أيلول/سبتمبر 07
   

يرى الفيلسوف باشلار أن الخيال البشري لا يكتفي بإعادة إنتاج الواقع، بل يتغذى على العناصر المادية (الماء، الهواء، النار، الأرض) ليخلق صوراً شعرية وأحلاماً تتجاوز حدود المنطق المادي إلى فضاءات أرحب من الإبداع.
يُعدّ الفنان التشكيلي العراقي هادي الصكر أحد الأسماء البارزة في المشهد التشكيلي العراقي المعاصر، إذ امتدت تجربته الفنية عبر عقود طويلة جمعت بين التكوين الأكاديمي والخبرة الحياتية العميقة. وُلد في مدينة البصرة العراقية، وشكّلت التحولات الاجتماعية والسياسية التي عاشها جزءاً مهماً من رؤيته الفنية ومنطلقاته الجمالية. وتشير المصادر إلى أنه واصل دراسته الفنية في الاتحاد السوفيتي السابق، قبل أن تستقر به الحياة في الدنمارك حيث واصل نشاطه الإبداعي وأقام العديد من المعارض الفنية داخل أوروبا وخارجها.
تميز هادي الصكر بخصوصية أسلوبه التشكيلي الذي يمنح اللون دوراً بنائياً يتجاوز الوظيفة الزخرفية ليصبح عنصراً أساسياً في تشكيل المعنى والفضاء البصري. وتكشف أعماله عن قدرة لافتة على المزج بين الذاكرة والواقع، وبين التجربة الإنسانية الفردية والهمّ الجمعي، عبر لغة تشكيلية تتسم بالعمق والهدوء والتأمل. كما عُرف بدقته الأكاديمية وصبره في بناء اللوحة، الأمر الذي منح أعماله طابعاً احترافياً ونضجاً فنياً واضحاً.
إن البحث عن الحياة في أعمال هادي الصكر لا يتم عبر تصويرها بشكل مباشر، بل عبر استحضار أثرها في اللون والحركة والفراغ. فكل ضربة فرشاة تبدو محاولة لاكتشاف ما هو أبعد من المرئي، وكل مساحة لونية تحمل إمكانية ولادة شكل جديد أو معنى جديد. لذلك تتحول اللوحة إلى مساحة للتأمل في الإنسان ومصيره وذاكرته، وإلى رحلة مفتوحة بين الواقع والتجريد. وتؤكد هذه الأعمال أن تجربة هادي الصكر تنتمي إلى ذلك النوع من الفن الذي يجعل اللون لغةً قائمة بذاتها، قادرة على التعبير عن الهواجس الإنسانية العميقة دون الحاجة إلى السرد المباشر. إنها تجربة تضع المتلقي أمام أسئلة الحياة أكثر مما تقدم له أجوبة جاهزة، وتمنحه فرصة الدخول في حوار بصري تتجدد دلالاته مع كل مشاهدة. لا يكتفي الفنان العراقي هادي الصكر بتقديم اللون بوصفه عنصراً تشكيلياً داخل اللوحة، بل يجعله مادةً حيةً تنبض بالإحساس والذاكرة والأسئلة الوجودية. ومن خلال مسيرته الفنية الممتدة استطاع أن يطوّر خطاباً بصرياً خاصاً، يقوم على المزاوجة بين التجريد والتعبير، وبين الحرية اللونية والبناء الواعي للتكوين، حتى غدت أعماله حقولاً مفتوحة للتأويل والقراءة. في اللوحات المعروضة تتجسد هذه الرؤية بوضوح. فاللون الأزرق الذي يهيمن على إحدى اللوحات لا يؤدي دور الخلفية أو الفضاء المحيط، بل يتحول إلى بنية نفسية تحتضن العناصر الأخرى. وتبدو الكتل اللونية المتجاورة وكأنها أجزاء من ذاكرة متشظية تعيد تشكيل ذاتها داخل العمل الفني. 
هنا لا يعود التجريد ابتعاداً عن الواقع بل وسيلة لاكتشاف جوهره العميق.
