تُقَدَّمُ روايةُ «طبَّاخ إنغمار برغمان» (منشوراتُ المتوسّط، 2025) للروائيّ السوريّ فجر يعقوب صوثًا روائيًا مرهفًا في التقاطِ اليوميّ، فريبًا من الحوام التي تستقبلُ العالمَ في مادّته الأولى قبل تولّي اللغة إعادة ترتيبه. ينقسمُ النَّصُ إلى «قَسمٍ أَوَّل» يفتحُ باب الحكايةِ على أثرٍ جسدي مُبكِّر، ثمّ يمضي في مسارٍ تتكاثرُ فيه العلاماتُ الصَّغيرة من طاولةٍ ومكبّر صوتٍ ومصعدٍ ورابط وشجرةٍ وقفص طائرٍ إلى بحرٍ يُلقى فيه دليل صامتُ، فتَغدو التفاصيلُ مفاتيحَ للقراءة ويكبرُ هذا المفتاحُ كلّمَا ألحَ المكانُ والذاكرةُ في تثبيت حضورِهما.
تدورُ الحكايةُ حول يحيى الذي يجرْ وراءه أثرًا قديمًا ويتنقِّلُ داخلَ سويدٍ تُحكِمُ تنظيمَ البشر عبرَ الإشاراتِ والأجهزةِ والملفات، فيما يحضرُ إنغمار برغمان بوصفه اسما يلمعُ مثل مرأةٍ تُطِلُ منها أسئلهُ الذَّنب والمؤسَّسة والضَّريبة والمنفى، ثمّ بوصفِه مرآةً لمكانِ محدِّد هو فارو، حيثُ تستقرُ الحياةُ بمحاذاةِ القبر ويغدو القربُ من الغائب جزءًا من يومٍ عادي. هذا كلُه يتكتّف عند نقطةٍ تبدو بسيطة هي المطبخ، إذ يخرجُ الطَّبخُ عند يحيى من حدودِ المهارةِ ليصيرَ طريقةً لفهم النَّاس وإعادةِ توزيعِ الحقيقةِ بينهم.
بوضوحِ وعلى مهلٍ تجيءُ الرِّوايةُ في نهايتِها لتُثبِتَ أمرًا واحدًا هو أنَّ السِّيرةَ تُكتَّبُ من فتاتٍ متناثرٍ ثمَّ تأخذُ فى التماسكِ حين تُحسنُ العينُ النقاط «القَرينةِ» في أصغر الأشياء، وحين تمضي اللّغة إلى تسميةٍ ما ظلَّ مؤجَّلًا، وحين يملكُ الإنسانُ شجاعة الاعترافِ بأنَّ العالمَ ينجو أحيانًا بتواطؤِ يستترُ في الظّلال، ثمَّ ينجو مرَّةً أُخرى بكشفِ هذا التَّواطؤ ووضعه في مواجهةِ الحقيقة.
القرينة تتحوَّل إلى سيرة:
يفتحُ النَّصُّ بابَ الحكايةِ بكلمةٍ تبدو في ظاهرِها محايدةً ثمّ ما تلبثُ أن ترتفعَ إلى عتبةٍ كاملة وهي «إيكيا»، إذ تسبقُ الحدث وتستقرُّ في صدرِ المشهدِ بوصفِها عنوانًا لزمنٍ يُؤْثِرُ الأشياءَ المُركِّبة والمصحوبة بدليلِ استعمال. في هذا السياق تغدو الطاولةُ أكثرَ من قطعةِ أثاث، إذ تظهرُ كجهازٍ يُعلنُ منذُ البداية أنَّ السَّردَ سيهتدي إلى طريقه عبرَ الرُّجوعِ إلى الخلفِ وبناءِ الأسبابِ من آثارِها.
تُقرأُ هذه الحركةُ في ضوءٍ ما اقترحه كارلو غينزبورغ (Carlo Ginzburg) فيما يُعرَفُ بـ«بارادايم الأثر/ القَرينة»، وهي فكرةٌ بسيطةٌ في جوهرِها مفادُها أنَّ التَّفصيلَ الصَّغيرَ قد يعملُ أثرًا يقودُ إلى بنيةٍ أوسع، على نحوٍ يُشبهُ قراءةَ المُؤرّخِ وثيقةً هامشيَّة تفتحُ له أفقَ عصرٍ كامل. هكذا تتقدَّمُ «القَرائنُ» في الرِّوايةِ واحدةً بعدَ أُخرى، ثمَّ تتآزرُ شيئًا فشيئًا حتَّى تتشكِّلَ منها السيرة، بدءًا من الأثرِ الجسديِّ الذي يفتتحُ النَّصَّ، مرورًا بالطاولةِ التي تتحرَّكُ عكسَ الزَّمنِ وعلبةِ السُّعوطِ التي تُخفي دليلًا، وصولًا إلى الجُزُرِ والأمكنةِ التي تُعيدُ تشكيلَ الذَّاكرة.
يستهلُّ القسمُ الأوَّلُ بأقوى «قَرينةٍ» ممكنةٍ: «وُلِدتُ بنصفِ رأسٍ...»، وفي هذا الاستهلالِ يتقدَّمُ الفعلُ صاحبَه كما يتقدَّمُ الأثرُ تفسيرَه، ثمَّ يُضيفُ السَّردُ أنَّ يحيى صارَ بعدَ سنواتٍ قادرًا على روايةِ القصَّةِ على أنَّها فعلٌ مقصودٌ بدلَ إدراكها كمصادفةٍ عاديَّة، فتتحوَّلُ الواقعةُ إلى سؤالِ نيَّةٍ ويغدو الجسدُ وثيقةً تحتفظُ بما جرى، وتدفعُ الحكاية إلى ملاحقتِه. هنا تُعينُ سيميائيّاتُ تشارلز ساندرز بيرس (Charles S. Peirce) من زاوية شديدةِ التحديد هي مفهومُ «العلامةِ المُؤشّرةِ» (Index)، أي العلامة التي تتّصلُ بمرجعِها عبر أثر مباشر.
