أيلول/سبتمبر 07
   

   ليس كلُّ كتابٍ سيرةً ذاتية بالمعنى التقليدي، فبعض السير لا تكتفي بأن تحكي حياة فرد، بل تنفتح على سيرة جيل، وعلى تحولات مجتمع، وعلى خرائط تاريخية تتقاطع فيها السياسة بالتربية، والبيت بالمدرسة، والمنفى بالعودة، والفكرة بالفعل. ومن هذا القبيل يأتي كتاب الدكتورة نوال حشيشو كمال "محطات في زمنين: سيرة ذاتية" الذي صدر عن دار الناشر في رام الله - فلسطين عام 2020، الذي لا يقدّم حياة شخصية فحسب، بل يقدّم وثيقة إنسانية ممتدة من ذاكرة الأسرة إلى ذاكرة الوطن، ومن تفاصيل الطفولة في إربد إلى اتساع التجربة في بغداد ولندن وعمان ونابلس.
تبدأ السيرة من الجذور، من العائلة التي لم تكن مجرد إطار اجتماعي، بل كانت امتدادًا لتاريخ ثقافي وسياسي متداخل. فالأب القادم من صيدا، والجدّ الذي اشتبك مبكرًا مع أسئلة العدالة والقضاء والصحافة في زمن الحكم العثماني، لم يكونوا مجرد أسماء في شجرة نسب، بل كانوا علامات على وعي مبكر تشكّل في فضاء عربي واسع، امتد من لبنان إلى الأردن، ومن القضاء إلى الصحافة، ومن الفكرة إلى الفعل. وفي هذا السياق تبدو العائلة أقرب إلى "ذاكرة مؤسسة" تنقل القيم كما تنقل الأسماء، وتصوغ الوعي كما تصوغ الانتماء.
ومن هذه الخلفية تنفتح الطفولة على مدينة إربد في أربعينيات القرن الماضي، حيث كان التعليم محدودًا، والمدارس قليلة، والفرص التعليمية محكومة بإيقاع زمنٍ ما زال في بدايات تشكله الحديث. غير أن هذا الواقع لم يمنع تشكل وعي مبكر لدى الطفلة التي ستصبح لاحقًا معلمة وناشطة تربوية وسياسية. فالمسافة بين البيت والمدرسة، وبين إربد وصيدا، لم تكن مجرد مسافة جغرافية، بل كانت مساحة لاكتشاف العالم على اتساعه، وعلى تناقضاته أيضًا.
وتبدو تجربة الدراسة في المدرسة الأمريكية في صيدا محطة مفصلية، ليس فقط من حيث التحصيل العلمي، بل من حيث تكوّن الوعي الثقافي والاجتماعي. هناك، حيث تتداخل اللغات والأنظمة التعليمية، تتشكل شخصية تتعلم أن العالم أكبر من حدود المدينة، وأن المعرفة ليست تلقينًا بل انفتاح على الآخر. وفي هذا الفضاء، تتجاور التجربة التعليمية مع تحولات فكرية وسياسية عميقة، كان لها أثرها في تكوين الوعي العام لدى أفراد العائلة، حيث تسربت الأفكار القومية واليسارية إلى النقاشات اليومية، وتحوّل البيت إلى مساحة حوار فكري وسياسي مفتوح.

