
فاجعة بلاد وشاعر مشلول...
تحيل رواية شاكر الأنباري "ينام وذهنه مشغول" (دار نينوي - دمشق 2025) إلى فاجعتين: فاجعة بلاد على مدى ستة عقود ونيف، وفاجعة شاعر حالم مهزوم على مدى زمن مفجوعية البلاد نفسها.
وقبل أن تتناول هذه القراءة لمتن الرواية العام سردا وشخصيات وأمكنة؛ ألفت نظر المتلقي الى ثلاث عتبات نصية لسانية خارجية تمهد للمتن الداخلي العام وتضيء كل وحداته ومقاطعه السردية الداخلية وهي: عتبة العنوان المركزية التي تصدرت متن الغلاف، وعتبة الأهداء، وعتبة الغلاف الأخير بمحتواها النصي. وإذا أعددنا عتبة العنوان الممر المركزي الذي ينفذ منه المتلقي إلى متن النص، فهي إلى جانب ذلك علامة دلالية مهمة لمتن النص العام، وقد شكّل الأنباري عتبة عنوان روايته من مقطعين كلاهما يكشف عن دلالة الآخر بأداة رابطة بينهما (الواو)، فالمقطع الأول بدلالة فعلية ذات حدث وزمن مستمر يمثله الفعل (ينام). أما الثاني فهو تركيب نصيّ إسمي يمثله الذهن وحالة انشغاله: (ينام وذهنه مشغول)، إنّ مجاز المقطع الفعلي يدل على السكوت والسكون واللاحركة (النوم) وهنا الدلالة تحيل إلى الشلل العام الكلي، فيما يدل مجاز المقطع الأسمي – ذهنه مشغول - على الفطنة والتأمل والتذكر بمعنى إشتغال ذاكرة متقدة، وبهذا تكون العتبة بدلالتها الكلية تشير إلى حالة الشخصية المحورية والرئيسية في الرواية الشاعر(رسول)، أما عتبة الإهداء التي سبقت صفحة المفتتح السردي للرواية فكان خطابها النصي اللساني: إلى روح أخي علي، مسبوقًا ببيت الشاعر المتنبي:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيًا وحسب المنايا أن يكن أمانيا
وأيضًا كلا الخطابين يشيران إلى الشاعر (رسول) شخصية الرواية المركزية ومحورها الرئيس. أما عتبة الغلاف الأخير فقد أفضى خطابها النصي اللساني الى شخصية الرواية المحورية أيضًا، وهي تعيش خراب البلاد و"تفليشها" بدرجة أكثر وضوحًا وكثافة من العتبتين الأولى والثانية: "ينام وذهنه مشغول" تروي محكيات الأيام الأخيرة لاحتضار (رسول) الشاعر بعد أن أصيب بجلطة دماغية كانت بمثابة القشة القاصمة بينه وبين الحياة التي عاش والأحلام التي تكللت رأسه على مدى ستين عامًا ، ولم يعد يتواصل مع محيطه سوى بعينيه، وذاكرته المتوهجة التي تسترجع أحداث حياته منذ الولادة وحتى لحظة مغادرته الحياة. سيواجه موته وحيدًا مثلما جاء الحياة وحيدًا حين ولدته أمه في غرفة طينينة عارية الجدران. والرواية في الوقت ذاته، استرجاع انتقائي لتأريخ بلد، في الستين سنة الأخيرة، كون ذلك التأريخ المضطرب، الدموي، هو ما ساهم في أزمته الروحية كشاعر يحلم كثيرًا".
إن العتبات النصية الخارجية المشار إليها كلها تفضي إلى متن الرواية العام وكل محمولاته التي توزعتها الوحدات والمقاطع السردية، لم تكن سوى لعتبة متن الغلاف وقد خلت من أي خطاب بصري يفضي في الاتجاه ذاته.
وإذا كانت عين الراوي المبدعة تحديدًا وحصرًا هي أكثر صدقًا في الرؤية والالتقاط والاستذكار والسرد والحكي عن أية مرحلة تأريخية تعيشها البلاد، من عين أي مؤرخ يؤرخ على وفق عقيدته الدينية أو السياسية أو القومية العنصرية، فإن عين شاكر الأنباري وذاكرته السردية من منفاهما القصي نسجتا في (ينام وذهنه مشغول) تأريخًا دمويًا، وأحداثًا كارثية، ومحنًا فظيعة، وحروبًا مدمرة، وصراعات سياسية وحشية على سنام ومقاليد السلطة وكل اشكال مغانمها على مدى أكثر من ستين عامًا مشت على هذي البلاد التي داست على رأسها أنظمة دكتاتورية قمعية متجبرة لا ترحم، وخلال كل هذه الأهوال يأتي الأنباري على سيرة الشاعر الحالم المهزوم (رسول) وتصادم شاعريته الحالمة منذ بواكيرها الأُول مع بشاعات تلك الأنظمة وفظائعها اللاإنسانية، ثم لتتصادم تصادمها القاتل المميت مع رؤيته لدمار البلاد من قبل غزاتها الثلاثة: الوحش الإمبريالي الأميركي، وحشا القاعدة، وداعش، الإسلاميين الإرهابيين.