تدورُ الحكايةُ حول يحيى الذي يجرْ وراءه أثرًا قديمًا ويتنقِّلُ داخلَ سويدٍ تُحكِمُ تنظيمَ البشر عبرَ الإشاراتِ والأجهزةِ والملفات، فيما يحضرُ إنغمار برغمان بوصفه اسما يلمعُ مثل مرأةٍ تُطِلُ منها أسئلهُ الذَّنب والمؤسَّسة والضَّريبة والمنفى، ثمّ بوصفِه مرآةً لمكانِ محدِّد هو فارو، حيثُ تستقرُ الحياةُ بمحاذاةِ القبر ويغدو القربُ من الغائب جزءًا من يومٍ عادي. هذا كلُه يتكتّف عند نقطةٍ تبدو بسيطة هي المطبخ، إذ يخرجُ الطَّبخُ عند يحيى من حدودِ المهارةِ ليصيرَ طريقةً لفهم النَّاس وإعادةِ توزيعِ الحقيقةِ بينهم.
بوضوحِ وعلى مهلٍ تجيءُ الرِّوايةُ في نهايتِها لتُثبِتَ أمرًا واحدًا هو أنَّ السِّيرةَ تُكتَّبُ من فتاتٍ متناثرٍ ثمَّ تأخذُ فى التماسكِ حين تُحسنُ العينُ النقاط «القَرينةِ» في أصغر الأشياء، وحين تمضي اللّغة إلى تسميةٍ ما ظلَّ مؤجَّلًا، وحين يملكُ الإنسانُ شجاعة الاعترافِ بأنَّ العالمَ ينجو أحيانًا بتواطؤِ يستترُ في الظّلال، ثمَّ ينجو مرَّةً أُخرى بكشفِ هذا التَّواطؤ ووضعه في مواجهةِ الحقيقة.
القرينة تتحوَّل إلى سيرة:
يفتحُ النَّصُّ بابَ الحكايةِ بكلمةٍ تبدو في ظاهرِها محايدةً ثمّ ما تلبثُ أن ترتفعَ إلى عتبةٍ كاملة وهي «إيكيا»، إذ تسبقُ الحدث وتستقرُّ في صدرِ المشهدِ بوصفِها عنوانًا لزمنٍ يُؤْثِرُ الأشياءَ المُركِّبة والمصحوبة بدليلِ استعمال. في هذا السياق تغدو الطاولةُ أكثرَ من قطعةِ أثاث، إذ تظهرُ كجهازٍ يُعلنُ منذُ البداية أنَّ السَّردَ سيهتدي إلى طريقه عبرَ الرُّجوعِ إلى الخلفِ وبناءِ الأسبابِ من آثارِها.
تُقرأُ هذه الحركةُ في ضوءٍ ما اقترحه كارلو غينزبورغ (Carlo Ginzburg) فيما يُعرَفُ بـ«بارادايم الأثر/ القَرينة»، وهي فكرةٌ بسيطةٌ في جوهرِها مفادُها أنَّ التَّفصيلَ الصَّغيرَ قد يعملُ أثرًا يقودُ إلى بنيةٍ أوسع، على نحوٍ يُشبهُ قراءةَ المُؤرّخِ وثيقةً هامشيَّة تفتحُ له أفقَ عصرٍ كامل. هكذا تتقدَّمُ «القَرائنُ» في الرِّوايةِ واحدةً بعدَ أُخرى، ثمَّ تتآزرُ شيئًا فشيئًا حتَّى تتشكِّلَ منها السيرة، بدءًا من الأثرِ الجسديِّ الذي يفتتحُ النَّصَّ، مرورًا بالطاولةِ التي تتحرَّكُ عكسَ الزَّمنِ وعلبةِ السُّعوطِ التي تُخفي دليلًا، وصولًا إلى الجُزُرِ والأمكنةِ التي تُعيدُ تشكيلَ الذَّاكرة.
يستهلُّ القسمُ الأوَّلُ بأقوى «قَرينةٍ» ممكنةٍ: «وُلِدتُ بنصفِ رأسٍ...»، وفي هذا الاستهلالِ يتقدَّمُ الفعلُ صاحبَه كما يتقدَّمُ الأثرُ تفسيرَه، ثمَّ يُضيفُ السَّردُ أنَّ يحيى صارَ بعدَ سنواتٍ قادرًا على روايةِ القصَّةِ على أنَّها فعلٌ مقصودٌ بدلَ إدراكها كمصادفةٍ عاديَّة، فتتحوَّلُ الواقعةُ إلى سؤالِ نيَّةٍ ويغدو الجسدُ وثيقةً تحتفظُ بما جرى، وتدفعُ الحكاية إلى ملاحقتِه. هنا تُعينُ سيميائيّاتُ تشارلز ساندرز بيرس (Charles S. Peirce) من زاوية شديدةِ التحديد هي مفهومُ «العلامةِ المُؤشّرةِ» (Index)، أي العلامة التي تتّصلُ بمرجعِها عبر أثر مباشر.

بذلك تغدو عاهةُ الرَّأسِ مُؤشَّرًا يجرُ وراءه واقعًا ثقيلًا ويكفي حضورُه ليدفعَ الحكاية إلى البحثِ عن مصدره.
