آب/أغسطس 01
   
     كان ذلك في سنة من السنين التي رحلت كسحابة صيف، حين دلني صاحب فندق (المقام) على الغرفة التي يطل شباكها على نهر المدينة لأتقاسمها مع من بعثت اليه من اجل ان يقوم بمهمته كمتذوق لأصناف التوابل التي اعتدت ان اقوم بشحنها بقطار الحمل الى اسواق بغداد وما بعد بغداد؛ اعتمادا على ذائقته المدربة..
  تأرجحت حقيبة سفري الخفيفة وأنا اعبر ممر الفندق الى حيث سريري في الغرفة الأخيرة التي كنا نسكنها معا. دهمتني رائحة خانقة لأسرع بفتح مصراعي الشباك المطل على الشارع المزدحم فيما كان صاحبي مستسلما لنوم عميق يتخلله شخير متقطع. نضوت عن قدميّ المرهقتين فردتي جوربي دافعا بحذائي المتهالك بعيدا عن السرير جالسا على حافته المقوسة في مسعى مني لالتقاط انفاسي .وكان شعاع من شمس الضحى قد شق طريقه الى الداخل مستلقيا على وجهه الآسيوي الداكن البشرة، لم استطع ان امنع عطاسا داهمني لحظتئذ بتأثير من الرائحة الناقعة بروائح الكركم والقرفة والفلفل الاسود وروائح اخرى لم اتمكن من تمييزها .
  استيقظ دونات مومئا بيده نحوي في اشارة ترحيب لافا حول عنقه منشفا وخرج للمغاسل. عاد وملأ اهابه رائحة صابون نفاذة بادرني بالقول: ــ هل تناولت فطورك؟
 ــ معي كعكتان ..
 ــ لا بد من كوب شاي..
 دسست اصابعي في جوف حقيبتي فعثرت على اربعة اكياس شاي معطرة بالبيزموت وعلى زجاجة حليب مجفف. اوقدت البريموز واضعا الابريق على ناره الزرقاء. استعاد بعد الافطار قسطا من نشاطه معلنا:
 ــ البارحة فحصت عينات الكزبرة وطحين القرفة..
 ــ ما الذي تبقى لديك؟
 ــ الفلفل الاسود والسماق..
****
   اطال دونات تحديقه في سقف الغرفة ثم استدار نحوي:
 ــ اعطيتك وعدا بأن اتحدث عن ابي .. وسوف افعل .. كان ابي القادم من   الهند جنديا في فرقة بونا السادسة التابعة لجيش الاحتلال البريطاني الذي احتل البصرة سنة 1914 ، وبعد ان انتهت الحرب ،أتى البريطانيون بالملك الحجازي فيصل الاول ليبدأ عهد جديد اسمه الانتداب .وقد رافق انسحابهم بقاء افراد من الجيش الهندي الرديف في المدينة بعد ان عافهم جيش الاحتلال، فبين ليلة وضحاها وجد اولئك المنسيون انفسهم بلا عمل يوفرون من خلاله اجرة العودة الى بلادهم وكان ابي الجندي النفر (كومار) واحدا منهم . ولكن ابي كان من النوع المزاجي المتقلب وكان من الصعب ان يبقى في مهنة واحدة اذ قضى سنتين في محل للتوابل مجاور لسوق الشيخ خزعل وبضعة شهور كحمال في احد خانات شارع ( ابي الاسود ) ليهجر العمل الى المراكب التي كانت تجلب زوار المراقد من الهند حتى تمكن من توفير سعر تذكرة على مركب ( الداريسا ) الى سواحل ( بومبي ) حيث اسرته . وهناك اخبرته امه بأنها لم تتلق من حامل الامانة اية روبية منذ ان تطوع في الجيش فأدرك جازما بأنه قد تعرض للخداع من جهة ممن اودعه مبلغا من المال وعنوان البيت من اجل ان يسعف امه التي كانت تعاني من داء السل. ثم تلقى صدمة اخرى كادت ان تطيح بروحه ارضا فقد علم ان جده لأبيه قد مات بجائحة الكوليرا تبعته جدته التي كانت فارقت الحياة قبل عودته لمسقط رأسه! كما ان زوجة ابيه قد استولت على بيت الاسرة الذي لم تكن مساحته تتجاوز راحة اليد، لتعمد الى اقتطاع نصف المساحة كيما تؤجره لثلاث عائلات في حين جعلت من القسم المتبقي بيتا سريا للدعارة! اضطر ابي للمبيت على ارصفة الطرقات بائعا لمسحوق التبغ الرديء الذي ما كان ليدر عليه اكثر من بضع روبيات كانت بالكاد تقيم له اوده . لقد عثر ابي على نفسه منبوذا في العراء شأنه شأن جلباب معلق على حبل كفاح عبثي .وبعد ان نفض من اهابه غبار المعارك التي خاضها في بلاد الميسوبوتيميا ، وقع في غرام فتاة اسمها ( اجانتا ) كانت تؤدي نمرا استعراضية في سيرك ابيها وكان الاعجاب متبادلا دون ان ينتبه الى ان فتاته تلك ارادته ان ينضم الى ذلك السيرك المتنقل بين الولايات مرة كسائس في حظيرة السيرك وتارة كقاطع تذاكر بناء على ايعاز من عمتها ( راتنا ) .ثم اجبرته الظروف على تقديم عروض كانت تمتاز بالخفة والخداع مثل رأس مقطوع يتكلم او ارتقاء ظهر حصان مسرع واحيانا يقدم مع القرود نمرة فكاهية لم تكن تخلو من المخاطر . لكن العرض الأخطر الذي عهد اليه بتقديمه تمثل في عزف الناي والتمايل في حضرة افعى كوبرا سبق وأن قتلت اكثر من حاو!
