
تراهن النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية على لعبة ماكرة ومخادعة في تشكيل الوعي الفردي للمواطن الأمريكي عن طريق خلق الرغبة والحاجة إليها في الوقت ذاته، فتخلق رغبات جديدة باستمرار، وتجعل من الإنسان كائناً يطارد مستقبلاً لا يصل إليه؛ فالهندسة النفسية للرغبة هي المحرك الخفي للرأسمالية، وهذه الرغبة عادة ما تكون منفصلة عن الرغبات الحقيقية للإنسان. لقد بدأت وكالات الإعلان المرتبطة بالشركات العملاقة الكبرى وبأجهزة الإعلام والسلطة باستخدام علماء نفس وباحثين سلوكيين، لأن صنّاع القرار ورجال المعرفة رأوا أن السلوك نفسه يُعاد تشكيله إذا ما فُهمت المخاوف والعقد والأنماط اللاواعية عند الإنسان، بحيث يتحول الفرد في النظام الرأسمالي من ذات مستقلة إلى بنية قابلة للتوجيه الرمزي، فتتطابق قيمة السلعة مع قيمة الإنسان نفسه في الوجود الاجتماعي، وتصبح هويته قائمة على ما يشتريه وما يملكه، وليس على ما يعيشه ويختبره وجوديا في الفكر والحياة.
هكذا تصبح السلعة في الرأسمالية الحديثة ضرورة وجودية تحدد الأهداف، وتعيد تعريف معنى الحياة، عن طريق السيطرة على الشعور بالنقص وعلى القلق الداخلي للإنسان في سعيه نحو المكانة الاجتماعية. فثقافة السوق عادة ما تصنع قلقا طبقيا باستمرار. لذلك، فالإنسان الحديث يبحث عن الكمال في الاستهلاك، ويبدأ ببناء ذاته عبر الأشياء، فهو يطمح بشكل دائم إلى قبول اجتماعي وصورة أفضل لنفسه من خلال تحديث دائم لهويته الخارجية، وإعادة تعريف نفسه عبر الملكية والاستهلاك.
لكن كيف يمكن للرأسمالية أن تكون أداة قمع للفرد، وجوهرها قائم على الحرية والليبرالية والاختيار الشخصي، وكيف يمكن لمجتمع الرفاهية الحر أن يتحول إلى قطيع مسيس ومنقاد من قبل سلطات لا مرئية وأنظمة تحكم تعمل بخفاء وسرية مطلقة؟
المتلاعبون بالعقول
على الرغم قدرة الفرد في المجتمعات الديمقراطية والرأسمالية على التعبير عن حقه في الانتخاب والتمثيل السياسي، وعلى التعبير عن رغباته وآرائه، إلا أنه يظل أسيرا لحريته نفسها، لأنها حرية تتحرك داخل الأقفاص والجدران في بيئة مصممة نفسيا على مجموعة من الخيارات المحددة سلفاً للإنسان، فخياراته مبرمجة مسبقاً لأن رغباته نفسها جرى تشكيلها نفسياً، فكلما ازداد الحديث عن الحرية أو الفردانية ازدادت هندسة الرغبات، فالسيطرة في المجتمعات الحديثة هي اكثر نعومة، لكنها أعمق اختراقاً من السلطة التقليدية، فهي تتم عن طريق بناء الإطار الذي يحكم المجتمع واختيار نمط الحياة الفردي من توجيه الرغبات وصناعة الأحلام، وخلق نماذج نمطية للنجاح. وعلى هذا الأساس تحولت الرأسمالية من نظام اقتصادي مجرد إلى جهاز سلطوي يتحكم في البنية النفسية للسلوك عبر تعليب الوعي وصناعة الإحساس بالاختيار.
يقول الناقد وعالم الاجتماعي الأمريكي هربرت شيلر في كتابه (المتلاعبون بالعقول): "إن ما يشاهده الناس وما يقرأونه، أو يستمعون إليه، وما يرتدونه وما يأكلونه، والأماكن التي يذهبون إليها، وما يتصورون أنهم يفعلونه، كل ذلك أصبح وظائف يمارسها جهاز إعلامي يقرر الأذواق، والقيم التي تتفق مع معاييره الخاصة التي تفرضها وتعززها مقتضيات السوق".