بعدَ ذلك تتقدَّمُ الرّواية إلى لحظةٍ يكتسبُ فيها الدَّليلُ مادّيَّتَه الكاملة، إذ يعثرُ يحيى على «عشرة أسنانٍ» في علبةٍ سُعوطٍ صفراءَ داخلَ خزانةِ أبيه، وعندَ هذه العتبةِ يتبدَّلُ وزنُ الأشياءِ فجأةً فتغدو الأسنانُ لغةً قائمةً بدّاتِها، وتتحوَّلُ العلبة إلى ملف يحتفظُ بما طُمِسَ ويُهيّنُه للانكشاف. يَرِدُ السُّؤالُ في النَّصّ بحدَّةٍ لافتة: «خُذِ الأسنانَ يا يحيى... ماذا ستفعلُ بها؟»، غيرَ أنَّ السَّردَ يُجيبُ بالفعلِ قبلَ الفكرةِ، إذ يقرّرُ يحيى القاء العلبة في حرِ البلطيق، ويصوغ النّصُّ هذا القرارَ بصوتٍ يقتربُ من الحُلْم: ستسبحُ الأسنانُ، وتستعيدُ نضارتها، ويغسلُ الماءُ أوجاعَ الأمّ، ثمَّ يطلقُ جملتَه المفتاحَ: «إنَّها الهندسةُ العكسيَّةُ لكلِّ شيءٍ يمكنُ أن يحدث في حياةٍ إنسانٍ»، بذلك يتحوَّلُ رميُ الدَّليلِ إلى آليَّةِ كتابةٍ تبدأُ من النتيجةِ لتُعيدَ بناءَ السَّبب، وتجعلُ من البحرِ شريكًا في إعادةِ ترتيبِ الألم.
عندَ هذه النُّقطةِ على وجهِ التَّحديدِ تُعينُ «نظريَّهُ الأشياءِ» عندَ بِل براون (Bill Brown) في صيغتِها الأقرب إلى القراءة، إذ تغدو الأشياءُ «أشياءَ» بمعناها الدّلاليّ حين تتعطَّلُ وظيفتُها البسيطةُ وتشرعُ في فرضِ حضورِها على الوعي، فتتحوَّلُ علبهُ السُّعوطِ إلى وعاءٍ لسرِّ يُرجِّحُ كفَّه المعنى، وتنتقلُ الأسنانُ من بقايا إلى وثيقةٍ، وتغادرُ الطاولةُ موقعَها كقطعةِ أثاثٍ لتغدو بندولًا يعكسُ الزَّمن.
تزدادُ كثافةُ هذه القراءةِ حين يضعُ النَّصُّ مفارقه السُّويدِ في مشهدٍ واحدٍ، إذ يكتبُ يحيى وهو يُمجِّدُ إنغفار كامبراد مؤسَّسَ إيكيا «على فتوحاتهِ في عالمِ الأثاثِ الرَّخيص»، ثمّ يُثيرُ سؤالًا حادًّا عن الكيفيَّةِ التي غَضَّت بها السُّويدُ الطَّرفَ عن كونِها البلادَ نفسَها التي دفعت برغمان إلى الخروجِ منها بتهمةِ التهرُّبِ الضَّريبيِّ وتسيَّت له بانهيارٍ عصبيِّ ولجوء ثقافيِّ امتدَّ سنواتٍ طويلةً. كما يُضيفُ هذا المشهدُ بُعدًا آخرَ إلى منطقِ القَرينةِ لأنَّ المؤسَّسة نفسَها تغدو «شيئًا» ضخمًا يضغطُ على السِّيرة، فيدخلُ القانونُ في التَّكوينِ النَّفسيِّ وتتحوَّلُ الضَّريبةُ إلى اختبارٍ للحقِّ في البقاءِ داخلَ البيتِ الوطني.
يأتِيُ الختامُ ليُثْبَّتَ منطقَ القَرائنِ بوضوحٍ صادمٍ، إذ يُعلِنُ السَّردُ أنَّ حكاية «اللَّحمِ الذي تحوَّلَ إلى فتائلَ شفَّافة» كانت بناءً مُختلَقًا من أساسِه، وأنَّ الحاضرينَ انساقوا إلى الكذبِ وتواطؤوا مع يحيى بدافعٍ مقتِهم لباباجان، إلى حدِّ جعلهم يُصادِقونَ على كلَّ كلمةٍ قيلت في «معجزةِ بيف سترو غانوف». وعندَ هذه النُّقطةِ يكتملُ خطُّ الأشياءِ اكتمالًا دقيقًا لأنَّ الطَّعامَ يغدو أداةَ اتِّفاقٍ بين الجماعة، ثمَّ يُنتِجُ هذا الاتِّفاقُ واقعًا مؤقّتًا يفرضُ نفسَه ما دام الجميعُ يُقِرُّونَ به، قبلَ أن يأتيَ الاعترافُ فيُعيدَ ترتيبَ ذلك الواقعِ ويكشفَ آليَّة صُنعِه، فتُغادِرُ الرِّوايةُ الحقيقة كصورةٍ جامدةٍ تُطابِقُ ما وقع وتدخلُها كصناعةٍ اجتماعيَّةٍ تُمسِكُ بها القَرائنُ وتكشفُها الشَّجاعةُ حين يحينُ وقتُ الكلام.
السرد شبكةُ فاعلين
يتحرَّكُ أسلوبُ الرَّوايةِ على نحوٍ يجعلُ الأجهزةَ والواجهاتِ أطرافًا فاعله في الحكاية، ويظهرُ ذلك منذُ لحظة يفتتحُ فيها النَّصُّ أحدَ مشاهدهِ بيحيى واقفًا على قضبانِ الترام، قبلَ أن يأتيَه عبرَ مُكبِّرِ الصَّوتِ أمرٌ بالابتعادِ عن السَّكَةِ، فيرِدُ هذا الصُّوتُ بوصفِه تدخُلًا يُعيدُ توزيعَ الجسدِ في المكانِ ويضبطُ حركته من خارجه. من خلالِ هذا المشهدِ المبكَّرِ يعرفُ القارئُ أنَّ المدينة تتكلَّمُ عبرَ أجهزتِها، وأنَّ السُلطة تمارسُ حضورها بصوتٍ مُجرَّدٍ من الوجهِ ومشحونٍ بالقدرةِ على التوجيه.