 وفي احد الايام استدعته مالكة السيرك طالبة منه تجهيز جواز سفره اذ ان السيرك سيقوم بعدد من الجولات في مدن الخليج حيث ستكون البصرة اخر المدن:
  ــ انت عشت في البصرة لسنوات وستكون ذا فائدة لعروضنا الاكروباتية وسوف ارفع راتبك!
   قبل ان يغادر المركب ميناء بومبي، وافاه احد بحارتها برسالة من حبيبته تعتذر فيها له عن الرغبة في قطع علاقتهما بعد ان اجبرها ابوها بقبول الزواج من احد اثرياء القرية. وفي اللحظة التي اطلق المركب صفارة الرحيل اطلع الرسالة من جيبه مكورا اياها قاذفا بها الى لجج البحر!
  في غضون اسبوعين رسا المركب بكامل حمولته عند الرصيف رقم 9 القريب من نهر العشار. وكانت راتنا ــ تلك الشريرة المتسلطة ــ تشرف على مهام تنزيل خيمة السيرك من قبل العمال الذين انهكتهم اعمال البحر الشاقة ومكابدات نشر وارخاء الاشرعة، لتختتم الرحلة الشاقة بتنزيل معدات السيرك ابتداء بالخيمة الجبارة الحجم، مرورا بصناديق الامتعة وانتهاء بحيوانات السيرك التي شغلت الطابق السفلي من المركب مع ما تطلب اخراجهم الى رصيف المرسى من مقاومة اظهرتها الخيول التي تكون قد الفت اجواء نهر المدينة الكبير فكانت تحمحم دافعة برقابها وهياكلها الى داخل عنبر السفينة. وكانت الطامة الكبرى قد تمثلت بدفع الفيلة الهائلة الابدان الى ارضية الرصيف وهي العملية التي استغرقت ساعات من اجل اتمام التفريغ ومن ثم ادخال تلك الحيوانات الى احواض احدى الشاحنات الى جانب اقفاص الافاعي ذات الجدران المشبكة الـمصنوعة من سيور الفولاذ السميك. وما ان اتم البحارة وعمال السيرك حتى اعتكفوا مسندين هياكلهم المستنزفة الى سياج المرسى بل ان بعضهم خلدوا للرقاد قبل ان توقظهم سياط راتنا اللاسعة كيما يستكملوا اعمالهم المضنية وقد تآكلهم ملح البحر واشعة الشمس ورطوبة الاجواء. وبعد ان نال العمال استراحة امدها ساعتان متناولين وجباتهم المقررة والمؤلفة من الطعام الهندي المتبل بأشد المذاقات حرارة، استأنفوا مهمتهم حتى أقبل الليل حيث المبيت ضمن حدود السيرك على حصر ووسائد الصقت على ارض بقيت ساخنة حتى وقت متأخر من المساء فرقدوا هناك بعد تناول وجباتهم الخفيفة غير المشبعة ولم يصحوا الا مع الفجر.
