تموز/يوليو 30
   
 
   تلقتهما مدينة بيلباو وقد لفها رذاذ فاتر. فتحت العجوز مظلتها عند مدخل محطة القطار، ومشت خارجة والفتاة تمشي مستكينة لصقها. أغشى الضباب ملامح المدينة، وبدت الأشياء بعيدة بشكل يوحي بالخطر، والناس يمشون دون أن يلامسوا الأرض. عقدت العجوز منديلها تحت حنكها دون أن تُسقط السلة المعلقة بذراعها. كانت ترتدي ثياب امرأة عجوز قروية متزمتة في حالة حداد، وأنفاسها تتلاحق من منخريها شهيقا وزفيرا بشكل معذِّب. بقي فمها مغلقا خلف العبوس القاسي لشفتيها الزرقاوين.
توقفا عند طرف المبنى وجاء الشرطي اليهما، ورفعت البنت بصرها الى جدتها التي زمت شفتيها بقوة جعلتهما شاحبتين. دقق الرجل النظر في لباسهما الريفي وسأل لأي سبب جاءا. رمقت البنت المرأة العجوز التي بدت وكأنها قدت من صخر. همست –"السجن".
تفحص الحارس المرأة العجوز باهتمام، ثم نظر فيما حوله وأخفض صوته معيدا سؤاله، وهذه المرة باللغة اليوسكيرية. لم تتحرك شفتا العجوز، فسأل الحارس –" هل هي صماء؟". أجابته الفتاة بالكاستلانية –" قالوا بأنهم إذا سمعوها تتحدث باليوسكرية فستكون العاقبة سيئة على ابنها. هذا هو كل ما تعرفه".
أشار لهما الحارس نحو طريق يقودهما الى أعلى التلة التي يقف هو عند أسفلها، وأخذ يراقبهما يغوصان في الضباب اللامع. فيما كانت العجوز تصعد ازداد تنفسها عناء، ولكنها لم تسمح لنفسها بالتوقف مرة. مرت الشاحنات تقعقع ذهابا وإيابا كما لو أنها تساق الى الحرب. كان الرصيف ضيقا جدا بحيث لا يمكن فتح إلا مظلة واحدة فكان المارون يزاحون جانبا فيما هي تواصل السير، والجهد الذي تبذله يجعل الفتاة تسمع بأذنيها دوي رئتي جدتها.
استرخى تنفسها عند القمة ولكنها لم تتوقف أو تفتح فمها.
وجدتا السجن بسهولة. كان مرئيا عبر المسافة البليلة، متدليا كما لو كان مصنوعا من ورق مقوى، باديا بالمظهر الجلي الصامت المعتاد لأماكن الاحتجاز. التفتت البنت لجدتها التي كانت شفتاها مرة أخرى مقفلتين وشاحبتين كما كانتا عندما توجب عليها مواجهة الحارس. كانت الفتاة في الثانية عشر ولكنها تتحرك برزانة فتاة بالغة، نحيلة بعينين حزينتين غير متوافقة مع سنها، ويصعب عليها تذكر زمن ما قبل الحرب، ومثل جدتها، كانت ترتدي ملابس حداد من رأسها الى أخمص قدميها، وإن كانت تكثر من النظر الى جدتها فلكي تذكر نفسها بأنها لا يجوز لها أن تبكي.
توقفتا عند البوابة التي تؤدي الى الدخول من الجدار الخارجي. جاء لمواجهتهما ضابط يرتدي قبعة مثلثة مزينة الحواف له شاربين دقيقين واضعا يده على حزام مسدسه.
-" ماذا تريدان؟"
   ظلت العجوز ناظرة الى الأمام، ولكنها لم تعد تستطيع رؤية المبنى. أعاد الضابط سؤاله. شدت تكشيرته شاربيه وتراجع الى كوخ الحراس مع زملائه. ابتسم قائلا:" لست مستعجلا، فنوبتي تنتهي حتى السادسة". نظر الحراس الآخرون خارج الكوخ. شدت العجوز قبضتها على المظلة، والضغط بدأ يجعل شفتيها ترتجفان. بدا وكأن المطر تمطر لهما فقط، بينما هما واقفتان هناك على الحصباء الناعمة عند المدخل. ثم أخذت الفتاة تفتش سلة جدتها تساعدها الجدة ويداها ترتجفان غير أن الفتاة كانت تعرف أن ارتجافها لم يكن لأنها خائفة. أبرزت يديها من تحت المظلة بورقة مجعدة، وبينما كانت تدفعها الى الموظف جعلها المطر الساقط عليها معتدلة. اتسعت ابتسامته عندما وقعت عينه على ختم الأسقف. خطا راجعا الى المرأة وعيناه اللامباليتان نصف مغمضتين... سأل –" هو ابنك إذاً؟"، شعرت العجوز بعيني الفتاة على وجهها ولم تحرك عضلة. لوح الموظف بالورقة أمام وجهها وأضاف –" فهي إذاً عمياء كما هي صماء".