عند برونو لاتور (Actor-Network Theory) تُقرأ هذه البنيهُ عبرَ نظريَّةِ (Bruno) «شبكة الفواعل» وهي فكرة تُقاربُ المشهد من غير تعقيد أكاديميّ، إذ يتقدّمُ الإنسانُ والأداةُ والوثيقة والزّرُ والرات le جميعًا بوصفِها «فواعل» تُسهمُ في تحريكِ الأحداثِ وتوجيهها. وفي الرّوايةِ يقوم مُكبِّرُ الصَّوتِ بدورِه، يعملُ زرُّ المصعدِ، تؤدِّي ذاكرة الفلاش وظيفتَها، يشاركُ مُحرِّكُ البحثِ في صوغِ المسار، ثمَّ تتَّخذُ الشَّخصيَّة قرارَها داخلَ شبكةٍ واسعةٍ من هذه الفواعلِ المحيطة بها وتدفعُها إلى الأمام.
يظهرُ المصعدُ في الرِّوايةِ بوصفِه أداةً سرديَّةً مكتملةً، إذ يَرِدُ في النَّصِّ قولٌ صارمٌ: «الحياةُ زنزانةٌ كبيرةٌ»، ثمَّ يُتابِعُ السَّردُ أنَّ الحياةَ في عمارةِ «أحمرِ شفاه» قد تنقلبُ إلى سجنٍ «بضغطةٍ زرِّ» تنطلق من مصعدٍ المانيّ الصُّنعِ يواصلُ صعودَه ونزولَه على نحوٍ يملأُ المكانَ بإيقاعِ ضاغطٍ، فتسبقُ الحركةُ صاحبَها ويكفي ضغطُ الزِّرِّ كي يتحرَّكَ العالمُ من حولِه. يترسَّخُ أثرُ المصعدِ حين يعودُ يحيى متأخّرًا فيُؤثِرُ الابتعادَ عنه، مدفوعًا بقلقٍ غامضٍ من سقوطٍ أو تعليقٍ تغذَّيه قراءةُ خبرٍ عن احتمالِ سقوطِ المصاعدِ في المدينة، ممًّا يكسِبُ الجهازُ موقعَه في صميعِ الحدثِ ويُسهمُ في صوغِ نبرّةِ السَّردِ نفسِها، نبرةٍ يوميَّةِ مشدودةٍ يغذِّيها توقُّعُ لعطلِ وترقَبُ اختلالِ المألوف.
ثمَّ تأتي الوسائطُ الرَّقميَّةُ لتُكْمِلَ شبكة الفواعلِ عند تلقِّي يحيى اتَّصالًا من متحدِّث سويديٍّ يدعوه إلى «مشروعِ ثُقافِيٍّ مهمِّ»، ثمَّ يُرسلُ إليه «مسجًا» يتضمَّنُ الرَّابطَ كي يطَلعَ على التَّفاصيلِ، وما إن يهمَّ بفتحِه حتّى ينهضَ ليُعِدَّ «قهوةَ الحظَ»، فيدخلُ هذا الطَّقسُ اليوميُّ بدورِه في صميمِ الشَّبكةِ بوصفِ القهوةِ فاعلًا مُهدَّنًّا، والرَّابطِ فاعلًا كاشفًا والهاتفِ واجهة عبورٍ تُمهِّدُ للانتقالِ من التَّوقَّعِ إلى المعرفة. لاحقًا حين يحتاجُ إلى بلوغ ملفاتٍ حاسمةٍ يُشغَلُ الحاسوبَ وينتظرُ «دقيقةً خلالها دهرٌ»، ثمَّ ينقلُ الصُورَ والمعلوماتِ بسرعةٍ إلى ذاكرةٍ فلاش لتخزينِ البياناتِ، فينكشفُ للسَّردِ إيقاعٌ خاصٌّ يتباطأ عندَ الإقلاعِ ويتسارعُ عندَ النَّسخ، ثمَّ يتركُ في النَّفسِ أثرًا خانقًا فيتَّصلُ هذا الإيقاعُ بالأسلوب نفسِه اتصالًا وثيقًا ويغدو جزءًا من نبرتِه وحركتِه.
في هذا الموضعِ تُعينُنا مُقارَبةُ فريدريش كِتلر (Friedrich Kittler) للوسائط، إذ تَمُرُّ المعرفةُ عبرَ وسيط يُسهمُ في تحديدِ شكلِها وإيقاعِها وإمكاناتِها، ممَّا يجعلُ من الوسيط عنصرًا فاعلًا في صوغِ ما يُعرَفُ وكيفيَّةِ ظهورِه. وفي الرِّوايةِ يتشكِّلُ التوتُرُ من خلالِ «التَّحميلِ» و«الإقلاعِ» و«النَّسخِ» و «ذاكرةِ التَّخزينِ» بقدرٍ ما يتشكَّلُ من الحدثِ نفسِه، فتتكوَّنُ الاستجابةُ الانفعاليَّةُ داخلَ مادَّةٍ تقنيَّةٍ قبلَ خروجها في صورةٍ فعلٍ سرديٍّ، عندئذٍ يغدو الأسلوبُ ابنَ الوسيطِ وابنَ الشَّخصيَّةِ معًا.
هنا تُضيءُ أيضًا فكرةُ إسبن آرسيث (Espen Aarseth) حول «الأدب الإرغودي/ الهايبرتكست»، أي ذلك النَّصَّ الذي يُقرأُ عبرَ مساراتٍ وبوَّاباتٍ ويستدعي من قاربه عبورًا متتابعًا بين روابطَ صريحةٍ وأُخرى كامنةٍ، ومع أنَّ الرِّواية تنتمي إلى هيئَةِ الكتابِ الورقيِّ فإنَّ أسلوبَها يشتغلُ بمنطق قريبٍ من هذا البناء، إذ يفتحُ مُكبِّرُ الصَّوتِ مسارًا، والمصعدُ مسارًا، والرَّابطُ مسارًا، والملفُّ مسارًا، وحتَّى الشَّجرةُ في المُنتجع.
