تشرين2/نوفمبر 08
   


 
(1)

غرفةٌ كأيّة أخرى لكاتب ومثقّف آخرَ، متوسّطةُ الرَّفاهية أو أقلّ بقليلٍ: مكتبةٌ بضلعينِ على شكل حرفِL)) من خمسة طوابقَ، ضِلعُ كلّ طابق هو الآخر بيتٌ لعائلات من الكتب. طابقٌ يأوي صقراً نحاسيّاً فارِداً جناحيه ومُنْشِباً مخالبَهُ بكرة أرضيّةٍ – يبدو لي أنّه أحياناً من تعبٍ يبسطُهُما- تحتَه نُصبٌ لقلب صغير مشطورٍ من أعلىً: في الشّطر وردةٌ فَـتيّة حمراء، يتربّع القلبُ على قالب كَيْـكٍ دائريٌّ بأربع شمعات مغروزاتٍ حولَه مثل سياجٍ، ولا أنسى أنّ القلب تخترقه نُشّابة كيوبيدَ الشّهيرةُ: ريشتُها في كتفه اليمنى أمّا نصلُها فبارزٌ من خاصرته اليسرى (تـذكارٌ يعود إلى عام 2010 لا يزال سخيناً وعاقداً سعادتهُ المأمولةَ بلحية الأمل). جنبَ التّذكار مرآة منضديّةٌ بين ساقيها مِلْـقطانِ ومَبْرد وقَصّاصةُ أظافر بينما تنتصب في أعلى رفّ من جهة جلوسي اليمنى زَهريّةٌ برسوم ونقوشٍ خضراءَ مُزرقّةٍ بأرضيّة ضاربةٍ إلى الصُّفرة، وسطَها جاريةٌ تجلس على حافّة حوضِ نافور ماءٍ واضعةً ساقاً على أخرى تضربُ على عُودٍ: عن يمينها جاريتانِ تنقران على دُفَّـين، وعن شمالِها أُخرَيانِ تنفخان في نايينِ، قُبالتَهما شابّ مضطجِعٌ على تختٍ أَميريّ: في يده قدحٌ لشدّة مَيلانهِ يبدو ثمِلاً مثلَ حاملهِ، على قَسماته أَماراتُ حزن نبيلٍ أمّا عيناه فأكثر من دامعتين. 
منضدةُ كتابةٍ من خشب السّاجِ هي الأخرى بيتٌ لأوراق ومَقلَمةٍ، لأقراصِ كالسيوم، رومالجينَ (مروِّخِ عضلات)، عويناتٍ طبيّة، قَطّارةِ عينٍ optilar، مُعطِّرٍ (نوع دموع الورد والسّيدةِ الزّرقاء)، مصباحٍ نِفطيّ وآخر يدويّ، مُسوَّدتَي مخطوطين شعريينِ، المنجدِ في اللغة للويس معلوف بطبعته الخامسة والثلاثين، دفترِ ملاحظات ومشاهداتٍ يوميّة. 
على الحافّة اليمنى للمنضدة فِيلانِ بزيين هنديينِ يبدوان ذكراً وأنثىً ذلك أنّهما عاقِدانِ خرطومَيهما على شكلِ قُـبْلةٍ، مُثبّتانِ على قاعدة بيضويّةٍ محفورٌ على حافّتها الأماميّة:euro collection ، وسطَهما ساعة مُدوّرةٌ (الفِيْلانِ من شكلِ ضمِّهما للسّاعة يبدوان كما لو أنّهما يحرسان الزّمنَ: زمنَ المنضدة ومُواطنيها). 
حَصّالتا حفيدتيَّ سَما، ونادينَ Snow White and Seven) Dwarfs) دائماً في الرّفّ الموازي لنظري، في التفاتةٍ منهما لئلّا أنسى يوميّتيهما من النّقود. قبالةَ السّرير تسهر كلَّ ليلة مدفأة نفطيّةٌ تخطّى دفؤها سنّ اليأسِ، أمّا فنجان القهوة وقدحُ الشّاي فكانا كلّما تثاءبتُ وثقلتْ أجفاني يُفزِّزاني كما لو أنّهما حارسان ليليّانِ أُنيطَتْ بهما حراستي من النّوم! 
دائماً ما كانت تمسكُ بأزياق تأمُّلي فكرةٌ عجيبة ما لكنّها اليومَ صارت ممسِكةً بخَناقي، فكرةٌ لا تبرز إلّا وأنا في الغرفة أرى إلى كتبي كما لو أنّها أحد عشر ابناً لي، ومخطوطاتي الخمس وكأنّهنّ بناتي. أرى إلى هذه الذُّريّة (من الكتابة: أُنثايَ الوحيدة المُنصرفةِ إليّ وحدي) كيف تعيش في مكان مُبرَّزٍ من بيت مكتبتي. فكرةٌ  سؤالٌ: مَن أَبُ هؤلاء، أبٌ بعينه أم عِدّةُ آباء؟ من جهتي: في كلّ كتابٍ أنا آخَرٌ كأنّه يكاد يكون غيري! لكنْ هذا سؤال لابدّ من طرحهِ على الكتابة وحدها ذلك أنّها الأمّ الوحيدة لهذه الذُّريّة  بلا ريب.


