
كان أبي مغرمًا برسمِ الزهور بالزهور، وَعندما كانت تَنضبُ منه الألوان، أو الزهور، كان يُكملُ ما يرسمهُ من لوحات طبيعية مُجَسَّدةٍ بي أنا وَأخواتي وَكنا نَحزن كثيرًا لأننا في أغلب ما كان يرسم، لم تَتَسَنَّ لنا رؤية لَوحاتِهِ، ذلك أننا كُنا جزءًا من هذه اللوحات... كَثيرونَ هم مَن كانوا يعدُّونهُ مَجنونًا حين كان يُبدي حُزنَهُ أمامهم لأنه لم يستَطِعْ أنْ يُسَجِّلَ أسماء بناتِهِ الزهور كُلِّهِنَّ باسمهِ في شهاداتِ ميلادهن التي كان يقتنيهنَّ عن يمينِ قلبه وَيسارهِ وَيا طالما أيقظنا باكرًا لِيَقرَأَ لنا منها نَسَبَ أخواتِنا الزهور.
ظَلَلنا هكذا إلى أن ضاقت أمي بتلك اللوحات وَدفعها الجوعُ وَالعَطَش وَعدمُ إحساسها بِتسابيحِ تلك الزهور أسفل المطر إلى أن تَبيعَ إحداها لقاءَ إناءٍ مَملوءٍ بالقَمحِ... وَبعدَ أنِ امتلأَ بيتنا بالطعام وَالشرابِ من كل صنف حتى صرنا مصدر أيام كانتْ سلة غلال العالم أجمع، انتهت حياة أبي بعدَ أنِ اعتلتْ صحتهُ وَتَدَهورَتْ تدريجيًّا بعدما صارَ في كل يوم يفقدُ واحدةً من الزهور دونَ أن يعلم أنَّا كُنَّا وَراءَ ذلك.
كُنَّا قد غَسَّلناهُ وَكَفَّناهُ في داخل ياسمينةٍ صغيرة بعدما تلاشى كلُّ ما كان فيه وَكُنَّا لا نَستَدِلُّ عليه إلا بصوتهِ الذي أشار علينا بِوضعهِ في آخرِ ما تَبَقَّى من حوض الياسمين مِن زَهرةِ الياسمين التي استعصى علينا قَطفُها وَبيعُها دونَ غيرها من الزهور الأُخرياتِ.
لَمْ نَكنْ نَعلم عن أبي إلا ما كان قد قال لنا من أفعال الغُسْل وَمكانَ دفنهِ الذي اختاره لِنَفسهِ وَسَمعناهُ وَهو ينطِقُ بالشهادتين في داخله بِقلوبٍ يَملأها الحسرةُ وَالنَّدَمُ... والغريبُ أننا لمْ نَسمعْ منه كلمة عتابٍ واحدة حتى إلى أمي التي كانت تَجلسُ قُبالةَ زَهرةِ الياسمين المدفون فيها وَهي تُشَبِّكُ زهرةً في شَعرِها أو في ياقَةِ قَميصها... والأغرَبُ أنَّ قَبْرَهُ الياسمينَ ما احتَجَّ يَومًا وَما سمعنا فيما كُنا نسمعُ من أصداءٍ تتصاعدُ منه إلا ما كان يختلط من تسابيح بِروائحَ هي كالياسمين وَما هي بالياسمين.
لَمْ تحتمل أمي البقاءَ مع تلك الزهرةِ التي تأبى أنْ تُقطَفَ وَتَحصُل بها على العشرة ملايين دولارٍ التي عُرِضَتْ عليها من حَديقةِ دي بلانتس في باريس مقابل تلك الزهرةِ العَجيبةِ بعدما وَصَلَت أصداء شهرتها فرنسا، بل وَمتاحف وَمَحمياتِ أوروبا كُلِّها. كان يَجِنُّ جنونها كُلَّما كانت تأتي بالمعدات العملاقة وأدوات الحفر لِتَنتَزِعَ تلك الزَهرةَ من جذورِها وَكانت كلُّ محاولاتها تَبوء بالفشلِ حتى بعدَ أن وَصلَ الحفرُ إلى عُمقٍ تجاوزَ الخَمسينَ مِترًا. وَكان جنونها هذا يزداد عندما كانت تصحو في اليوم التالي وَتجد هذه الياسمينةَ والأرضُ من تحتها كما هي وَكأنَّ شيئًا لم يَحدثْ... رَحلتْ غيرَ عابئةٍ بِموتِ أخواتي الإحدى عشرة.