تُقدَّمُ بوصفِها «بوَّابهُ» تدفعُ أصحابَ القصصِ إلى التذكُرِ وتوقظُ أشباحَ حكاياتِهم حين تلفُها العتمة. هكذا يقرأ القارئ الرواية عابرًا عتباتٍ متلاحقة، فتتشكِّلُ الحكايةُ أمامَه من انتقالٍ إلى انتقال.
بهذا المعنى يغدو «سردُ الواجهات» سمةً أُسلوبية كبرى، وتُروى الحكايةُ عبرَ شبكةٍ من الأجهزةِ والأمكنةِ والوثائق وتَتَحرَّكُ الشَّخصيَّة في داخلِها على نحوٍ يُذكَّرُ بحركةِ المُستخدِم داخلَ نظامٍ تتعدَّدُ فيه نقاطُ الدُخولِ ومساراتُ العبور. من هنا تستمدُّ الرِّوايةُ توتُّرَها الخاصَّ، لأنَّ هذا التوتُّرَ يتولَّدُ من الانتقالِ بينَ المنافذِ، من القلقِ الملازمِ لاحتمالِ تعطُّلِ أحدِها أو انهياره في أيِّ لحظةٍ، فتختلُ الحركة كلُها ويتبدَّلَ معنى المسار.
اللغة تُنجز أفعالها؟
تضعُ الرَّوايةُ اللُّغة في موضعٍ عمليِّ، إذ يفعلُ الكلامُ قبلَ أن يصفَ وتُنتِجُ العبارةُ أثرَها قبلَ أن تُشرَح، وهنا تُعينُ نظريَّةُ أفعالِ الكلامِ عندَ ج. ل. أوستن (J. L. Austin)، ثمّ تطويرُ جون سيرل (John Searle) لها، لأنَّ بعضَ الجُمَلِ ينجزُ فعلًا بمجرَّدٍ النَّافُظِ به. حين يأمرُ مُكبَّرُ الصَّوتِ يحيى بالابتعادِ عن السِّكَةِ يتحوَّلُ الأمرُ إلى فعلٍ ينقلُ الجسدَ من موضعٍ إلى موضعٍ، ثمَّ حين يُعلِنُ المتَّصِلُ السُّويديُّ أنَّ يحيى «مدعوّ» إلى مشروعِ ثقافيٍّ ويُرسِلُ الرَّابطَ ينفتحُ بابٌ فعليٍّ في حياةِ الشَّخصيَّة، ما يجعل الجمل في هذا العالمِ أزرارًا تُحرِّكُ الواقعَ ولا تكتفي بمرافقتِه.
يظهرُ هذا المعنى على نحوٍ أجلى في مشهدِ الأبِ داخلَ الاستوديو، إذ يوصفُ بامتلاكه خامة صوتيَّةُ قويَّة، ويعرفُ التأتأةَ خارجَه، ثمَّ «تحدثُ المعجزةُ» ما إن يبدأ قراءةَ النّشرةِ الإخباريَّةِ في داخله، وعند هذا الموضعِ يلمعُ فعلٌ لغويٌّ من نوعٍ خاصّ، لأنَّ قراءةَ الأخبارِ تغدو ممارسة سلطةٍ بقدرٍ ما هي نقل المعلومات، فيمنحُ الاستوديو الكلامَ شر عيَّتة ويهبُ الصَّوتَ ثقةً مهنيَّةً تُبدِّلُ مقامَه وأثرَه. هنا يتَّضحُ بُعدُ «الأداءِ» في اللُّغةِ، فحين يقرأُ الأبُ يكتسبُ ما يقولُه هيئة الحقيقةِ العامَّةِ، وحين يخرجُ يعودُ الكلامُ إلى ارتجافِه الأوَّلِ، وبذلك تكتبُ الرِّوايةُ علاقة الإنسانِ بالمؤسَّسةِ عبرَ اللَّسانِ نفسِه وتضعُ السُّؤالَ في موضعِه الدَّقيق: من أينَ يأتي صدقُ الجملة؟ من مضمونِها، أم من لعبتِها الاجتماعيَّةِ أيضًا؟
هنا يدخل لودفيغ فيتغنشتاين (Ludwig Wittgenstein) من باب فكرة «ألعابِ اللُّغةِ»، إذ يكتسبُ الكلامُ معنِّى من طريقةِ استعمالِه داخلَ سياق اجتماعيِّ محدَّدٍ، وعلى هذا الأساسِ تتبدَّلُ قواعدُ اللَّعبِ في الرِّوايةِ من موضعٍ إلى آخر فنكونُ إزاءَ لعبةِ «المدينةِ» التي تتكلَّمُ عبرَ مُكبِّرِ صوتٍ، ولعبةِ «المؤسَّسةِ» التي تتَكلَّمُ عبرَ وثيقةٍ، ولعبةِ «المُنتجع» التي تتكلَّمُ عبرَ شجرةٍ وتلميحاتٍ واتّهاماتٍ، ثمَّ لعبةِ «المائدةِ» التي تتكلَّمُ عبرَ طعمِ واتِّفاق. يتجلَّى هذا كلَّه بوضوحٍ في خاتمةِ «الفتائلِ» حين يُصرِّحُ يحيى بأنَّ الفتائلَ الشفَّافة لم تكن موجودةً أصلًا، وأنَّ الحاضرينَ كذبوا وتواطؤوا ثمَّ «صادقوا» على كلِّ كلمةٍ قالها عن المعجزة، فيغدو اتِّفاقُ الجميع على الرُّؤيةِ كافيًا لقيامٍ واقعٍ مؤقَّتِ داخلَ لعبةِ المائدةِ، وبذلك يكتبُ النَّصُ الصّدقَ بوصفِه قاعدةً تُنتجُها اللُّعبةُ.