من مفتتحها السردي الأول تتعقب "ينام وذهنه مشغول" سيرة الشاعر الحالم "رسول"، وسيرة بلاد عصفت بها الأحداث والصراعات والمحن والحروب على مدى أكثر من ستين عامًا.
شاعر تتبدد كل أحلامه وسط فوضى وخراب البلاد فيتوقف وعيه وتفكيره، وتنشل قواه، سوى عينيه الرائية، وذاكرته النابشة فيما لن يكون ثانية، شاعر من دون كل ذلك يعيش فاجعته واحتضاره وعزلته الوجودية ووحدته الروحية، يتربصه من نافذة غرفة مشفاه شبح الموت وشيطانه "بدأ احتضاره الطويل منذ أن تراءى له ذلك الوجه الممتقع، منقبض التعابير، وهو يلتصق بزجاج النافذة. وجه مرعب ملأ الجانب الخارجي للنافذة، وتجلى بهيئة ثابتة، منفّرة، لا تتحرك فيها أية سمات، كما لو كان يرغب أن يوحي له برسالة ما، وكان الوقت عصرًا، وكانت له عينان، وهناك أنف طويل مشوه، وسمة غير بشرية في ذلك الوجه. بدا كما لو أنه هابط من جحيم غامض يختبئ خلف العالم المحسوس للبشر. جناحاه شفيفان ينفرشان في الأفق، ولا يمكن إلا أن يكون بذات نفسه-ص 7-". إن شخصية الشاعر "رسول" الرئيسة في الرواية إلى جانب الشخصيات المحيطة، زوجته "براء" وابنهما "بشير"، وأخوه "فؤاد" وصديقه "هاتف" و"صالح النجرس" صاحب المنتجع ووجيه قرية والطبيب "واثق"، كل هذه الشخصيات تظهر كنتيجة لما آلت إليه البلاد :"قبل هذا التأريخ تفشت تنظيمات القاعدة في المنطقة مثل وباء الجدري، في غفلة من الجميع هيمنت على القرى والأرياف، وأتباعها ينشرون تعاليم دينية لم يألفها البشر منذ قرون، تزامنت مع احتلال الأمريكان للبلد. ولم تمر سوى سنوات على إزاحتها من المشهد حتى وفدت موجة ثانية من الأفكار الشاذة فيما عرف بتنظيم داعش، كان أشد فتكًا ووحشية من القاعدة" ص12 .
ويمكننا هنا أيضًا أن نعد الوحدة السردية الأولى كعتبة نصية داخلية مبتداً أساسيًّا حكاية ومحكيّات متن النص العام: "ولد رسول في ليل تلك القرية الساحرة قبل عقود لا تعد، ولدته أمه، ويا ليتها لم تلده كما دأب على القول في كل حدث جلل عاشه في حياته. تجربة عشرات السنين أقنعته بأن الحياة ليست سوى ظل يمشي على المسرح، كما كتب جده شكسبير" ص21.
لكن "ينام وذهنه مشغول" لم تنشغل سرديتها على مدى 279 صفحة من القطع المتوسط بسيرة الشخصية الرئيسة وهو الشاعر الحالم (رسول) ومأساة هزيمته الحياتية والوجودية بعد ولادته بقرية تقع على كتف نهر الفرات في الأنبار كمكان رئيس ومركزي في الرواية، إلى جانب الرمادي وبغداد في أثناء مرحلة الدراسة الجامعية بآداب بغداد، وبقية الأمكنة الاخرى (المحيطة) وليس الثانوية كما في محلة الكرنتينة كمكان فاعل ومؤثر في حياة (رسول) الشاعر، بل هناك أمكنة محيطة وقريبة على مستوى المكان في النص تؤطر الشخصيات والأحداث في مقابل أمكنة محيطة بعيدة ليس لها أية وظيفة تأطيرية، كما ليس ثمة شخصيات ثانوية (هامشية) بل هناك شخصيات محيطة قريبة ومؤثرة فاعلة، وأخرى بعيدة غير مؤثرة، كما شخصية (براء) الزوجة، وشخصية (بشير) الابن، وشخصية (فؤاد) الأخ، وشخصية (هاتف) الصديق، إلى جانب الشخصيات المحيطة الأخرى.
قلت لم تنشغل الرواية بسيرة (رسول) الشاعر وحسب، بل انشغلت الرواية ذات الإحدى عشرة وحدة سردية بفجائعيات شاعر وبلاد حد التماهي واليأس والاستسلام: استسلام الشاعر للموت والعدم، واستسلام البلاد للغزو والاحتلال والخراب والدمار، والجهل والتخلف والعصبيات الطائفية والحروب، وظلاميات الغيبيات وتخريفاتها.