بهذا المعنى يرى شيلر أن كبار رجال السياسة في أمريكا ومديري الشركات الكبرى وأجهزة الإعلام قد تحولوا إلى سائسي عقول. فمديرو أجهزة الإعلام في أمريكا يقومون بوضع أسس عملية تداول الصور والمعلومات، ويشرفون على معالجتها وتنقيحها، وإحكام السيطرة عليها. تلك الصور والمعلومات التي تحدد معتقداتنا ومواقفنا، وفي النهاية سلوكنا. فهم عمدوا إلى استحداث معنى زائف وإلى انتاج وعي لا يستطيع أن يستوعب بإرادته الشروط الفعلية للحياة القائمة أو يرفضها، سواء على المستوى الشخصي أو الاجتماعي.
فتضليل عقول البشر هو أداة للقهر، وهو إحدى الأدوات التي تسعى النخبة من خلالها إلى تطويع الجماهير لأهدافها الخاصة.
ويضع شيلر خمس أساطير تؤسس للمضمون، وتكون بمثابة القاعدة التي ينطلق منها الفكر الأمريكي الرأسمالي لتوجيه العقول: أولها أسطورة الفردية والاختيار الشخصي؛ فالتضليل الإعلامي يتجلى في أوضح صوره داخل الولايات المتحدة في الاستفادة من الظروف التاريخية الخاصة للتطور الغربي من أجل تكريس تعريف محدد للحرية تمت صياغته في عبارات تتسم بالنزعة الفردية. فهذا المفهوم يحمي الملكية الخاصة لوسائل الانتاج من ناحية، ومن ناحية أخرى يطرح نفسه حارساً لرفاهية الفرد.
يؤكد شيلر أن هناك من الشواهد ما يكفي للقول بأن حقوق الفرد المطلقة ليست سوى أسطورة، وبأنه لا يمكن الفصل بين الفرد والمجتمع. فبدايات الحضارة كما لا حظ عدد من المؤرخين تمتد جذورها في التعاون والاتصال. فالخطأ الكبير هنا هو أن الغرب فهم الحرية من خلال وجود اختيار شخصي جوهري بوصفه شيئاً مرغوباً وغير قابل للتحقق، ولا يمكن فصله عن الحرية.
أما الأسطورة الثانية فهي أسطورة الحياد وهذه الأسطورة تقتضي واقعاً زائفاً من التضليل الإعلامي يجعل الحكومة ومؤسسات الدولة والتعليم والإعلام في حالة حياد، ومنفصلة عن الصراعات والتقسيمات الاجتماعية والجرائم، فحالات الغش والاحتيال والسرقات الكبرى والجرائم ينظر لها على أنها نتيجة للضعف الإنساني وليست خللاً في البنية نفسها.
ثالثاً أسطورة الطبيعة البشرية الثابتة: تمثل هذه الأسطورة قبولاً كبيراً في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ تؤكد على الحتمية البيولوجية للإنسان وعلى استحالة التغيير المبني على الإرادة الذاتية، وبالتالي فإن هذا سيؤثر سلباً في مستقبل التغيير الاجتماعي، فهناك الكثير من المنظرين في أمريكا يؤكدون على الجانب العدواني في السلوك الإنساني الذي يرجع لعوامل وراثية، وليس لوجود قهر اجتماعي وصراع وتقسيمات طبقية. وبهذه الأسطورة يحافظ النظام القائم على بقائه عن طريق إبقاء العقل الشعبي والعقل المستنير في حالة من انعدام الثقة والشك في ما يتعلق بإمكاناته الإنسانية.
إن مضللي العقول يطورون سلسلة من المناهج، تستبعد أي تصوير للعالم بوصفه قضية أو مشكلة وتركز على إظهاره في صورة الكيان الثابت، أو بوصفه شيئاً معطى يتعين على الناس بوصفهم متفرجين أن يتكيفوا معه.
رابعا: أسطورة غياب الصراع الاجتماعي
تقوم هذه الأسطورة على إيهام الناس بأن المجتمع الحديث مجتمع منسجم وأن الجميع يملكون الفرص نفسها، لتصبح التفاوتات هنا ليست بنيوية، بل فردية فقط، وينسحب هذا على جميع الإشكالات والأزمات داخل المجتمع.
إن الإعلام بحسب شيلر يخفي الصراعات الطبقية والاقتصادية الحقيقية، ويحول المشاكل الاجتماعية إلى قضايا شخصية، تتعلق بالعنف الفردي أو الضعف أو سوء الاختيار، كالفقر والبطالة وصراع السود والأقليات داخل المجتمع الأمريكي.
