تموز/يوليو 19
   
                                                                                                     
   في التجربة التشكيلية للدكتور قاسم محسن تتجلى قدرة نادرة على تحويل الكائنات الرمزية إلى مرايا حضارية تنعكس فيها سرديات الشعوب وطقوسها وهواجسها الوجودية. فهو لا يرسم من أجل الزخرفة أو المتعة البصرية بل يستحضر الذاكرة مادةً تشكيلية، ويجعل من اللوحة فضاء يتقاطع فيه التاريخ بالرمز والفكر باللون والروح بالملمس.
عند النظر إلى أعماله يخيّل للمتلقي أنه أمام مخطوطة حضارية لا أمام لوحة تقليدية إذ تفيض التفاصيل بدلالات عميقة تتجاوز حدود الشكل نحو المعنى. حين يرسم الثور لا يقدمه ككائن طبيعي بل كوثيقة بصرية تروي ذاكرة الإنسان الأول وتعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والحيوان والطبيعة.
 جسد الثور في أعماله يغدو صفحةً مغطاة بمقاطع سردية ومنمنمات وكتابات وأشكال معمارية وكأن جلده يحمل تاريخ مدينة أو حضارة بأكملها. الثور هنا وعاء للذاكرة الشعبية وجسد للحكاية الإنسانية.
وحين يظهر الحصان في موكب احتفالي فإنه لا يكون مجرد وسيلة نقل بل حاملا لطقوس السلطة وللذاكرة الجمعية وللرمزية التي تربط الإنسان بالأرض والسماء في آن واحد.
أسلوب الفنان قاسم محسن لا ينتمي إلى مدرسة محددة أو اتجاه تقليدي بل يقوم على توليفة فكرية وجمالية تتكئ على الرمزية العميقة وتستعير من التجريد طاقته التأويلية ومن الواقعية طقوسها الشكلية ومن الفن الشعبي روحه السردية. إن فنه لا يهادن ولا يكتفي بإغراء العين بل يسعى إلى ما وراء الصورة إلى جوهر الكائن والمعنى الخفي في تكرار الرمز وانكسار الخط وتجاور الطبقات اللونية. اللوحة عنده ليست سطحًا مصبوغًا بل كيان حي يتنفس ويبوح بما لا يقال.
وهنا يمكن استحضار مقولة الفنان الإسباني بابلو بيكاسو: «الفن كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة».
تتجلى هذه المقولة بوضوح في تجربة قاسم محسن حيث لا يسعى إلى تمثيل الواقع كما يُرى، بل يعيد تركيبه رمزيًا ليقود المتلقي إلى حقيقة أعمق من المشهد الظاهري. فالكائنات في لوحاته ليست نسخًا من الطبيعة بل استعارات بصرية، والكذبة التشكيلية هنا تصبح أداة لكشف الذاكرة الحضارية والحقيقة الوجودية المختبئة خلف الرمز واللون والحرف. التقنيات التي يوظفها تتجاوز الرسم إلى ما يشبه النحت داخل اللوحة. كثير من أعماله تبدو كأنها منحوتات مسطحة تتداخل فيها الطبقات وتبرز العناصر بتكوين شبه ثلاثي الابعاد. يوظف الأكريليك والحفر والكولاج والتطعيم البصري ليخلق فضاءً متعدد المستويات لا يخضع لقوانين المنظور التقليدي بل لمنطق التأويل البصري والفكري. في إحدى لوحاته يظهر الثور وقد تحول إلى متحف حي جسده مقسم إلى مربعات كل مربع يحوي مشهدًا أو رمزًا أو كتابة وكان الفنان يعيد بناء المتحف داخل الجسد ذاته في إحالة بصرية عميقة إلى فكرة أن الجسد الإنساني أو الحيواني هو سجل للتاريخ ومتحف للذاكرة. الكتابة في أعماله ليست نصًا يُقرا بل عنصرًا تشكيليًا يُرى ويُحس قبل أن يُفهم. الحرف العربي يتحول إلى نسيج بصري وإيقاع جمالي وإلى طقس من طقوس التكوين الفني. فهو يربط بين اللغة والصورة وبين المعنى والشكل وبين الوعي واللون. وفي كثير من أعماله تتداخل الكتابة مع الألوان فيتحول الحرف إلى خيط ضوء ينسج مع البقع اللونية نسيجًا تأويليًا يفتح الباب أمام قراءات متعددة ويمنح اللوحة عمقًا فلسفيًا يجعل منها تجربة فكرية وجمالية في أن واحد. الحرف هنا جسد بصري له وزنه وإيقاعه ونَفسه الخاص. أما الرموز الحيوانية المتكررة في تجربته مثل الثور والحصان والسمكة فهي كائنات حضارية تحمل على أجسادها سرديات الشعوب ومعتقداتها. الثور يظهر ككائن مركّب جسده مغطى بمشاهد من الحياة القديمة من المعابد والأسواق والاحتفالات وكأنه يختزن في جسده قصة الإنسان الأولى.