اختلس الحراس النظر مرة أخرى وهم في كامل قيافتهم الحربية.
أمر الموظفُ العجوزَ قائلا –" قولي شيئا"، وضع الورقة في جيبه وصالب يديه على صدره. جذبته الفتاة من معطفه الميداني لتلفت انتباهه وقالت –" أنت تعرف بأنها لا تفهم يا سيدي. إنها تتكلم بلغتنا فقط"، وثبتت عليه نظرها حتى اضطر أن يجيب –" فعليها أن لا تغادر البيت".  قالت الفتاة –" هي لم تر أبي منذ سنة".
كان الموظف من القذرين الذين يُكلَّفون عادة بحراسة السجن الذي يضم سجناء زمن الحرب. غضب لأنه شعر بأن حزمه يفلت من يديه.
أعاد الورقة وهو غير قادر على إبعاد عينه عن الفتاة، ثم تنحى جانبا مشيرا الى الطريق بحركة من يده.
عبرتا فِناء مقفرا. في ركن منه كان يوجد ثلاثة رجال يغسلون شاحنة بخرطوم مياه. جاء حارس بلحية صوفية شقراء للقائهم. ناولته الفتاة الورقة وقرأها بتدقيق ثم رفع بصره الى المرأتين كما لو أنه نسي وجودهما مؤقتا. استدار من دون أن يتفوه بكلمة وغاب داخلا قاعة مظلمة. تساءلت الفتاة لماذا لا يفعل شيئا بخصوص المسدس الثقيل الذي يرتطم بفخذه بإيقاع.
جاءت هبة ريح من اليسار فقلبت العجوز ياقة معطف حفيدتها الى الأعلى باليد نفسها التي تحمل السلة. لن تنسى الفتاة كيف كان فم جدتها المغلق كأنه ملحوم، أو ينم عن تعبير هادئ لملامحها المجعدة التي كفت عن مجاهدة توقها للتحدث.
كان واضحا من عينيها، بتقيدها الذي لا يسبر غوره، بأنها لن تنسى ما تريد قوله لأبي الفتاة، أو الرجاء الأعزل الذي عليها أن ترجوه من عدوهما. عاد الحارس يسير خلف رجل بدين بوجه ناعس توقف على مبعدة عشرة أقدام منهما وتكلم قائلا –" لا يسمح لأحد بزيارة السجناء المحكومين بالإعدام". أصبح صوته أجشا كما لو أنه حكى نكتة. لم تتحرك المرأتان من عند المدخل. قال متحججا " إنها القوانين". ضغط الرجل ذو اللحية الشقراء اصبعه على الورقة كأنه يشير الى شيء مكتوب هناك. أخرج الرجل البدين عوينات من جيب معطفه الميداني ووضعهما أمام عينيه، وعندما تبينت له أهمية تلك الكلمات انتفض قائلا –" لا بد من أن يُبقوا أولئك الرهبان محبوسين في غرفهم المقدسة". مد يده في سلة العجوز وأخرج صرة –" ما هذا؟". قالت الفتاة –" خبز ولحم خنزير وكعكة تورتية لأبي". ناول الحارس الصرة للفتاة. –" ضعيها في تلك السلة هناك". وضعتها الفتاة بعناية في سلة موضوعة على الأرض.
قادهما الحارس عبر غرفة من بين صفي سياج بمثابة ممر. كانت الأقفال تقرقع كلما تتوقف الجدة والحفيدة بالانتظار عند كل باب، وبوصولهما الى آخر باب حديدي فُتح باب على الجانب الآخر من الحاجز وبرز شخص صغير هزيل. ضغطت العجوز وجهها على الشبكة الحديدية وزمت شفتيها خشية أن تتنكر للوعد الذي قطعته على نفسها. دفعت الفتاة أصابعها من خلال الأسلاك. حدقت محاولة أن تتأكد من أنه أبوها حقا. كادت أن تفلت الكلمات من بين شفتيها بلغتها، لغة أهلها، ولكنها سيطرت على نفسها منتبهة الى الحارس الذي يراقب من مسافة خطوتين. سألت باللغة الكاستلانية –" هل أنت بخير يا أبي؟". لم يكن الرجل قادرا على التكلم، وكان بإمكانها أن ترى أنه غير مصدق بأنهما موجودان أمامه، -" أبي"، كانت ذراعيه متدليتين على جانبيه، وحتى حين بدأ التحدث لم تتحركا:" أجل، أجل، أنا في حالة جيدة، وكيف هو الحال عندكم هناك؟". كانت أمه تتشرب بشوق كلمات ابنها التي لا تستطيع فهمها، وأرخت شفتيها للارتجاف. قالت الفتاة –" الجميع في وضع رائع". نظر الرجل الى أمه قائلا –" أماه"، فانفلتت آهة من فمها. قال الحارس –" هيْ، أنا لا أريد أن أسمع أية كلمة من تلك اللغة الباسكية اللعينة". كان بالإمكان سماع أحد الحراس في دورته الليلية ينادي في قسم الزنازين بأسماء الرجال الأربعة وعشرين المحكومين بالإعدام.