وهنا يؤكد شيلر على أن عرض القضايا الاجتماعية في الإعلام يؤدي إلى إثارة القلق في نفوس المشاهدين، كما يعتقد الدارسون لسيكولوجية الجمهور. لذا، يحرص مديرو الإعلام والوكالات الكبرى وعملاً بمبدأ السلامة على استبعاد أي برنامج أو أي مادة خلافية مثيرة للجدل، فيتم التغاضي عن كل شكل من أشكال القضايا التي تتبنى الصراع الاجتماعي.
وتعمل أجهزة الإعلام الكبرى في الولايات المتحدة على تشتيت انتباه الجمهور وصرف تركيزه عن القضايا الرئيسة التي تهم وجوده الاجتماعي وإنسانيته ببرامج تسلية وإثارة ومحتويات تافهة تطغى على القضايا المصيرية والحاسمة في المجتمع.
خامساً: أسطورة التعددية الإعلامية
يرى شيلر أن وجود عدد كبير من القنوات والصحف لا يعني وجود تنوع حقيقي في الأفكار. فالملكية الإعلامية غالباً ما تكون متركزة بيد مؤسسات اقتصادية كبرى تشترك في المصالح والرؤية العامة للعالم. لذلك، يبدو الإعلام متعدداً شكلياً لكنه يعيد انتاج الخطاب نفسه عن طريق تمجيد الاستهلاك وتكريس الفردانية المفرطة، وهذا ما يؤدي إلى حماية النظام الاقتصادي القائم عن طريق إعادة تعريف الحرية ضمن منطق السوق.
ويتم هذا عن طريق مساهمة شركاء النخبة من المثقفين وقادة الرأي العام والفكر في تعبئة الرأي العام بجرعات منتظمة من البلاغة، تتسم بالمغالاة دائماً للحيلولة دون تحول أي فكر مستقل إلى فعل سياسي يهدد مبادئ النخبة المسيطرة، ويتطلب ذلك بالضرورة تركيزاً عالياً للملكية في مجال الإعلام.
إذن، فالتعدد هنا هو في الأسلوب والشكل، وليس في البنية الفكرية العميقة، وهذا ما يجعل الفرد الأمريكي يعتقد بأنه حر ومطلع ومتعدد الخيارات، بينما في الحقيقة فإن وعيه يدار بيد سلطة خفية وضمن حدود مرسومة مسبقاً.
إن المشكلة الحقيقية في الرأسمالية هي أنها تصنع الإنسان الذي يحتاج إليها. فالأنظمة القديمة كانت تسيطر على الجسد بالقوة. أما النظام الرأسمالي المتأخر فقد اكتشف أن السيطرة على الرغبة أكثر دواماً وأقل كلفة. وهكذا قد انتقلت السلطة من مصادرة الحرية إلى إعادة تعريفها، ومن قمع الإنسان إلى إعادة برمجته من الداخل، فالإنسان لم يعد يعش رغباته الخاصة، وإنما تلك الرغبات التي صُنعت له بعناية وجعلتها جزءاً من طبيعته واحتياجاته الأصيلة.
إذن، يمكننا القول إن أخطر أشكال الاستبداد هو ذلك الذي يجعل الضحية تشارك في انتاج قيودها تحت لافتة الحرية والتمدن.
الإنسان ذو البعد الواحد.. والحرية القمعية
إذا كان شيلر قد كشف آليات صناعة الوعي من خارج الفرد، فإن ماركيوز يذهب خطوة أبعد، ليدرس الكيفية التي يتحول فيها هذا الوعي المصنوع إلى بنية داخلية تجعل الإنسان يعيد إنتاج النظام نفسه.
فوفقاً للفيلسوف وعالم الاجتماع الأمريكي الألماني هربرت ماركيوز فإن المجتمع الليبرالي الحديث يسمح بوجود آراء متعددة، لكنه في العمق يفرغها من قيمتها الحقيقية، فالسلطة لا تمنع الكلام ولا الراي الآخر المضاد، لكنها تغرق الإنسان بفيض هائل من المعلومات والصور والترفيه بحيث يصبح التفكير النقدي العميق شبه مستحيل. بهذه الطريقة تتحول الحرية الإعلامية أحيانا إلى أداة لإخفاء السيطرة وليس لكشفها أو تعريتها من الجذور. فالمجتمع الصناعي الحديث استطاع امتصاص المعارضة وتحويلها بشكل باهر إلى جزء من النظام.
