قراءة في كتاب حسن الجنابي
"الدبلوماسية العراقية من الريادة الى الهام1921 - 2022"
شهد تاريخ العراق السياسي، منذ تأسيس الحكم الملكي الوطني في عهد الملك فيصل الأول عام 1921، تحولات سياسية عديدة انعكست بدورها على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وتلتها حقب سياسية مختلفة تصارعت فيها الأيديولوجيات والانتماءات حتى اليوم وان عراق اليوم هو ناتج تلك المخاضات والاضطرابات السياسية والاجتماعية. وقد لعبت الدبلوماسية العراقية منذ التأسيس أدواراً رائدة بالغة الأهمية ونجحت في كثير من الحالات في تثبيت بصمة العراق الحديث في كواليس السياسة الدولية، ولكنها فشلت أيضاً في ظروف أخرى وتراجعت الى الهامش في منعطفات ألغت فيها الدكتاتورية دور الدبلوماسية كمكون في السياسة الوطنية والخارجية، وألحقت فيه سفارات العراق في الخارج بأجهزة التجسس والمخابرات.
من خلال هذا السياق، يكشف لنا الدكتور حسن الجنابي في كتابه الموسوم "الدبلوماسية العراقية المعاصرة من الريادة إلى الهامش 2022- 1921 " مساراً تحليلياً ثاقباً يكشف فيه رؤيته لمصائر الدبلوماسية العراقية في حالات صعودها ونكوصها عبر القرن المنصرم، ويؤشر بحيادية مهنية وجدارة أهم محطاتها وشخوصها دون إقحام أو شخصنة أو تعسف.
وقد أشار المستشار د. خليل فضل عثمان في تقديمه للكتاب الى أن الجنابي كان أمينًا وموضوعيًا في تسجيل وتحليل أهم الأحداث هذه الفترة من تاريخ العراق، إذ قال عنه”: إنه لا يغادر الموضوعية، فيترفع عن تصفية الحسابات والتجريح والافتاءات والتجني، ويبتدئ حرصه على الإنصاف في مواضع عديدة من الكتاب، نجده يقدم فيها إيضاحات حول بعض القضايا والملفات والأحداث لتستوي على نصاب الالتزام بالأمانة " وكان رأي عثمان منصفًا ودقيقًا في وصف الباحث وحرصه على بيان الأحداث وتوثيقها ونقدها بموضوعية.
يؤكد ذلك الجنابي نفسه في توطئة الكتاب قائلاً": إنني أجد من المناسب ذكر أن أحد الأصدقاء المعنيين بهذا الكتاب أشاد بالمنحى الموضوعي لما ورد فيه من أحداث وتحليلات، بمعنى تقديم المادة بحيادية عالية نسبيًا، تمثلت في الابتعاد عن الأحقاد والانتماءات والحسابات الشخصية، أو إعلاء شأن من لا يستحق، أو استهداف آخرين وما شابه ذلك، وهذه شهادة مهمة."
يعرّج المؤلف على مرحلة ما بعد 2003 وما تلاها من تحولات سياسية متناقضة ومختلفة، كان الكاتب نفسه شاهدًا على كثير من أحداثها بعد أن أصبح سفيرًا في وزارة الخارجية العراقية ثم في إيطاليا واليابان وتركيا، فضلًا عن توليه منصب وزير الموارد المائية في حكومة حيدر العبادي ضمن وزراء الإصلاح بين عامي 2016–2018. وكان قبل ذلك وأثنائه قد انشغل كثيراً في أعمال إنعاش الأهوار العراقية حتى ادراجها على لائحة التراث العالمي عام 2016.
انتقد الكاتب اعتماد المحاصصة والطائفة والعرق أساسًا في توزيع الوزارات السيادية، ولاسيما وزارة الخارجية بوصفها الواجهة الدولية للعراق. وهنا يشير قائلاً: "إن مصالح البلاد العليا في الاستقلال والسيادة والأمن والهوية الوطنية الجامعة ووحدة التراب الوطني وسلامة الحدود وجوازات السفر والمعاهدات والاتفاقيات الدولية وغيرها، أمست أوراقًا ثانوية لتثبيت قوة الموقف التحاصصي على المغانم المادية والسياسية الداخلية، أي تلك المتمثلة بمديات السيطرة على مقدرات السلطة المنتزعة بالاتفاقات بين اللاعبين الجدد، كل حسب نفوذه الداخلي".

تعاقب على وزارة الخارجية بعد 2003 وزراء من انتماءات طائفية وأثنية مختلفة على وفق نظام محاصصة وصفه الكاتب بأنه "نظام لتقاسم الحصص وليس لقيادة العراق نحو التنمية والرخاء والعلاقات المتميزة والاستقرار السياسي، حتى مع دول الجوار".