صحوتُ البارحةَ لأجدَ زَهرتينِ على نافذتي، واحدة حمراء وَأخرى بيضاء، لستُ ادري مَن جاء بهما ليفاجئني، لعلها كثرة الحُبِّ كما كان يقول أبي؟! لستُ ادري! ظَلَلتُ هكذا في غرفة النَّوم التي لم أغادرها - إلا ساعات معدودة - منذ ثمانين عامًا وَلمدة خمسة أيام أخرى إلى أن جاء يومُ عيد ميلادي وَأدركتُ حينها بالفعل أنني أفقتُ مما كنت فيه من غيبوبةٍ طويلة... خرجتُ للحديقة أستطلعُ الأمرَ وَقد بعثت الشمسُ بدفئها في خطوط وَجهي المُجَعَّدةِ، وَبالمصادفة رأيتُ زَهرَةَ الياسمين وَحدَها في وَسطِ الحَوضِ الذي ظلَّ خاليًا طيلة هذه السنوات إلا منها وَمِن إحدى عشرة زهرةً سوداءَ كُنَّ لا يُسقَينَ وَلا يَكبُرنَ إلا بما كان يَسقطُ دُموعٍ من زهرة الياسمين البيضاء...
لَمْ تَكن تلك الدموعُ أخفَّ وَطأةً من تلك التي كانت لا تستطيع أنْ تراوحَ عينيَّ المتحجرتينِ منذ أيام وَأنا أرى بيتنا وَقد حَوَّلَهُ أبنائي وَأحفادي إلى مُتحف أثريٍّ، بما فيه أنا. تَفرَّستُ في تلك المَرأةِ ذات الملابس الفرنسية الباهظة الثمن وَالعطر الفوَّاح وهم يحاولون إفاقتها من إغماءتها بعدَ أن حاولتْ أن تَلمسَ إحدى هذه الزهور السوداء وهي لا تعلم أن كل من حاول فعل ذلك من قبلها تضربه صاعقةٌ في الحال وتطرحه أرضًا هو وَكلَّ ما عليه وَيرتديه من ثيابٍ وكذا ما في داخل جيوبه من أشياء كما حدثَ معها وهي ملقاة على الأرض وَعلى بعد أمتار منها و من كل اتجاه جواز سفرها ممزقًا إرَبًا إرَبًا وَلمْ يبقَ منه سوى اسم الزوج الفرنسي من الزوجة المصرية المسلمة التي تجاوَزَتْ المائة وعشرين عامًا...
وَبِلحظةٍ شعرتُ أنني كنت سأركضُ إليها شوقًا، لكنَّ مرارةَ الأيام والذكريات حالتْ بيني وَبين ذلك... وَبَعدَما دخَلتُ في كوما للمرة الرابعة، أو ربما كانت الخامسة أو السادسة، صحوتُ لأجدَ تلك السيدة في ذات مكانها الذي كانت قد صُعِقَتْ فيه لكنها كانت تِمثالًا من لَحمٍ وَدَمٍ، لا من حجرٍ، وَقد كُتِبَ أسفلَ منه بِلغةِ الفايكنج وكذا الفرانكو عربية: "تمثالٌ لامرأةٍ ضَحَّت بِحياتها في سبيل إعلاء قيم الحضارة الحديثة وقيم الجمال المعاصرة، وعندما ماتت اوصَتْ بكل ما كان لديها في سبيل صنع هذا التمثالِ العجيب... عاشت الحضارة وعاشَ الجمال!".