سأل الرجل –" كم لديكم من الأبقار في الحظيرة؟". أجابت الفتاة –" ثلاث فقط. كانت خمسا عندما أنت....". –" هل تتمتع بالصحة؟". –" أجل". سأل عندئذ لماذا لم يأت جدها فأجابت –" لا يستطيع رؤيتك وأنت هنا". لم تكن به حاجة للنظر الى أمه، فمن حيث يقف كان يستطيع رؤيتهما معا. قال "أماه". ضغطت المرأة نفسها على السياج. –" صلي من أجلها"، عرفت الفتاة بأنه يقصد أن تصلي على أمها التي قُتلت قبل ثلاث سنوات في جيرنيكا. أجابت –" أجل". كان الرجل يجاهد للتنفس –" هل لا زلتم تحتفظون بالبذور بجانب الطريق؟". قالت الفتاة –"أجل". –" إن كنتم لا تستطيعون العناية بالبقرات الثلاث تخلصوا من واحدة". –" أخبرتني جدتي أن أقول لك بأنك عندما كنت في الحادية عشر وصفعتك هي لم يكن صفعها عقابا لك على أي شيء بل كل ما في الأمر أنها أحرقت اليخنة وكانت في مزاج سيء، وتتمنى أن تسامحها".
كان يمكنها رؤية والدها يرتجف. تكلم الحارس في نوبة حقد مفاجئة –" انتهى الوقت. قولوا وداعا". قرقعت أزرار سترة أبيها وهي تحتك بالسياج... –"أماه". لم تجرؤ الفتاة على أن تبعد بصرها عنه وبذلك تنهي كل شيء، وتحت نظر جدتها تقدمت ثلاث خطوات نحو الحارس وقالت له –"إنها تسأل إن كانت تستطيع قول كلمة واحدة باليوسكرية؟". أجاب –" هذا مخالف للقوانين".-" كلمة واحدة ستكون آخر شيء تستطيع قوله له في هذا العالم". –" غير ممكن". –" كلمة واحدة فقط". –" كلا". –" واحدة فقط". تردد الحارس ثم قال –" واحدة فقط".
عادت الفتاة الى جانب جدتها ورفعت نظرها اليها مومئة برأسها.
استجمعت العجوز نفسها. رفعت السلة التي ستعود بها الى القرية وانتظرت أن يستقر تنفسها، ركزت بكل ما تملك من قوة، وقبل أن تترك الكلمة تخرج من فمها مخضبة بسبعة وثلاثين سنة عاشتها مع ابنها، من يوم ليوم، من ولادته الى سجنه في قفص الحيوانات هذا، عارفة أنه سيسمعها، ومقررة ألا تسمح لأعدائها أن يدمروا عالمها بموت آخر. احتضنت عيناها وجه ابنها النحيل لتحفظه في ذاكرتها حفظا محكما، وشعرت بحديد السياج يدخل صدرها وهي تقول كلمتها الأخيرة بلغتها اليوسكرية : -" وداعاً".  
 
*  ولد راميرو بينيلا (1923-2014) في بيلباو بإقليم الباسك. درس الإبحار وصناعة السفن ثم أخذ يكتب الروايات والقصص التي تدور في الريف الباسكي وأهمها الثلاثية الروائية (وديان خضر، تلال حمر) التي حظيت باهتمام النقاد والقراء وحازت جوائز كما حاز هو الجائزة الوطنية للكتابة القصصية، وكما هو الحال مع سائر الأدباء الذين عانوا من الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) كواقع عاشوه أو إرث في الذاكرة الشعبية والعائلية فإن كثيرا من قصصه تتحدث عنها، كما في هذه القصة التي تتناول الخاصية العنصرية في السلطة الفرانكوية الديكتاتورية التي أعقبت الحرب، والتي تمنع لعنصريتها التحدث باللغة اليوسكرية وربما حتى بلغة أقلية أخرى، كما تبين التحالف الذي كان قائما بين السلطة وبين رجال الدين بحيث أن الأم لم تستطع هي وحفيدتها رؤية ابنها المحكوم بالإعدام إلا بورقة من الأسقف.