يمتدُ هذا إلى فعلِ الاعترافِ نفسِه عندما نجدُ في النِّهايةِ أنَّه جاءَ «للكشفِ عن أسرارِه دفعة واحدة»، فيغدو الاعترافُ فعلَ كلامٍ كاملًا يُبدِّلُ موقعَ المتكلَّم ويُعيدُ ترتيبَ موقعِ الحكايةِ، ثمَّ يُشكِّلُ الحقيقة التي عاشَها القارئُ من جديد. من هنا يجيءُ السُّؤالُ الموجَّهُ إلى الغائبِ: «هل ترى هنا معجزةً ما من مكانِكَ؟» بوصفِه الحركة اللُّغويَّة الأخيرةَ التي تُبقي بابَ التَّأويلِ مفتوحًا، فيغدو الغائبُ شاهدًا في لعبةِ اللُّغةِ الأخيرةِ ويغدو الكاتبُ مسؤولًا عن قصَّتِه.
في جانبٍ أكثرَ حميميَّةً تفتحُ الرّوايةُ سؤالَ العِنايةِ بوصفِها أخلاقًا وتقنية معًا، ويبدأُ مشهدُ الأبِ من فعلِ تنظيفِ الجسدِ بمنشفة مع ذكرِ موظّفةِ الرِّعايةِ الاجتماعيَّةِ التي يسعى يحيى إلى إقناع أبيه بتوِّلي غسلّه لاحقًّا، فتتكثَّفُ هنا مفارقةُ العِنايةِ في صورتِها الأوضح بحفظها الكرامة وإدخالها الجسدَ في نظامٍ من الرّعايةِ والتنظيم. تُعينُ أخلاقيّاتُ العِنايةِ، كما طوَّرتْها كارول غيليغان (Carol Gilligan) ثمّ جوان ترونتو ( Joan على قراءة هذا الجانب لأنَّ العناية تظهرُ هنا عاطفةً وعلاقةً ومسؤوليَّةً، كما تظهرُ ترتيبًا للسلطة بينَ الراعي ومتلقِّي الرِّعاية.
يظهرُ ذلك في مشهدِ الطائرِ «سيغام» داخلَ القفص عندما يقفزُ ويخبطُ جناحَيه بالقضبانِ فزعًا، فيمدُ يحيى إليه ورقة خس من بينِ الأسلاك، فيأكلُ الطائرُ وتهدأُ «نطَّاتُه»، وفي هذا التصرُّفِ ينجزُ فعلَ عِنايةٍ واضحًا يمنحُ الكائنَ الصغيرَ قسطًا من الطُّمأنينة، غيرَ أنَّ هذه الطُّمانينة تعودُ فتستقرُّ داخلَ الحدودِ نفسها التي يُمثَّلْها القفصُ وتتحرَّكُ في إطارِها. من هنا يلمعُ سؤالُ الرِّوايةِ بصوتٍ خافتٍ عن طبيعةِ الرَّافةِ حين تقترنُ بحدودٍ ثابتةٍ، وعن الكيفيَّةِ التي تجمعُ بها العِنايةُ بينَ التهدئةِ وتثبيتِ الوضع في آنٍ واحدٍ، فيغدو القفصُ ساحةً أخلاقيَّةٌ مكتملة الدَّلالةِ ويصيرُ الطَّعامُ لغةً ثالثةٌ تُهدِّئُ الخوفَ وتُعيدُ ترتيبَه في صورةٍ يمكنُ احتمالُها.
تضعُ الرَّوايةُ اللُّغة في موضعٍ عمليِّ، إذ يفعلُ الكلامُ قبلَ أن يصفَ وتُنتِجُ العبارةُ أثرَها قبلَ أن تُشرَح، وهنا تُعينُ نظريَّةُ أفعالِ الكلامِ عندَ ج. ل. أوستن (J. L. Austin)، ثمّ تطويرُ جون سيرل (John Searle) لها، لأنَّ بعضَ الجُمَلِ ينجزُ فعلًا بمجرَّدٍ النَّافُظِ به. حين يأمرُ مُكبَّرُ الصَّوتِ يحيى بالابتعادِ عن السِّكَةِ يتحوَّلُ الأمرُ إلى فعلٍ ينقلُ الجسدَ من موضعٍ إلى موضعٍ، ثمَّ حين يُعلِنُ المتَّصِلُ السُّويديُّ أنَّ يحيى «مدعوّ» إلى مشروعِ ثقافيٍّ ويُرسِلُ الرَّابطَ ينفتحُ بابٌ فعليٍّ في حياةِ الشَّخصيَّة، ما يجعل الجمل في هذا العالمِ أزرارًا تُحرِّكُ الواقعَ ولا تكتفي بمرافقتِه.