****
  صار قدوم السيرك الهندي الى البصرة على كل لسان وتقاطرت الجموع الشعبية من ضواحي المدينة لمشاهدة العروض المدهشة ما انساهم رتابة الحياة بعد ان تعرفوا على العاب لم يسبق لهم مشاهدتها من قبل، وقد استمرت تلك العروض لأسبوعين ليمسي السيرك حديث المدينة الطاغي على الرغم مما رافق تلك الفترة من حوادث صغيرة مثل هروب احد الفيلة الى شارع الوطني والذي ادى الى حصول حالة من الهلع لدى المارة، غير ان ابي وجماعة مدربة من العمال الهنود تمكنوا من السيطرة عليه واعادته الى اسطبلات السيرك. وقد قدم ابي اكثر من نمرة عزف امام افعى الكوبرا التي ادهشت الجمهور لشكلها غير المألوف وما كانت تؤديه من التواءات تحت التأثير المخدر لناي ابي . واخيراً حان يوم المغادرة الى ارض الهند على متن المركب نفسه. وكانت امنية ابي الوحيدة هي زيارة صديقه (راج) والذي قرر بعد انفضاض الحرب العالمية الاولى والإهمال الذي مارسه جيش الاحتلال البريطاني ان يتخذ من البصرة وطنا له ومصدرا لكسب لقمة العيش. وكان راج قد اقرض ابي مبلغا من المال انقذه لشهور من الوقوع في وهدة العوز، وصار لزاما على ابي ان يعيد ذلك القرض الى صاحبه كي لا يظن به الظنون لاسيما وان ابي لم يلق تحية الوداع على صاحبه في غمار تلهفه للعودة الى الهند وليته لم يقم بتلك الرحلة التي كشفت له تهور اوضاع اسرته واندثارها اما عن طريق الفقر او الموت!
     بعد ان دخل لاحد الحمامات الشعبية وازاح عن بدنه تراكمات الملح والعرق وبدافع انتعاشه بمياه الحمام الباردة توجه الى السيرك حيث وجد راتنا تزعق في وجوه العمال آمرة اياهم بالاسراع في طي خيمة السيرك وملحقاته كي تكون على متن المركب خلال ساعات. وما ان وقعت عيناها على ابي حتى نظرت اليه شزرا واطلقت زعيقها الممزق لطبلة اذني من يسمعه:
 ــ اين كنت ايها الصعلوك؟ لقد بحثت عنك طويلا .. هل زرت بيتا سريا مثلا؟
 انتفض ابي مجيبا: ــ لم اكن في نزهة .. دخلت حماما شعبيا .. وها انا اسألك تسديد معاشي لحاجتي الماسة اليه.. و.. بترت حديثه: ــ سنتحاسب بعد الوصول الى بومبي.. لا املك جنيهات استرلينية ولا دنانير عراقية.. ماذا انت ناو ان تفعل بمالك؟
 ــ اشتري بعض الهدايا واشياء اخرى ..
ــ دع عنك هذا الهراء !.. اسرع لإتمام عملك عند رصيف المركب ..
اخفض ابي رأسه وقد داهمه احساس بالمرارة والاندحار .. لبث صامتا والتحق بعمال التصعيد ..
  حدثني ابي فيما بعد ان اباه ــ لحظة مغادرة المركب الميناء ــ قرر امرا لم يجد بدا من اتخاذه، اذ ما ان قطع المركب بضعة اميال حتى تسلل الى حاجزه الخلفي قاذفا بنفسه الى مياه الشط عائما باتجاه ضفته الغربية ليعود الى البصرة سيرا على الاقدام ليجد نفسه يقرع باب بيت صاحبه راج والذي لم يتعرف عليه في بادئ الامر، الى ان عرفه بعد طول تفرس. وبعد ان سمع حكايته افرغ له احدى غرف البيت. وبعد بضعة ايام اصطحبه الى محل خياطة لاحد معارفه طالبا منه ان يجد له عملا في المحل. ولم يمض عام حتى وجد ابي نفسه واحدا من خياطي الجاكيتات المهرة. كما ان راج زين له فكرة الاقتران بأرملة شابة فقبلها من دون تردد لتكون المحصلة ان تلك الامرأة اصبحت امي ..!
  قلت مستنتجا من حكاية ابيه:ـ لا بد انك قد افدت من تجارب ابيك .. اليس كذلك .. اين يكمن تأثيره الأكبر؟
 ــ في خلاصاته التي تترشح كالوشم في قلبي ..
ــ مثل ماذا؟
ــ كان ابي حاويا كما تعلم وقد سألته ذات يوم عن ابلغ تعريف للحياة في رأيه، فأجابني بعد طول تأمل .. الحياة باختصار ناي وكوبرا .. الحياة جميلة كأفعى! 

محـمـد سهيل احمد- -كاتب متعدد الاهتمامات، صدرت له اربع مجموعات قصصية ورواية وكتابان مترجمان، فضلا عن لكتابين وثق فيهما فصولا عن مدينته البصرة .. يعد من رواد القصة العراقية.