 يقول باشلار: يوحي الماء بالعمق والأنوثة والخفة. كما يظهر أحيانا، بأن الماء المتخيل يشبه النفس الإنسانية: ((للماء كآبته، غَفواته (حين ينام) ثم خدعه وهو يتظاهر بالنوم. يبتسم، يعصف ويبتلع. حتى الكلام،  يفتقده  ما دام يثغثغ مثل طفل الماء، دم وحياة الأرض. لكنه، كذلك عنصر للموت : ((الماء مبدأ الحياة والموت، بالنسبة لحلم اليقظة المزدوج))
أما اللوحة الثانية فتتجه نحو مناخ أكثر شفافية وهدوءاً. تتراجع الكثافة اللونية لصالح مساحات مضيئة تتخللها إشارات خطية رقيقة وتلميحات شكلية تكاد تتوارى داخل البياض. ويمنح هذا البناء البصري إحساساً بالحلم أو باللحظة العابرة التي تقف بين الظهور والاختفاء، وهو ما يضفي على العمل بعداً تأملياً ينسجم مع طبيعة التجربة الفنية لدى الصكر.
وفي اللوحة الثالثة تبرز طاقة اللون الأحمر بوصفها مركزاً بصرياً ودلالياً للعمل. فالأحمر هنا ليس لوناً وصفياً، وإنما علامة على الحضور الإنساني والانفعال الداخلي. وتتقاطع معه خطوط وإشارات حركية تعزز الإيقاع البصري وتمنح اللوحة بعداً درامياً واضحاً. وبين العتمة والضوء، وبين الامتلاء والفراغ، يبني الفنان عالماً تتجاور فيه المشاعر والرموز ضمن نظام تشكيلي متوازن.
إن ما يميز تجربة هادي الصكر هو قدرته على تحويل اللوحة إلى فضاء للحوار بين المرئي والمخبوء. فالعناصر لا تُقدَّم بشكل مباشر أو نهائي، بل تظل مفتوحة على احتمالات متعددة، الأمر الذي يجعل المتلقي شريكاً في إنتاج المعنى. وتلك سمة أساسية في التجارب الفنية الناضجة التي تراهن على وعي المشاهد وخبرته الجمالية.
ولعل مفهوم "هندسة الروح" يعبّر بدقة عن جوهر هذا المنجز. فالفنان لا يبني أشكالاً هندسية بالمعنى التقليدي، بل يشيّد عالماً من العلاقات اللونية والإيقاعات البصرية التي تعكس حالات وجدانية وإنسانية معقدة. ومن خلال هذا البناء تتحول اللوحة إلى معمار داخلي تُرسم حدوده بالأحاسيس والذكريات والانفعالات.
إن تجربة هادي الصكر تؤكد أن الفن التشكيلي ما يزال قادراً على إنتاج أسئلته الخاصة، وعلى فتح نوافذ جديدة للتأمل في الإنسان والعالم. وفي زمن تتسارع فيه الصور وتتناقص فيه لحظات التأمل، تبدو هذه الأعمال دعوة إلى التوقف أمام اللون بوصفه لغةً للروح، وأمام اللوحة بوصفها مساحةً لاكتشاف المعنى الكامن خلف ظاهر الأشياء.
كما تحمل تجربته الفنية مشروعاً جمالياً وإنسانياً متكاملاً، استطاع من خلاله أن يحوّل اللون إلى لغةٍ للتأمل والكشف عن أعماق الروح الإنسانية. فقد جاءت أعماله محمّلة بحساسية بصرية عالية ورؤية فكرية ناضجة، جمعت بين الذاكرة والخيال والواقع في بناء تشكيلي متوازن. ومن هنا تبرز أهمية منجزه الفني بوصفه تجربةً تثري المشهد التشكيلي العراقي والعربي، وتؤكد أن الفن الحقيقي يظل قادراً على تجاوز حدود المكان والزمان ليخاطب الإنسان في جوهره الأعمق

نبيلة أحمد علي: كاتبة وناقدة