يظهرُ هذا المعنى على نحوٍ أجلى في مشهدِ الأبِ داخلَ الاستوديو، إذ يوصفُ بامتلاكه خامة صوتيَّةُ قويَّة، ويعرفُ التأتأةَ خارجَه، ثمَّ «تحدثُ المعجزةُ» ما إن يبدأ قراءةَ النّشرةِ الإخباريَّةِ في داخله، وعند هذا الموضعِ يلمعُ فعلٌ لغويٌّ من نوعٍ خاصّ، لأنَّ قراءةَ الأخبارِ تغدو ممارسة سلطةٍ بقدرٍ ما هي نقل المعلومات، فيمنحُ الاستوديو الكلامَ شر عيَّتة ويهبُ الصَّوتَ ثقةً مهنيَّةً تُبدِّلُ مقامَه وأثرَه. هنا يتَّضحُ بُعدُ «الأداءِ» في اللُّغةِ، فحين يقرأُ الأبُ يكتسبُ ما يقولُه هيئة الحقيقةِ العامَّةِ، وحين يخرجُ يعودُ الكلامُ إلى ارتجافِه الأوَّلِ، وبذلك تكتبُ الرِّوايةُ علاقة الإنسانِ بالمؤسَّسةِ عبرَ اللَّسانِ نفسِه وتضعُ السُّؤالَ في موضعِه الدَّقيق: من أينَ يأتي صدقُ الجملة؟ من مضمونِها، أم من لعبتِها الاجتماعيَّةِ أيضًا؟
هنا يدخل لودفيغ فيتغنشتاين (Ludwig Wittgenstein) من باب فكرة «ألعابِ اللُّغةِ»، إذ يكتسبُ الكلامُ معنِّى من طريقةِ استعمالِه داخلَ سياق اجتماعيِّ محدَّدٍ، وعلى هذا الأساسِ تتبدَّلُ قواعدُ اللَّعبِ في الرِّوايةِ من موضعٍ إلى آخر فنكونُ إزاءَ لعبةِ «المدينةِ» التي تتكلَّمُ عبرَ مُكبِّرِ صوتٍ، ولعبةِ «المؤسَّسةِ» التي تتَكلَّمُ عبرَ وثيقةٍ، ولعبةِ «المُنتجع» التي تتكلَّمُ عبرَ شجرةٍ وتلميحاتٍ واتّهاماتٍ، ثمَّ لعبةِ «المائدةِ» التي تتكلَّمُ عبرَ طعمِ واتِّفاق. يتجلَّى هذا كلَّه بوضوحٍ في خاتمةِ «الفتائلِ» حين يُصرِّحُ يحيى بأنَّ الفتائلَ الشفَّافة لم تكن موجودةً أصلًا، وأنَّ الحاضرينَ كذبوا وتواطؤوا ثمَّ «صادقوا» على كلِّ كلمةٍ قالها عن المعجزة، فيغدو اتِّفاقُ الجميع على الرُّؤيةِ كافيًا لقيامٍ واقعٍ مؤقَّتِ داخلَ لعبةِ المائدةِ، وبذلك يكتبُ النَّصُ الصّدقَ بوصفِه قاعدةً تُنتجُها اللُّعبةُ.
يمتدُ هذا إلى فعلِ الاعترافِ نفسِه عندما نجدُ في النِّهايةِ أنَّه جاءَ «للكشفِ عن أسرارِه دفعة واحدة»، فيغدو الاعترافُ فعلَ كلامٍ كاملًا يُبدِّلُ موقعَ المتكلَّم ويُعيدُ ترتيبَ موقعِ الحكايةِ، ثمَّ يُشكِّلُ الحقيقة التي عاشَها القارئُ من جديد. من هنا يجيءُ السُّؤالُ الموجَّهُ إلى الغائبِ: «هل ترى هنا معجزةً ما من مكانِكَ؟» بوصفِه الحركة اللُّغويَّة الأخيرةَ التي تُبقي بابَ التَّأويلِ مفتوحًا، فيغدو الغائبُ شاهدًا في لعبةِ اللُّغةِ الأخيرةِ ويغدو الكاتبُ مسؤولًا عن قصَّتِه.
في جانبٍ أكثرَ حميميَّةً تفتحُ الرّوايةُ سؤالَ العِنايةِ بوصفِها أخلاقًا وتقنية معًا، ويبدأُ مشهدُ الأبِ من فعلِ تنظيفِ الجسدِ بمنشفة مع ذكرِ موظّفةِ الرِّعايةِ الاجتماعيَّةِ التي يسعى يحيى إلى إقناع أبيه بتوِّلي غسلّه لاحقًّا، فتتكثَّفُ هنا مفارقةُ العِنايةِ في صورتِها الأوضح بحفظها الكرامة وإدخالها الجسدَ في نظامٍ من الرّعايةِ والتنظيم. تُعينُ أخلاقيّاتُ العِنايةِ، كما طوَّرتْها كارول غيليغان (Carol Gilligan) ثمّ جوان ترونتو ( Joan على قراءة هذا الجانب لأنَّ العناية تظهرُ هنا عاطفةً وعلاقةً ومسؤوليَّةً، كما تظهرُ ترتيبًا للسلطة بينَ الراعي ومتلقِّي الرِّعاية.
يظهرُ ذلك في مشهدِ الطائرِ «سيغام» داخلَ القفص عندما يقفزُ ويخبطُ جناحَيه بالقضبانِ فزعًا، فيمدُ يحيى إليه ورقة خس من بينِ الأسلاك، فيأكلُ الطائرُ وتهدأُ «نطَّاتُه»، وفي هذا التصرُّفِ ينجزُ فعلَ عِنايةٍ واضحًا يمنحُ الكائنَ الصغيرَ قسطًا من الطُّمأنينة، غيرَ أنَّ هذه الطُّمانينة تعودُ فتستقرُّ داخلَ الحدودِ نفسها التي يُمثَّلْها القفصُ وتتحرَّكُ في إطارِها. من هنا يلمعُ سؤالُ الرِّوايةِ بصوتٍ خافتٍ عن طبيعةِ الرَّافةِ حين تقترنُ بحدودٍ ثابتةٍ، وعن الكيفيَّةِ التي تجمعُ بها العِنايةُ بينَ التهدئةِ وتثبيتِ الوضع في آنٍ واحدٍ، فيغدو القفصُ ساحةً أخلاقيَّةٌ مكتملة الدَّلالةِ ويصيرُ الطَّعامُ لغةً ثالثةٌ تُهدِّئُ الخوفَ وتُعيدُ ترتيبَه في صورةٍ يمكنُ احتمالُها.
