته، يكتب مغامراته معه، وينفث مشاعره، ولكن الشاعر عرف كيف يجدِّد مشاغله الشعرية.
وشعره فيها ليس عفيفاً كما يروق للكثيرات والكثيرين أن يتمظهروا، ولا ماجناً كما هو سائد في شعر مبتذل يثير اشمئزازنا بتفاصيله السمجة والمريضة، بل جسد المرأة عنده واحة، أو شعلة، أو نجمة بعيدة، فدائماً يكون الجسد موضع تقدير وحب وتغنٍّ وتمجيد واحترام:
ما من وسيلة
سوى ساقيكِ
ليرى المعنى لمعانه (2/309)
ساقانِ لا تَغيبُ الشمسُ عنهما
ساقانِ تَمْضيانِ في مهمّة ضَوْئيةٍ (1/156)
مواقف
ما موقف صقر عليشي شعرياً؟
غادر صقر سريعاً الشعر المباشر، شعر الاستجابات العابرة والمواقف التي تتطلبها السياسة حتى عندما كان ذا انتماء محدد، لأنه اهتدى مبكراً إلى الشعرية، ونفر من النظم، وغاص أكثر في معنى الحياة، وفي حال المجتمع حوله، ورفض الانغلاق والتعصب لأي شيء، فنجا مبكراً بجلده من إغراء الآني والقضايا الرابحة في وقتها، ولكنه وإن أبقى على شيء من تلك المرحلة فقد أكَّد انتماءه إلى الشعر والإنسان، لذا لم نعد نجد مثل هذه اللمحات من الانتماء إلى العامِّ السائد منذ مجموعته (قصائد مشرفة على السهل) إلا نادراً، وبما يخدم انتماءه الأشمل لكل ما هو أجمل:
سنكتب شعراً
ليرضَى النزول على الأرض
هذا المطرْ
سنكتبُ شعراً
لِندْحر، أبعدَ أبعدَ،
عنّا الخطرْ (1/73)
ولهذا فالشاعر يؤكد على دوره مهما كان صغيراً في إصلاح العالم، فهو لم يتخلَّ عن حلم أن يكون العالم جميلاً، وأن نعمل ما استطعنا أن نجعل وجودنا أقلَّ وحشة ووجعاً:
لن نقولَ بأنا نعيشُ سدىً
ولو نفِدَ العمر منا ونحن نجاهدُ
كيما نزيح حصاةْ (1/75)
وفي واحدة من أجمل قصائد الشاعر وهي (من سيرة العاشق) يلخص على نحو جمالي شفاف سيرة فتى الريف الذي ينتمي لفقرائه، وحوله الشَّمَمُ الذي جعله بسيطاً وحالماً وبريَّاً يتلمَّس الأشياء بلا خوف، ليكتشفها على هواه، ويصادقها على مزاجه، يقوده قلبه وعيناه، بل وحواسُّه كلُّها:
وُلِدْتُ وليس معي
غَيْرُ هذا الجبلْ
قلْتُ: لا بأْسَ، يكفي
وقفْتُ على كَتِفَيْهِ
ورُحْتُ أَعُبُّ حليبَ الغيومْ
وقَفْتُ على كتِفَيْهِ
ورحْتُ أَمُدّ يَدَيَّ
وأَقْطُفُ خوخَ النجومْ (1/227)
ها هو شعره تنويع يتجدَّد عن الحياة والبشر والأشياء من زوايا طريفة، فهو يكتب عن الشعراء والدروب والريح والغبار والحرب والدمع والحنين والشمعة وغيرها بالطريقة نفسها، حيث تكون القصيدة لعباً جميلاً بالأفكار والمشاهِد، أنسنة وتخييلاُ، وخلطاً بين الحواس والعوالم.
لكن الشاعر في مرحه وتغنيه بالمرأة، وبأخْذِها علامةَ حياة وبهجة، لا يترك مبضعه الشعري جانباً، بل يُعْمِله في كل ما يشوه الوطن والحياة والإنسان، فتتجلى صرخاته بوضوح وجمال وطرافة في قصيدة (لمحة عن بلادي) التي ينهيها بمرارة كاوية:
فأنى توجَّهتَ
ثمَّة وجهُ الخرابْ (2/253)
تناصٌّ
ولم يكفَّ الشاعر عن القيام بالتناص خاصة مع القرآن الكريم، أو الحديث النبوي الشريف، ومع نصوص وأشعار تراثية:
متكئين هنالك
فوق الأرائك (2/241)
حضور يهز بجذع القصيدة من جذعها(1/141)
وعلمت النبع ما ليس يعلم (1/143)
ربنا أعطنا كفاف يومنا من النساء(1/149)
قربا مربط القصيدة مني (1/137)
يحسب لصقر أنه خارج السرب تماماً في قصيدته المكرَّسة، ففيها ابتعاد شبه كامل عن "الهموم العامة" الشائعة، والسبب في رأيي فني محض، لأن الشاعر رغب أن يكتشف الزاوية الخاصة التي تمنحه رؤية خاصة لما حوله، فأراد أن يكون عازفاً منفرداً، فتحوَّلت المرأة لديه إلى وسيلة إيضاح لنوازع القلب والجسد، فبسطها على المشرحة، مغمورةً بماء دهشته، فكانت أعماله الشعرية شهادة فنية نجحت في أن تكتب اسمه بقوة في صفحة الشعر العربي الحديث.
*الأعمال الشعرية. صقر عليشي. الهيئة السورية العامة للكتاب. دمشق 2024.
بيان الصفدي-شاعر وناقد سوري