ما كنت اعرف ماذا أفعل سوى التحديقِ مشدوهةً، ثمَّ أكملتُ على دهشتي وَقد أشارَتْ إحدى اللافتات في بيتنا، أقصد مُتحفنا، إلى الياسمينة البيضاء والزهور الحمراء... نعم الحمراء لا السوداء؛ فقد تَبَدَّلَ لونُها في اليومِ الذي صُعِقَ فيه تمثال أمِّي للمرةِ الثانية وَهُم يحاولون أن يجعلوهُ منتصَبًا إلى جوارِ هذا الحوض مباشرةً... وَلدى وُصولي هناك سمعتُ اصداءَ ما كنتُ أسمعُ كلَّ مَرَّةٍ وًأنا اعودُ مِن غيبوبَتي وَأصداؤهُ لم تَزلْ تُدَوِّي في نَفسي، قَبلَ أذنيَّ وَأنا أحاولُ أن أقطفَ إحداهُنَّ لأعانقها وَأشتَمَّها كي ألقى مصرعي كما لقتْ امي مصرعها، إلا أنَّها كانت تَعودُ بي غَيبوبتي إليَّ وَأنا أسمعُ صوتَ الياسمينة البيضاء وَهي تقولُ: "نَزفُ القُلوبِ لا يُقطَفُ يا حياة؛ هل تُراك نسيتِ ذلك؟!"... كان ذات الصوت الذي كنت أسمعه انا وأخواتي وَوَاحدةٌ منا تَهُمُّ بأن تَقطُفَ واحدةً من الزهور في هذا الحوض وَهي تأبى الرُّجوعَ وَتضعُ يَدَها على ما كان نهانا عنه أبونا وبعدها كانت تسقط زَهرةً سوداءَ حولَ قبر أبي الياسمينِ... وَهذا ما فعلتُ أنا أيضًا هذه المَرَّة بعدما ضَلَّلَتني لافتةٌ كُتِبَتْ على بابِ القُبَّةِ الزجاجية ذات اللون الورديِّ - التي كانوا يُطَوِّقونَ بها هذا الحوضَ – بِلغةٍ لم أفهمْ منها حَرفًا واحدًا على الرغم من إجادتي لسبعٍ منَ اللغات الحية وَلكنها كانت تُوحي في رَسمها إلى مريض يتنَفسُ بصعوبة وَلا تُسعفه كلُّ الأجهزة الطبية الحديثة وَلم ينقذهُ سوى أنه استنشقَ واحدةً من تلك الزهور الحمراء... سقطتُ على الفور وَأنا أرى الموتَ قابَ قوسينِ أو أدنى ولكنه لم يكن بالصاعقةِ هذه المَرَّة، وَلكن كانت الزهور الحمراء والياسمينة البيضاء التي قامت قيامتها تَجمعُ ما تساقطَ حولها من جُثَثٍ وَتماثيلَ حيةٍ وَقَـدْ اشرأبَتْ تعانقُ سجِّيلَ طُيورَ السماء ترمي به مَن خَطُّوا تلكمُ اللافتات، وَراحَتْ بعدَها تتشعَّبُ فروعًا وَأغصانًا لِتَزلُفَ إلى داخل المُتحف وَهي تحملُني زهرةً حمراءَ صغيرة في المهد تُعاينُ بِكلِّ ندمٍ ما كُتِبَ بِحروفٍ عربيةٍ واضحة على ظهر الباب الذي ولجتُ منه واثقَةً منَ النجاةِ، وَكانت الحروف تقولُ: "احْذروا قَطفَ تلك الزهور، وَإلا فالصاعقةُ وَالويلُ لَكُمْ!"... وَظَلَّتْ فروعها تَتَشَعَّبُ وَتَتَشَعَّبُ وَتُعربشُ الجدرانَ وَالنوافذَ وَأسقُفَ هذا المُتحف آخذةً إياهُ مُحطَّمًا بِكلِّ ما كان فيه وَظَلَّتْ تَغورُ به عائدةً إلى حَوضِ الزُّهورِ حتى تلاشى وَغاضَ ماءً وَأحجارًا أو زجاجًا وَلَمْ يبقَ إلا ما كان إلى جواري من أوراقٍ وَأقلام أُدَوِّنُ بها ما كان يحدثُ معي في كلِّ مَرَّةٍ أفيقُ فيها وَأراها الآن قد صدقَتْ نُبوءتي التي خَطَّها قلبي، لا يدي، في أول سطورها بالصفحةِ الأولى وأنا أصف كلَّ ما حدثَ يوم قيامة الزُّهورِ وَأُوَقِّعُ بدمع الروح، لا العين، أسفلَ عنوانِ قصَّتي بِحُروفِ اسمها الأولى، لا اسمي، هكذا... ي. ق. ز.