(2)

الكتابة أجمل أنواع الفذوذيّةِ وأشرسُها، فأنْ أكون شاعراً وكاتباً من هذا النّوع لابدّ أن أجترح أسلوبَ لعبٍ شخصيّ نصّاً وتنظيراً، ومن دون ذلك لن أكون سوى لاعب من بين آخرينَ كُثْرٍ، وهذا لم يكن كافياً ومُرضِياً لي قطعيّاً يوماً ما.
من أوّلٍ لم أعرف من مَسّني مسَّ مقتدرٍ فإذا بي كأنّي على رَفـرَفٍ له وجهُ غيمة لشدّة بياضه يكاد لا يَبينُ، حَطّني وسطَ هائلات حُسنٍ: قامت أشمسُهنّ وشقّت بظِفْـر مائلٍ إلى الذّهب ما تحت ثديي الأيسر شقّاً لطيفاً، وصارت تقلّبُ بين يديها ما يُشبه كهفاً له شكلُ قلبٍ، تقلِّبُ وتعجبُ من شتائه الزّمهريريّ الطّويل. ثمّ قامتْ أَبْدرُهنّ وشقّت بظِفر ضاربٍ إلى الفضّة ما بين عينيّ وأخذت تقلّبُ النّظرَ، وكانت كلّما أشعلتْ نجماً كان من خلفها يطفئهُ مثلَ شمعةٍ بإصبعه الظّلام. 
 أحلامي لم تكن يوماً مكلِفةً وإنّما صغيرة  كبَتلاتٍ في مُقتبَل الشّتْـل لو أعلنتُ عنها لتندَّر عليها أكثرُ الشّتّالينَ تواضعاً وأقلُّهم حظّاً وشأناً! كم كنت أحتاج ولو إلى أيّة فضْلةٍ من أيّما سَقْط متاعٍ لأيّما حظّ شرطَ أن لا يكون جافّاً وأعمىً كما جرتِ القِسمَة والنّصيبُ معي! أحتاج إلى أن لا يحتاجني أو يفتقدَني أحدٌ، وأن لا أفتقدَ أحداً. أحتاج إليّ وأنا في مُقتبَلي إذ ربّما أدبِّر عيشاً غيرَ الذي عشتُ: لكنتُ وقتَها انتخبت أكثرَ أنواع الكتابة لِيْناً، فأكون الواضح الأَتِيَّ ليِّنَ الجانب الجماعِيَّ طويلَ البالِ الثّابتَ المَرضِيَّ عنه المداهِنَ الذي يُؤْلَفُ ويُحَبُّ لرقّة حاشيته وانبساط وجههِ، إلى آخر ما لستُ ما كنتُه وما أنا السّاعةَ عليه. حتّى بَتلاتُ هذه الأحلام على فساد أغلبِها تجاهلَها بستانيُّ الحظّ، مع هذا لا أزال خلف نَوْلِ عيشي منصرفاً إلى حياكة بساط ريحٍ لأحلامي. ولكن لو لم أكن كما قدَّمتُ لكنت فقدتُ متعةَ أن أحلم بي: مُعذَّباً كما أنا الآن عليه إذ إنّ للأحلام كما لأيّة قوّة خدّاعةٍ أخرى سحرَها وعجائبَها. مع هذا إنّ ما يُبلبلَني يُسعِدُني لأحلم أكثرَ من دون أن أعيش فعليّاً هذه الأحلام التي أتعبتُها بتعويلي عليها. 
كم قاومت النّوم بالشّاي والقهوة، وأتعبت اليقظةَ طويلاً بسهري على الأحلام. أتعبتُ مناصبةَ الحظِّ العداءَ لي باللوم. أتعبتُ من يفتقدني ومن لا يفتقدُني. أتعبتُ الكآبةَ اللصيقةَ بي بالنّدم. أتعبت الكتابة بالتّكهُّن والتّشذيب والتّثـقيف والنَّمنَمة والتّشذيرِ والحَبْك والحياكة والصّياغةِ حتّى كدت أتيهُ بين الأقواس وقواعد الإملاء والنّحو والصَّرف والمدسوساتِ والعَنْوَنات والهوامش والمتون. تعبتُ أكثرَ من ما يبتغيه لي ألدُّ أنواع البخوتِ وأشدُّها قسوةً حتّى بدأتُ: أفقدُني. ولكي أُرِيحَ وأستريح بِتّ أكـدُّ لأظلّ حالِماً كي أَنسى مثلما دائماً أُنْسى. 
