تمثلات قصص الجريمة السوداء
في كتاب (بتسبورغ نُوار، الجرائم الليلية السوداء)

تتعدد الأمكنة والمدن والأحياء والمجتمعات المختلفة والمشتبكة، لكنّ قصص الجريمة النُوارية السوداء تمثّل الهاجس والمظاهر المتوترة، ونزعة القتل والعنف في بيئات متباينة ومدن متعددة لأن أدب النُوار منتشرٌ في كلّ مدن العالم من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، فالاحتدام الاجتماعي، وحدوث الجرائم وحوادث الخطف والقتل والسرقة والاغتيال والنزوع (السايكوباثي) واضطراب الواقع وتصاعد منسوب الصراع بمختلف صوره ودوافعه نجدها في كلّ مكان طالما هناك إنسا.
وما دامت أنّ هناك أسباباً وأجواء وأماكن تشهد وجود مجتمع يقوم على التناقضات والصراعات السياسية والاجتماعية التي تغرس في المكان؛ يتوالد العنف والاحتدام تعبيرا عن اشكالية الأمكنة النُوراية وأسباب هذا الاشتباك وعوامله الاجتماعية والسايكولوجية والاقتصادية والتاريخية، ووجود العصابات والمافيات والزنوج والتمييز العنصري، وقد اختارت الكاتبة الاميركية (كاثلين جورج) مدينة (بتسبورغ) لتكون مسرحاً لقصص النُوار والجرائم السوداء، في هذه المدينة الغرائبية في واقعها وتكوينها وتجلّياتها في تجسيد الاحتدام من خلال طبيعة تشكّلها وانفتاحها على العالم ممّا خلق تكوينات وصراعات داخلها وجعل بيئتها تنطوي على حبكات بوليسية، واشتهرت هذه المدينة بمعامل وصناعة الصلب والفولاذ والحديد.
اشتهرت مدينة (بتسبورغ) بالجرائم الغريبة والشخصيّات المثيرة، وهي مدينة جميلة على الرغم من هذا الاحتدام، إذ تنتشر فيها النوادي الليلية والبارات والمحلاّت التجارية والأسواق ومحلاّت الموضة والديسكوات الراقصة، و(بتسبورغ) هي مدينة في ولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأميركية، وتعدّ ثاني أكبر مدينة في الولاية، وهي من أقدم المدن في أميركا، وتمتلك تاريخاً عريقاً إذ يوجد في المدينة فريق شهير (بتسبورغ ستيلز) لكرة القدم، و(ستيلز) تعني الصلب والفولاذ الذي تشتهر به المدينة، وتقع (بتسبورغ) على تقاطع نهر (مونو غاهيلا) وأوهايو، إذ تقع على ثلاثة أنهار، وأصبحت مركزاً لصناعة الصلب والفولاذ، وجذبت كثيراً من المهاجرين للعمل في المعامل، وتمثّل الاشتباكات من بينها اضراب عمال الفولاذ حيث يدافع العمال عن حقوقهم، ورفض خفض الأجور، فهي مدينة صناعية كبيرة وذات موقع جغرافي مهم، ويختلط سكانها الأصليون مع موجات المهاجرين من دول عديدة، ممّا يجعلها تنطوي على بيئات مختلفة وخصائص وتكوينات متعدّدة ومختلفة ونلحظ فيها صراع التقاليد والجنسيات المختلفة ولذا نجد أن هذا التشكل المعقّد هو الذي أدّى إلى وجود التوتر والاضطراب وتنوّع الصراعات، وانتشار الجريمة والعنف، وكل أنواع الاشتباك في بنية المجتمع الداخلية، ووجود الصراع الطبقي بين مجموعات السكّان(1).