أما الفصل الثاني، فقد تناول فيه الكاتب تاريخ تأسيس الدبلوماسية في العراق، منذ عام 1921 عند تأسيس المملكة العراقية بقيادة الملك فيصل الأول، حيث وُقّعت أول معاهدة مع بريطانيا عام 1922، على الرغم من كونها مجحفة بحق العراق، إذ أجازت الانتداب البريطاني بما فيه تسليم ملف السياسة الخارجية لبريطانيا، لكنه يرى أن هذه المعاهدة أسهمت في بقاء مدن أربيل والسليمانية وكركوك والموصل ودهوك جزءًا من العراق، بسبب الموقف البريطاني الذي أحبط محاولات مصطفى كمال أتاتورك لضمها إلى الدولة التركية الناشئة آنذاك.
وتأسست أول نواة لوزارة الخارجية عمليًا عام 1924 وأُسندت إلى رئيس الوزراء، حتى عام 1933 حيث أصبحت وزارة مستقلة بعد دخول العراق عصبة الأمم. وفي عام 1941 استُبدل نظام الوزارة بقانون جديد رقم (9)، واستمر حتى عام 1959 بعد إعلان الجمهورية حيث تم تغيير قانون الوزارة، وتتابعت التغييرات حتى استقرت في قانون رقم 45 لسنة 2008 وهو النافذ حالياً.
وتطرق الكاتب إلى أبرز من تقلد منصب وزير الخارجية في تاريخ العراق الحديث، مثل عبد المحسن السعدون وياسين الهاشمي وتوفيق السويدي وجعفر العسكري وناجي السويدي وطه الهاشمي وصالح جبر وعلي جودة الأيوبي ومحمد فاضل الجمالي وأرشد العمري ومزاحم الباججي. وبلغ عدد السفراء المعينين بين 1925–1958 نحو 67 سفيرًا، اذ كانت معايير التعيين صارمة.
سلط الكاتب الضوء على مرحلة ما بعد إعلان الجمهورية العراقية في 14 تموز 1958، حيث اتجهت الدبلوماسية الجديدة نحو الابتعاد عن محور الغرب والاقتراب من المعسكر الاشتراكي في ميدان السياسة والتسليح والاقتصاد. وتعاقب على منصب وزير الخارجية في العهد الجمهوري عدد من الشخصيات المهمة، مثل عبد الجبار الجومرد وهاشم جواد الذي بقي في منصبه حتى انقلاب 8 شباط 1963.
وبدأت، إثر انقلاب شباط، حقبة حكم حزب البعث في إدارة ملف الدبلوماسية العراقية حتى نيسان 2003، حيث يرى الكاتب أن الخارجية العراقية في عهد البعث كانت ذات توجهات واضحة وبرامج محددة أيديولوجية الطابع، وبعضها مرتبط بأداء الحكومة الداخلي وصراعاتها المبنية على المخابرات والتجسس وخلق الأزمات.
ويشير الكتاب الى الدبلوماسية العراقية قد فشلت في معالجة أحداث وتداعيات الحرب مع إيران (1980–1988)، ثم أزمة احتلال الكويت عام 1990، وما تبعها من حرب مدمرة عام 1991، وما انتجته من انتفاضة شعبية، وحصار اقتصادي خانق استمر ثلاثة عشر عامًا، وصولًا إلى سقوط نظام صدام حسين في 9 نيسان 2003.
كما خصص الكاتب محورًا مهمًا للعلاقات السياسية بين العراق وإيران منذ اتفاقية الجزائر عام 1975 حتى عام 1979، ثم الحرب العراقية ـ الإيرانية، وتراجع صدام حسين للاعتراف بالاتفاقية لاحقًا.
أما الفصل الثالث، فجاء بعنوان "دبلوماسية ما بعد 2003"، حيث شهدت هذه الفترة عدم استقرار سياسي وفوضى عارمة، لاسيما بعد تأسيس مجلس الحكم الانتقالي بوجود الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر، الذي قسّم المجلس على وفق مبدأ المحاصصة الطائفية والقومية. حدث ذلك وسط اضطراب الشارع العراقي واندلاع حرب التفجيرات والاختطافات والقتل على الهوية، وظهور جماعات متشددة مثل القاعدة وغيرها، ما فاقم الاقتتال الطائفي، خصوصًا بعد عام 2005.
كانت الدبلوماسية العراقية تواجه مأزقاً كبيراً، إذ رأت دول عربية وإقليمية أن العراق دولة محتلة بلا سيادة، ولم يسمح وضع الاحتلال بتفعيل الحراك الدبلوماسي لتوضيح صورة العراق الجديد.
يقول د. الجنابي حول هذه الفترة التي شهدت اغتيالات واختطافات: "إن أكثر الاغتيالات درامية كان اغتيال د.عقيلة الهاشمي في أيلول 2003، وكانت عضوًا في مجلس الحكم ودبلوماسية معروفة. كما اغتيل السفير بسام كبه في حزيران 2004، والسفير قصي مهدي في تشرين الأول 2004، وآخرون. وكذلك اغتيل الوزير المفوض مازن عبد الوهاب في بغداد بعد أن كان يشغل منصب القائم بالأعمال في سفارة العراق في روما. وقد بلغ العنف ذروته بالتفجير الدامي الذي استهدف مبنى وزارة الخارجية في 19 آب 2009 وراح ضحيته العشرات من موظفي الوزارة، من بينهم 43 شهيدًا".