في ما تقولُه الأشياءُ حينَ تُصغي إليها الرّواية:
تتقدَّمُ الحياةُ في هذه الرِّوايةِ كمادَّةٍ هشَّةٍ تلتصقُ بالأجسادِ والأشياءِ والأصواتِ وتتركُ أثرَها في طاولةٍ وعلبة ومصعدٍ ورابطٍ وطعمٍ عابرٍ، حتّى يغدو الإنسانُ فيها ابنَ ما يلمسُه ويخافُه ويُخفيه أكثرَ من كونِه صاحبَ حكايةٍ جاهزةٍ عن نفسِه، وفي هذا المناخ يظهرُ برغمانُ ظلا مُجاورا للنصِّ أكثرَ من كونه اسمًا مُعلِّقًا فوقَه، تُقاسُ به مسافةُ الفنِّ من المؤسَّسةِ، مسافةُ الغيابِ من اليوميِّ ومسافةُ الحقيقةِ من الكلامِ الذي يتأخَّرُ طويلًا قبلَ خروجه بصورتِه المُرَّة. لهذا تُصيبُ الرِّوايةُ موضعَها الأعمقَ حين تجعلُ من الطَّبخِ والاعترافِ والعِنايةِ أفعالًا تُعيدُ ترتيبَ العالمِ، فتغدو «المعجزةُ» اسمًا مُضلَّلًا لخبرةٍ أشدَّ إنسانيَّة، خبرةِ الكائنِ الذي ينجو قليلًا بما صنعُه من أوهامٍ ضروريَّةٍ ثمَّ يزدادُ صفاءً حين يملكُ شجاعة النَّظرِ إليها من جديد.
من هنا تتركُ «طبَّاخ إنغمار برغمان» خلفَها سؤالًا أوسعَ من مصيرِ شخصيَّاتِها، لأنَّها تُلمِّحُ بهدوءٍ وذكاءٍ إلى أنَّ الرِّواية المعاصرةَ تُفتَّشُ عن معناها في الطُّرُقِ التي تُعيدُ بها المؤسَّساتُ والوسائطُ الرَّقميَّةُ وأشكالُ العنايةِ والعيشُ المنفيُّ تشكيلَ الإحساسِ بالنَّفسِ والزَّمنِ والذَّاكرةِ، كأنَّ أكثرَ المناطقِ تواضعًا في الحياةِ أقدرُها على كشفِ صورتِها العميقة. لعلَّ هذا ما يمنحُ النَّصَّ بقاءَه بعدَ الفراغ منه، فهو يفتحُ بهدوءٍ بابًا على كتابةٍ ترى في الأثرِ الصَّغيرِ أرشيفًا، وفي الواجهةِ شكلا جديدًا للقَدَرِ، وفي العِنايةِ سؤالًا أخلاقيًّا وسياسيًّا معًا، وهي جهةٌ يمكنُ أن تمتدَّ منها القراءةُ إلى أفقٍ أرحبَ في السَّردِ العربيِّ حين يقتربُ أكثرَ من مادَّةِ العالمِ ويُصغي إلى ما تقولُه الأشياءُ قبلَ أن يكتملَ قولُ البشر.
تتقدَّمُ الحياةُ في هذه الرِّوايةِ كمادَّةٍ هشَّةٍ تلتصقُ بالأجسادِ والأشياءِ والأصواتِ وتتركُ أثرَها في طاولةٍ وعلبة ومصعدٍ ورابطٍ وطعمٍ عابرٍ، حتّى يغدو الإنسانُ فيها ابنَ ما يلمسُه ويخافُه ويُخفيه أكثرَ من كونِه صاحبَ حكايةٍ جاهزةٍ عن نفسِه، وفي هذا المناخ يظهرُ برغمانُ ظلا مُجاورا للنصِّ أكثرَ من كونه اسمًا مُعلِّقًا فوقَه، تُقاسُ به مسافةُ الفنِّ من المؤسَّسةِ، مسافةُ الغيابِ من اليوميِّ ومسافةُ الحقيقةِ من الكلامِ الذي يتأخَّرُ طويلًا قبلَ خروجه بصورتِه المُرَّة. لهذا تُصيبُ الرِّوايةُ موضعَها الأعمقَ حين تجعلُ من الطَّبخِ والاعترافِ والعِنايةِ أفعالًا تُعيدُ ترتيبَ العالمِ، فتغدو «المعجزةُ» اسمًا مُضلَّلًا لخبرةٍ أشدَّ إنسانيَّة، خبرةِ الكائنِ الذي ينجو قليلًا بما صنعُه من أوهامٍ ضروريَّةٍ ثمَّ يزدادُ صفاءً حين يملكُ شجاعة النَّظرِ إليها من جديد.
من هنا تتركُ «طبَّاخ إنغمار برغمان» خلفَها سؤالًا أوسعَ من مصيرِ شخصيَّاتِها، لأنَّها تُلمِّحُ بهدوءٍ وذكاءٍ إلى أنَّ الرِّواية المعاصرةَ تُفتَّشُ عن معناها في الطُّرُقِ التي تُعيدُ بها المؤسَّساتُ والوسائطُ الرَّقميَّةُ وأشكالُ العنايةِ والعيشُ المنفيُّ تشكيلَ الإحساسِ بالنَّفسِ والزَّمنِ والذَّاكرةِ، كأنَّ أكثرَ المناطقِ تواضعًا في الحياةِ أقدرُها على كشفِ صورتِها العميقة. لعلَّ هذا ما يمنحُ النَّصَّ بقاءَه بعدَ الفراغ منه، فهو يفتحُ بهدوءٍ بابًا على كتابةٍ ترى في الأثرِ الصَّغيرِ أرشيفًا، وفي الواجهةِ شكلا جديدًا للقَدَرِ، وفي العِنايةِ سؤالًا أخلاقيًّا وسياسيًّا معًا، وهي جهةٌ يمكنُ أن تمتدَّ منها القراءةُ إلى أفقٍ أرحبَ في السَّردِ العربيِّ حين يقتربُ أكثرَ من مادَّةِ العالمِ ويُصغي إلى ما تقولُه الأشياءُ قبلَ أن يكتملَ قولُ البشر.