في القصة الأولى من كتاب (بتسبورغ نُوار) نواجه أنموذجاً جلياً من قصص الجريمة السوداء النُواريّة، والقصة تحمل عنوان (هواء ساكن)(2)، للكاتب (تيرنس هايز)، ويصور الكاتب أجواء منطقة أو حي (ايست ليبرتي) الذي يشتهر بوجود السود للعيش والعمل فيه، وتقع جريمة مروّعة بقتل (آمب) وهو رجل زنجي يمارس أعمالاً مختلفة، وقد تعدّدت الروايات والأخبار حول طبيعة وسبب مقتله في ليلة حالكة، ولعل سيميائية العنوان تشير إلى أن موت الزنجي لأسباب التمييز العنصري والصراع الإثني أو بسبب المخدّرات أو السلوك الغامض لشخصيّة (آمب) فكلها تشير إلى أن موته لم يحدث الضجة أو الحدث الكبير في واقع مأزوم أساساً، وعلى وفق هذا فإنّ المستوى الدلالي للعنوان قد كشف عن هيمنة العنف وانتشار الجريمة وبما يجعل موت الزنجي وهو إنسان عادي، لم يكن ليخدش السكون الشكلي الذي يهيمن على أحياء (بتسبورغ) الملغوم بالصمت لكنّه يمور في معتركه الداخلي.
وقد تجلى العنوان وأصبح مدلولاً لدال محذوف أو غائب لكنّ نتائجه ودلالاته حاضرة و"بذلك يتحتم على المتلقي أن يستكشف وجهة نظر دالة لتفحّص مفردات العنوان وإيحاءاته الغائبة انطلاقاً من أحد طرفي المعادلة الدال والمدلول والمتوفر في سياق النسق العنواني ممّا ينتج الفهم والايضاح والوصول إلى العلامة الدالّة..."(3)، وعلى ضوء هذا فإن العنوان يوحي بأنْ لا قيمة لموت زنجي في ليل (بتسبورغ) وإنّ كلّ شيء هو كالهواء الساكن، وكأنَّ شيئاً لم يقع، إنَّ جمالية السرد في هذه القصة تكمن في ارتكازه على التدفق المتناوب، وعلى لسان السارد (ديماريو) وهو صديق وزميل الفقيد (آمب) في الدراسة وفي الحي، وهو الذي يروي أحداث مقتل (آمب) بشيء من التفصيل، مركّزاً على تاريخ العلاقة التي تربطه به منذ أيام الدراسة والشباب، وقد أوحى (ديماريو) بأنّ شخصيّة (آمب) تنطوي على نوع من الغرائبية بشكله الزنجي، وارتباطه بالكلب الذي يرافقه دوماً وقد قتل معه، وقد تكون هذه إشارة إلى نقاء روح القتيل على الرغم من غموض شخصيّته وأعماله وسلوكه المتناقض، لكنّه يبقى إنساناً له القدرة على العطاء والاهتمام بالحيوانات لاسيما الكلب، ولعلّ اختيار الكلب يوحي بصفة الوفاء إذ يكشف موت (آمب) والكلب معاً عن دلالة لصورة من صور العلاقة بينهما وهو كشف عن شخصيّة وخفايا الزنجي الغرائبي في أعماق مدينة مأزومة وواقع ملتبس كواقع (بتسبورغ) القلق وغير الآمن والقابل لحدوث كل ما هو خارج المتوقّع.
ونظراً لهذا المنحى فإنّ سماء المدينة المتلّبد بالقلق لا يوحي بهواء أو واقع ساكن بل على العكس إنَّ هذا السكون يخفي كثيراً من الجرائم وصور القتل التي تحدث وكأنّها جزء من قانون المكان وتقلباته، وهذه التوصيفات المريبة تشير إلى طبيعة المكان الديستوبي الذي تدور فيه جرائم أو قصص النُوار والجريمة السوداء عادة، ويمثل حي (إيست ليبرتي) المكان المعادي أو الديستوبي في هذه القصة، ويروي السارد (ديماريو) وهو يصف طبيعة هذا الحي الذي يبدو فيه مظهر من مظاهر الصراع بين البيض والسود: "كانت جدّتي تقول دوماً أن (آيست ليبرتي) كانت مترفة في السابق، مزدانة بمنازل كبيرة غير مخرّبة، لكن حينها اسدلوا ربقا على الحي في أواخر الستينيات، انتقل اصحاب البيوت إلى الجهة الأخرى من البلدة، وسكنوا مع أبناء عمومتهم وأعمامهم، ليحوّلوا بيوتهم القديمة إلى وحدات للإيجار، كانت غرف الجلوس بحجم غرف النوم، غرف النوم بحجم الخزائن، غادرت الأعمال وأتت المشاريع، أنت تعرف ذلك القطاع الصغير من جادّة (هايلاند بارك) بين وسط وشرق ليبرتي، الذي يقطع (بين سيركل) مثل الخط الأبيض على لافتة (لا تدخل) كرهته جدّتي، لكن هناك كان يتسكع الجميع في أكثر الأحياء اكتظاظاً بالسود بعد أن هدموا جميع المشاريع...."(4).