أنا أكثرُ بكثير من حزينٍ، أنا ريحٌ غليظة القلب وربّما أشهرُ عصفورٍ في قلّة الحيلةِ وحيداً أقفُ على غصن وحيدٍ لا أعرف حتّى مَن أنتظِرُ، أنا وإنْ كنت كما هلالٍ كُتِبَ عليه أن يظلّ وحيداً إلّا أنّ عزائي في بعض ما أبعثُ إلى نفسي من ضوء نحيلٍ وسطَ ظلام حِنْدسٍ، أنا من أوّلٍ شُبْهةٌ لِما حولي ودائماً ما أكون مُستعصياً على كلّ عيشٍ مؤتلف وطمأنينة ممكنةٍ، أنا كأنّي أعيشُ في حَصّالةٍ مكنوزاً لأمرٍ ما، أنا لست ميّالاً إليّ حكيماً ولا فيلسوفاً إذ لستُ سوى نَسّاجِ أحلام وأوهامٍ وبازلِها قبلَ أن أكون خيّاطها ورتّاقَها. أنا ماذا يمكن أن أصنع بكلّ هذا التّوحُّش سوى أن أظلّ أغطسُ عميقاً في تأمّلاتي؟ أنا وإنْ كنت مُتحوِّلاً كما كثبانِ صحراء إلّا أنّي غالباً ما أحلم بعيشٍ أخضرَ مليءٍ بالطيور والحَبّ والأعشاشِ، فلي قلبٌ من تربية الينابيع. أنا كما سارية مبتلاةٍ برايتينِ: راية ((ما إمامي سوى عقلي)) وأخرى للقلوب الكسيرة وأعمالِها. أنا بسيط طاعنٌ في الطّفالة جدّاً وإن بدوتُ عابساً زاوياً ما بين عينيّ جدّاً. وحيدٌ أنا جدّاً كما شمعةٍ أرجفُ في عالَم حُدوسٍ حِنْدِسٍ جدّاً. أنا مَن تتحشّد في جيوبه الصّواعِقُ والبروق ظانّةً الغَشيمةُ أنّي الرّعدُ حقّاً. بستانيُّ نفسي أنا، شمسُها والبئر والدِّلاءُ والسّواقي وحطّابُ أدغالِها. أنا ساعة شمسيّةٌ في ((ساحة صقور الحضَرِ)) والوقتُ مَوصِليّاً خارجٌ عن الخدمة منذُ العاشر من حزيرانَ 2014. أنا ((فيلسوف عوّاءٌ)) يجوب خرائبَ نمرود هائلاً على رأس أُمّته العراقيّةِ التّرابَ: يلوبُ، يندب، يلطمُ، يشتُم، ويجدِّفُ على التّاريخ. أنا من لا يعنيه أن يتحلّق أيُّ مريدينَ من حوله ولهانينَ بلَهْم زرنيخهِ، والتّـأدّمِ بفُتات كاغدهِ، وحَسْوِ حِبر سحرهِ الأسود. أنا ما عاد يعنيني أحدٌ إذ ما عدتُ أُحِبّ أن أفتقِدَ أحداً أو أُفْتـقَـدَ من أحد. أنا حتّى لو كنت عشتُ مثلَ شجرة وارِفاً كما تمنيّتُ مرّةً، لكانت أتعبتني الثّمارُ والقَطاف والشّمسُ والرّيح والنِّمّال وحصى العابرين. تعبتُ حتّى من أعمال الكتابة، ومللتُ من الخدمة بين يديها. أنا حتّى وقتَ كنت فاتناً عشتُ كما لو أنّي موقوفٌ وربّما مملوكٌ لكلّ من كان مفتوناً بي: كم من  نادمٍ أنا جدّاً وجدّاً إذ عشت مُقدِّماً فروضَ من أحببتُ على أهوائي الشّخصيّة جدّاً. أنا من له صورة فوتوغرافيّةٌ بالأبيض والأسودِ وإلى جانبي يقف عيشي بئيساً مُكفهرّاً مصفرَّ الوجهِ، يدُهُ على كتفي وعيناه سارحتانِ في البعيد(آلصّورةُ وإنْ كانت من شُغل مرادٍ الدّاغستانيّ غيرَ أنّها ضاربةٌ إلى الصُّفرة، ويكاد فَطْرٌ نازلٌ بين عيشي وبيني يشطرها إلى نصفين. في قَـفـاها تعليقٌ بخطّي يقول: من المناسب والصّورةُ على ما هي عليه أن تعيد مرّاتٍ قراءةَ فنِّ العيشِ طويلاً لِلِيسْيوس). 
أنا صحيحٌ حالِم مهزومٌ في ما عشتُ، غير أنّي أكيدٌ منتصر أمام نفسي فأنا بامتيازٍ صائغُ خَيْلات كلّ ما كتبتُ ومُروِّجُ حالوميّاتها ولعناتها، هزائمِها وآمالها، ندمها وانتصاراتِها. ربّما ما أنا، على ما انتهيتُ إليه اليومَ، إلّا: أنا/ وأنا مُمسِكانِ هكذا بِخَناقَـيهما حتّى النّهاية. 

وأخيراً:   
         حتّى لا أُمَيَّلَ فأُطْوى لأُكْسَرَ                                                                                                                                                                        من أوّلٍ غصَّنتُ نفسي،          
        وذخّرتُها بالكثير من حَبّ الأمل، وماءِ الأحلام.