لكن السيرة لا تسير في خط صاعد متصل، بل تتخللها لحظات انكسار إنساني عميق، كما في وفاة الشقيقة فاطمة، التي تشكل رحيلها نقطة وجع مركزية في الذاكرة العائلية. فالموت هنا لا يظهر بوصفه حدثًا عابرًا، بل بوصفه لحظة إعادة تشكيل للعائلة، ولإدراك هشاشة الحياة أمام المرض والغياب، خاصة في زمن كانت فيه الرعاية الطبية محدودة والإمكانات العلاجية ضئيلة، ما يجعل الفقد أكثر قسوة وعمقًا.
ومع الانتقال إلى الجامعة في بغداد، تتسع الدائرة من العائلة إلى السياسة، ومن التعليم إلى الفعل العام. هناك، في قلب التحولات الفكرية التي عرفها العراق، تنخرط الدكتورة نوال في فضاء سياسي متحرك، تتجاور فيه التيارات القومية واليسارية، وتتشكل فيه أسئلة الهوية والتحرر والوحدة العربية. غير أن هذا الانخراط لا يأتي في شكل تنظيمي جامد، بل في صورة وعي نقدي متفاعل مع الأحداث، يتأثر بها ويؤثر فيها في الوقت نفسه، وصولًا إلى لحظة الاعتقال المرتبطة بالمشاركة في التظاهرات، بما يكشف عن طبيعة المرحلة التي كانت فيها السياسة جزءًا من الحياة اليومية لا نشاطًا منفصلًا عنها.
وتتواصل السيرة في مسار مهني وتعليمي شديد التوتر، حيث تبدأ تجربة التدريس في إربد، لتواجه لاحقًا قرارات الإيقاف والنقل، في سياق سياسي وأمني يعكس حساسية المرحلة وتداخل التعليم مع المناخ العام. غير أن هذه التحولات لم توقف المسار، بل دفعته إلى مزيد من الامتداد، سواء عبر الانخراط في حركة القوميين العرب أو عبر الانتقال إلى نابلس، حيث يصبح المكان نفسه جزءًا من التجربة الفكرية والسياسية، لا مجرد إطار جغرافي لها.
وفي هذا السياق، تتداخل الحياة الشخصية مع الحياة العامة، ويتحول الزواج إلى شراكة فكرية وسياسية، كما في الارتباط بالدكتور فيصل كمال، حيث لا تنفصل العلاقات الإنسانية عن سياقها التاريخي، ولا تنفصل القرارات الفردية عن شروطها الموضوعية. ومع تصاعد الأحداث، خاصة بعد حرب 1967، تصبح السيرة مرآة لمرحلة عربية كاملة، تتغير فيها الخرائط، وتتبدل فيها المصائر، ويعاد فيها تشكيل معنى الانتماء ذاته.
وتبلغ السيرة ذروتها في لحظات الاحتلال والتهجير والانتقال القسري بين الضفتين، حيث لا يعود المكان ثابتًا، بل يصبح حركة دائمة بين الخطر والنجاة، وبين الفقد وإعادة التشكّل. وفي هذه اللحظة تحديدًا، تتجلى قدرة الإنسان على الاستمرار، وعلى إعادة بناء حياته وسط انهيار الجغرافيا السياسية، وكأن السيرة هنا تتحول إلى شهادة على زمن كامل أكثر من كونها حكاية فردية.
أما في محطات السفر إلى بريطانيا، فتظهر طبقة أخرى من التجربة، تتعلق بصورة الآخر عن الذات العربية، وبكيفية تشكل هذه الصورة داخل المؤسسات التعليمية والإعلامية الغربية. وهنا لا تكتفي السيرة بوصف تجربة شخصية في الغربة، بل تفتح نافذة على إشكالية أوسع تتعلق بتمثيل العرب في المخيال الغربي، وكيف يمكن لصورة واحدة مشوهة أن تصنع تصورًا كاملًا عن شعب وثقافة وتاريخ. ومن خلال هذه المشاهد الصغيرة، تتضح آليات التكوين الثقافي المسبق، وكيف يُعاد إنتاج الصور النمطية داخل المناهج التعليمية منذ الطفولة.
إن "محطات في زمنين" ليست مجرد سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، بل هي نصّ يتقاطع فيه الفردي مع الجمعي، والخاص مع العام، والتجربة الشخصية مع التحولات الكبرى في العالم العربي خلال عقود مضطربة. إنها كتابة تُراكم الذاكرة ولا تُغلقها، وتترك للتاريخ أن يواصل سرد ما بدأته السيرة، في زمن لا ينفصل فيه الإنسان عن سياقه، ولا تنفصل فيه الحكاية عن العالم الذي أنتجها.
وهكذا يغدو هذا الكتاب وثيقة مزدوجة: وثيقة حياة، ووثيقة زمن، تُقرأ لا بوصفها ماضيًا منتهيًا، بل بوصفها أثرًا حيًا لمرحلة ما تزال أسئلتها مفتوحة حتى اليوم.
وفي ضوء ما تقدّم من مسارات هذه السيرة، يتبيّن أن قيمة "محطات في زمنين" لا تنحصر في كونها استعادةً لتجربة فردية غنية بالتفاصيل، بل تتجاوز ذلك إلى كونها وثيقةً في الوعي التاريخي والاجتماعي، تُضيء زوايا مهملة من تشكّل المجتمع الأردني والعربي في مراحل التحول. فالسيرة هنا لا تُقرأ بوصفها حكاية مكتملة الإطار، بل بوصفها نصًا مفتوحًا على أسئلة الذاكرة، وعلى طرائق تشكّل الإنسان داخل سياقات تتجاوز إرادته الفردية أحيانًا، وتدفعه إلى إعادة تعريف موقعه في العالم مرارًا.
وتتبدّى أهمية هذا العمل أيضًا في قدرته على إبراز العلاقة المعقّدة بين المعرفة والحياة، حيث لا يبدو التعليم مجرد مسار وظيفي، بل تجربة تتداخل فيها القيم مع المواقف، ويتحول فيها الفعل التربوي إلى جزء من الفعل الثقافي العام. ومن خلال هذا التداخل، تنكشف طبقات من الوعي لم تكن لتظهر لولا هذا النوع من الكتابة الذي يجمع بين التوثيق والاعتراف، وبين السرد والتأمل.
كما يلفت هذا العمل النظر إلى طبيعة التحولات التي تطرأ على الفرد حين يجد نفسه في تماس مباشر مع تقلبات السياسة والمجتمع، وكيف يمكن لهذه التحولات أن تعيد صياغة المواقف والرؤى دون أن تفقد التجربة وحدتها الداخلية. فالسيرة، في أحد أعمق أبعادها، ليست فقط تتبعًا لما حدث، بل محاولة لفهم كيف تشكّل ما حدث في الوعي، وكيف استقرّ أثره في الذاكرة والسلوك والمعنى.
ومن هنا، فإن "محطات في زمنين" يقدّم نفسه بوصفه نصًا يزاوج بين الحسّ التوثيقي والنَفَس التأملي، ويمنح القارئ فرصة لمساءلة العلاقة بين الفرد وتاريخه، وبين التجربة الخاصة والمجال العام، في عالم تتداخل فيه الأزمنة وتتعقد فيه مسارات الفهم. إنها سيرة لا تُغلق على حياة واحدة، بل تفتح نافذة على أكثر من زمن، وأكثر من قراءة، وأكثر من احتمال لفهم الذات والعالم معًا.

د. زياد أبولبن: كاتب وقاص وناقد/ مدير عام مركز الدراسات القدس في عمان/ الاردن.