وبيّن الباحث وجود ضعف كبير في استخدام وسائل التواصل والتقنيات الحديثة داخل وزارة الخارجية وفي البعثات، ما أدى إلى تأخر وصول المعلومات وتسربها أحيانًا إلى العلن وإلى جهات أخرى. وحدد مواصفات مهمة للدبلوماسي المعاصر، منها التأهيل المهني واللغوي، والقدرة على معالجة الكم الهائل من المعلومات التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة، فضلا عن المهارات التقليدية مثل حل القدرة على التعاطي مع الخلافات والتواصل الفعال.
ويذكر الجنابي خلاصة تجربته كسفير في منظمة الأغذية والزراعة الدولية في وروما وفي طوكيو وأنقرة قائلاً:"لم أستلم تعليمات محددة من مركز الوزارة بشأن أي قضية ساخنة في العالم، ولم يُطلب مني بلورة موقف معين إزاء المنظمات الدولية أو الدول التي كنت أمثل العراق لديها. واعتقد أن السبب هو ضياع هوية الوزارة وانعدام المرتكزات الواضحة للدبلوماسية العراقية، وعدم اكتراث مسؤولي الوزارة، ليس لجهلهم بل بسبب وجودهم العابر في وظائفهم في المركز في بغداد. فالمنصب الأكثر إغراءً هو في البعثات وليس في المركز، حيث بعض الفوضى والضغوطات السياسية والاجتماعية والوساطات، على عكس مغريات العمل في البعثات في الخارج وامتيازاته. ولا شك في أن هذه الطريقة في التعاطي مع المهام يتحملها الأفراد بصورة جزئية، أما الجزء الأكبر فيعود إلى طبيعة نظام حكم الحصص والكتل وأصحاب النفوذ".
أما الفصل الرابع فجاء بعنوان "وزراء خارجية حقبة ما بعد 2003"، وتناول فيه الكاتب السمات الشخصية والمهنية لكل وزير، بدءًا من هوشيار زيباري (2003–2014) الذي وصفه بأنه براغماتي وحاذق ومنسجم مع ثقافته العربية، وله قبول واسع. ثم إبراهيم الجعفري (2014–2018) الذي كانت علاقاته العربية محدودة لكنه حقق نجاحات نسبية. ثم محمد علي الحكيم (2018–2019) الذي وصفه بأنه لبق وهادئ لكنه يفتقر إلى الكاريزما والخبرة الكافية. ثم فؤاد حسين (2019–اليوم) الذي يتمتع بخبرة سياسية طويلة ولغة إنكليزية سليمة، لكنه لم يُظهر حماسًا للقضايا العربية على الرغم من امتلاكه مؤهلات مهمة.
أما الفصل الخامس والأخير فجاء بعنوان "التحديات الجديدة للدبلوماسية في العراق"، وتناول قضيتين أساسيتين: المناخ والمياه المشتركة. ففي مجال المناخ، يشير الباحث إلى أن الحكومات المتعاقبة عجزت عن حماية البيئة والوفاء بالتزاماتها، ومنحت إجازات لمشاريع تتعارض مع سياسات التكيف وأبسط المحددات البيئية، ما يجعل الحديث عن مواجهة التغير المناخي "هراء في أحسن الأحوال".
وفي ملف المياه، وهو المجال الذي يُعد الجنابي أحد أبرز المتخصصين فيه، يؤكد أهمية ترسيخ مفهوم "دبلوماسية المياه" للحفاظ على المصالح المائية العليا للعراق، خصوصًا أن العراق دولة مصب تعتمد على مياه تأتي من تركيا وسوريا وإيران.
يختتم الباحث بالتوصية بضرورة اهتمام وزارة الخارجية بملف الأهوار ومراجعة التزامات العراق تجاه اليونسكو، والتعامل بجدية مع هذا الملف الاستراتيجي.
وقد ضم الكتاب صورًا توثيقية لتجربة الكاتب، فضلا عن 12 ملحقًا مهمًا في ميدان الدبلوماسية والسياسة الخارجية. ووصف السفير موفق مهدي عبود الكتاب قائلاً: “لقد تطوع الجنابي وأجاد في البحث عن بواطن الأحداث والوصول منها إلى أحكام وتفسيرات ذات مغزى تجعل منها درسًا لمن يسعى إلى فهم الماضي القريب وتعلم دروسه".
*صدر الكتاب عن دار قناديل للنشر ببغداد عام 2025، وبلغ عدد صفحاته 478 صفحة من القطع المتوسط.