إنَّ هذه الأجواء توحي بالاكتظاظ والتزاحم في بقعة ضيّقة، وتوحي الأجواء بقلق السود وفقرهم وعوزهم وانتقالهم وتهميشهم في بيوت أقاربهم، وانتشار البطالة ممّا يؤدي إلى شيوع أعمال أخرى يضطر الإنسان للبحث عنها بحثاً عن العيش والبقاء.
والغريب أن (ديماريو) السارد الرئيس لم يشاهد أو يحضر واقعة القتل، ونكتشف أن الجريمة وقعت في ليلة حالكة، ولم يصفها أحد شهودها، بل ظلّت جريمة عبارة عن روايات متعدّدة لموت (آمب) مع كلبه، فهناك من يشير إلى جماعة البيض، وهناك من يومئ إلى الشرطة السريّة التي قضت عليه، بينما يشير آخرون إلى أنها جريمة من جرائم العصابات المنتشرة في المدينة وهذا يعني أنّ المكان (الديستوبي) أو المدينة الغامضة والقلقة لا توجد فيها الحقيقة الواضحة، لأنّها غارقة في ليل الجريمة واضطراب المواقف وتعقّد الحياة، ولا مجال لذكر ما يجري أو معرفة ما يدور فيها من انفلات وفوضى القتل.
وعلى وفق هذه المعطيات فإنّ قصّة (هواء ساكن) لـ(تيرنس هايز) تعدّ من النماذج المهمة لقصص النُوار الأميركي، وهي تجسّد طبيعة المجتمع الاميركي في واحدة من المدن الأكثر حراكاً وتزاحماً وغرابة، فمدينة بتسبورغ تُعدّ مدينة قلقة وصاخبة، وتجمع المتناقضات، وإنّ حدوث الصراع بكلّ أنواعه، وصور الموت والجرائم تدلّ على هشاشة البنية الداخلية لوجود الجماعات والعصابات والمافيات المتصارعّة إلى جانب أنّها مدينة كوزموبويلتية مفتوحة، فيها الايطاليون والانكليز والمكسيكيون وغيرهم من الجنسيات. إنَّها صورة للصراع الطبقي الدائم الذي يضطرب في معامل ومناجم الصلب، ومعامل الفولاذ الذي تعرف به المدينة، ويقوم الصراع بين العمال وبين الطبقة الرأسمالية المتحكّمة باقتصاد المدينة، ونلحظ بعض الإشارات في متن القصة، حين يروي (ديماريو) غموض الجريمة وعدم القبض على القتلة: "كان الناس يقولون إنه لم يتم القبض على من قتلوا (آمب)، تلك كانت حقيقة في الوقت الراهن، وكان الناس يقولون أن للأمر علاقة بالمخدرات، لم يبدُ الأمر كذلك من وجهة نظري"(5).
وتنطوي القصّة على نهاية مفتوحة، ولم تعرف الأسباب الحقيقية لموت (آمب) لكنّ جوهر القصة لم يركّز على حيثيات الجريمة وتفاصيلها فهي ليست غريبة في هذه الأجواء، ولكنّ القصّة كانت على مستوى البناء الفني والإشارة والإحالة إلى واقع المدينة المريب والمضطرب، وإنّ الجريمة تقع شئنا أم أبينا، أمّا التفاصيل فهي جزء من بديهيات هذا الصخب السوداوي والصراع الخفي بين أنواع البشر، وانقسمت القصة إلى استرجاعات السارد عن (آمب) وحياته وطفولته وسلوكه المتناقض إلى جانب أن السارد قد قدّم تفاصيل حياته عبر المشترك الطفولي بينه وبين الضحيّة.
الهوامش:
(1) يُنظر: بتسبورغ نُوار، (ويكيبديا)، (شبكة الانترنت): 10.
(2) بتسبورغ نُوار: 13.
(3) سيميائية العنوان في شعر مصطفى محمد الغماري (رسالة ماجستير)، الجزائر، جامعة محمد خضير- بسكرة، 2006: 32.
(4) بتسبورغ نُوار: 18.
(5) بتسبورغ نُوار: 27.