والسمكة في عمل آخر تسبح في فضاء مائي تغمره الألوان الزرقاء والكتابات العربية المزخرفة فتحضر رمزًا للحياة والخصوبة والبعث في تراث حضارات الرافدين.
لا شيء في لوحاته يأتي مصادفة فكل كائن فيها محمّل بمعناه الميثولوجي والروحي.
 ان ما يميز تجربة د. قاسم محسن هو قدرته على تحويل اللوحة إلى نص حضاري وإلى وثيقة بصرية تستعيد ما ضاع من رموزنا وطقوسنا وسردياتنا. أعماله ليست محاكاة للواقع بل إعادة بناء للذات الثقافية من خلال الفن والرمز والحرف. في زمن تتشظى فيه الهويات وتضيع العلامات البصرية تأتي لوحاته كنداء للعودة إلى الأصل كدعوة للتأمل والتذكر واستعادة الجذور. إن المتأمل في أعماله يشعر بأنه أمام ذاكرة تتشكل بالألوان وأن كل ضربة فرشاة فيها هي محاولة لتثبيت أثر في وجه النسيان. الفن عند قاسم محسن ضرورة وجودية ووسيلة للفهم والمقاومة معًا. فكل لوحة مساحة لمساءلة الذات ولتفكيك التاريخ وإعادة قراءته.
في أعماله يتحول الثور إلى مرآة للمدينة والحصان إلى مرآة للطقس والسمكة إلى مرآة للروح. ذلك الربط بين الفن والحياة بين الرمز والإنسان يمنح تجربته طاقة روحية خاصة تجعلها تتجاوز حدود التشكيل إلى فضاء الفكر والتأمل. هو لا يرسم الأشياء كما هي بل كما ينبغي أن تكون في الذاكرة وفي الحلم وفي الوعي الجمعي. تجربته بهذا المعنى تجربة حضارية بامتياز لأنها تستعيد الرموز القديمة وتمنحها حياة جديدة. فالفنان هنا لا يعيد إنتاج الموروث بل يعيد تأويله بلغة بصرية معاصرة تستند إلى جذور عميقة. أسلوبه يجمع بين الرمزية والتجريد وتقنياته تمزج بين الرسم والنحت ورموزه تستحضر الذاكرة وتعيد بناءها بلغة تشكيلية رفيعة. لذلك يمكن القول إن قاسم محسن لا يرسم الكائن بل يرسم فكرته ولا يلاحق الشكل بل يلاحق المعنى ولا يبحث عن الجمال السطحي بل عن الحقيقة الكامنة في باطن اللون وفي صمت الحرف وفي عيون الرموز التي تتكلم ببلاغة صامتة. في لوحاته يلتقي الجمال بالفكر وتتحول الذاكرة إلى بناء بصري تتجاور فيه الأسطورة مع التاريخ والدين مع الفلسفة والطقس مع الحياة اليومية. إنه فن يستلهم من الحضارات الرافدينية جوهرها ومن التراث العربي روحه ومن الإنسان كينونته الأبدية.
لذلك فإن أعماله لا تقرأ بعين واحدة بل تحتاج إلى تأمل متعدد الطبقات تمامًا كما تُقرأ المخطوطات القديمة التي تجمع بين النص والزخرية وبين المقدس والإنسانى. د. قاسم حسن يكتب لوحاته بلغة الضوء والظل ويوقعها بحبر الذاكرة، وفي كل عمل له حوار بين الحاضر والماضى وبين العين والروح.
 إن تجربته في جوهرها ليست سعيًا نحو الجمال بل فعل وعي حضاري واستعادة لما ضاع من معنى الإنسان في ضجيج الحداثة.
بهذا المعنى يصبح فنه مرآة لحضارة تحاول أن تتذكر ذاتها من خلال الرمز وأن تعيد بناء وجودها من خلال اللون.
إن قراءة أعماله هي قراءة في الوعي البصري للإنسان العربي وفي ذاكرته الحضارية الممتدة من طين الرافدين حتى الحلم المعاصر. لذلك فإن تجربته تمثل علامة فارقة في الفن العراقي والعربي لأنها لا تكتفي بتسجيل المظهر بل تتوغل في العمق حيث يقيم المعنى وتولد الأسئلة وتستمر الرحلة بين الرمز والذاكرة وبين الإنسان وتاريخه الذي لا ينتهي.
اميرة ناجي - فنانة وناقدة تشكيلية من البصرة