وهكذا فلم يعد خافياً على أحد في أن الحرية الحقيقية ليست في وفرة الخيارات أو كثرة البدائل، وإنما القدرة على اختيار ما ينسجم مع الذات الأصيلة. لكن حين تصبح الذات نفسها نتاجاً للإعلان والسوق، فإن الاختيار لا يكون إلا إعادة إنتاج لما اختاره النظام مسبقاً.
أما إنسان ماركيوز ذو البعد الواحد فلم يعد قادراً على تخيل عالم مختلف، لأن النظام احتل اللغة والخيال معاً، فيتراءى الواقع للفرد وكأنه الحقيقة الوحيدة والممكنة. فالنظام القائم قام بتدمير اللغة النقدية الحقيقية، وبالتالي تدمير القدرة على التفكير النقدي نفسه، لأن اللغة الحديثة أصبحت لغة تقنية إعلامية تختصر الإنسان في المنظومة الاقتصادية الاستهلاكية، وفي مجموعة من الأنساق التي تعيد انتاج النظام نفسه، بحيث يصبح التفكير نفسه مشلولاً وغير قادر على الحركة أصلاً خارج المنظومة القائمة.
إلا أن ماركيوز يقترح لنا ما يسميه الرفض عبر الفن والخيال بوصفه شكلاً من أشكال المقاومة الروحية ضد المجتمع التقني، لأن الفن الحقيقي يتيح لنا التحرر والتسامي فوق عالم المادة، فهو يفتح أمام الإنسان وجودا بديلا ويذكره بأن الواقع الحالي ليس قدراً نهائياً ولا محتوماً.
هندسة الموافقة
يرى الكاتب والخبير الاقتصادي الأمريكي السابق جون بيركنز في كتابه الشهير "الاغتيال الاقتصادي للأمم أن مصطلح الشركة الأمريكية يطلق مجازاً على المنظمة المشتركة للشركات الأمريكية الكبرى، والتي تشكل عصب الاقتصاد في الولايات المتحدة وقاعدتها الرئيسة لبناء مجتمع الرفاهية حسب المفاهيم التي أصلتها النخبة في وجدان الشعب الأمريكي على امتداد قرنين من الزمان. ويصعب الفصل بين أهداف هذه المنظومة ومجريات الأمور في الولايات المتحدة، حيث بسطت المؤسسة الاقتصادية الأمريكية نفوذها على باقي المؤسسات السياسية والعسكرية والمخابراتية والإعلامية. فالمصالح الخاصة لهذه الشركات هي بمثابة المصلحة العامة لأمريكا.
ولقد سمح تركيز سلطة اتخاذ القرار في أيدي القطاع الخاص بالنسبة للدوائر المحورية في الحياة الأمريكية، بتغيير مسار أي تحد رئيسي للامتيازات القائمة والقضاء عليه قبل أن يأخذ شكلاً أكثر قوة. واستخدمت آليات السوق لتوجيه وضبط الأفكار والمشاعر العامة بحيث يقتصر دور رجل الشارع على كونه مستهلكاً ومتفرجاً وليس مشاركاً، وحيث أن صوت الشعب يجب أن يُسمع في المجتمعات الديمقراطية، فلقد تمكن أصحاب المصالح الأمريكية من تجاوز هذه الإشكالية من خلال غسيل مخ مستمر يصبح فيه حديث المواطن العادي متماشياً تماماً مع مفاهيم النخبة الاقتصادية والسياسية، وهو ما عبّر عنه إدوارد بيرنز بعملية هندسة الموافقة.
إن الحضارات لا تنهار عندما تعجز عن إنتاج الثروة، وإنما عندما تعجز عن إنتاج الإنسان، فالحضارات التي تكون شاهدة على اضمحلال الإنسان وتلاشيه بعد تفريغه من القيم والمعاني، تؤسس لانهيارها الأخلاقي قبل الاقتصادي، وتسقط عنها صفة الإنسانية، ويمكننا في عصرنا الحديث أن نصف هذه الحضارة المتآكلة والمنهارة بمصطلح البربرية المتمدنة.
أخيراً، فإننا لا نحاكم عصرنا الراهن محاكمة ماركسية جامدة، ولا ندعو لعودة الدكتاتوريات والنظم الشمولية الكلاسيكية، لكننا حاولنا قدر الإمكان تشخيص علل الحضارة، وأمراضها التي اختصرت الإنسان في نماذج تعريفية جاهزة، وقوالب نمطية حولته إلى آلة مبرمجة من قبل الأنظمة والسلطات.