تشرين2/نوفمبر 08
   

   بلمحة بصر خاطفة سقطت من زاوية عيني سهواً لاحظت شروده الرتيب. كان محلقاً في فضاءات قصية جداً، حتى أن جسده الممتلئ نسبياً، بالكاد يشغل حيزاً في المكان الذي نجلس فيه، أو هكذا شعرت في تلك اللحظة التي أسقط فيها فتيل الشمعة الذي كان يتوسط المسافة القصيرة بيننا ضوءاً، سرعان ما خبا ومن ثم تلاشى في ضوضاء الأحاديث المتفرقة وروائح القهوة ونكهات الشاي والمعجنات الحلوة والمالحة. كان يجلس كما اعتاد على الكرسي القريب من المدخل، بيني وبينه طاولة دائرية الشكل دُمجت بطاولتين أخريين، فشكلت ثلاثية تشبه زهرة تتوسط عددا من الكراسي المتلاصقة، وبشكل أدق يشبه شعار الحركة الكشفية، او كما نسميها نحن الكشافة، حيث يجلس بقية الشلة، وأمامه كتابٌ، فقد دأب على المجيء الى المقهى يتأبط كتاباً يضعه على الطاولة حين يجلس ويحمله معه عندما ينفض المجلس، يعود به الى بيته ماسكا اياه باليسرى المتكنة على القلب، ويسير بخطى ثابتة كما لو كان محارباً يريح بندقيته على كتفه.
أسرت له ذات مرة ما كنت أفكر به حول طريقة حمله الكتاب، فكان جوابه المبتسم المعهود "العن قلبك".
فنبتسم لابتسامته. كانت حالته تلك ليست سوى مرحلة انتقالية الى التلاشي التام للذاكرة، تلك التي كانت خزاناتها ممتلئة بصدى الأحداث التي فاضت بها الأزمنة والمسافات، التي تسابقت لاهثة وراء أحلام تقنعت بأضغانها، فقد بات يأتي الى مقهى الخميس في موعده المحدد، وبعد أن يلقي بالتحية على الجالسين برفع يده، يتخذ مكانه دون حراك. يبقى هكذا طوال الجلسة حاضراً جسداً فحسب، وقد تمر من بين مسامات روحه ذاكرة شاحبة مسرعة يحاول الامساك بها، لكنها تنزلق من يديه كنحت خيال ثم تذوب وتتلاشى في القصي البعيد. يظل يحرك رأسه بين الفينة والاخرى تعبيراً عن تأكيد حضوره ومشاركته مستمعا، وإن سأله أحد عن شيء ما، تأتي كلماته بطيئة غير مسموعة متعثرة بحروفها.
لوهلة شعرت بأن لمحة البصر طال مداها، لذا حاولت تقطيع شباك نظرتي التي نسجها عنكبوت اللحظة الهاربة من مديات الزمن المحاصر بالأسئلة الموجعة التي لفحتني سخونتها، فأدرت بصري نحو الباب، أبحث عن قشة تنتشلني من غرق لا مناص منه. عندها تملكني، وعلى حين غرة شعورٌ أخذ يحفزني الى أن أسافر معه محلقاً بالفضاءات التي وصل اليها.
أغمضت عيني برهة وحين فتحتهما وجدته ماثلا أمامي بكامل قيافته وأناقته المعهودة. كان ذلك في موسكو في اذار من العام 1991 حيث برد عاصمة الثلوج قارص، حد اللعنة، وبالرغم من أنني عشت في اوروبا سنوات طوال وأعتدت على برودة الطقس اللاذعة، حيث كانت درجات الحرارة تهبط الى 30 وحتى الى اربعين درجة تحت الصفر، كنت اشعر بالبرد. لكن شمس موسكو في تلك الفترة من السنة تمنحك إحساساً بالألفة والدفء على نحو ما. كان هو يقف متكناً على منصة الكسندر بوشكين في ساحة بوشكينسكايا أو ساحة بوشكين، وسط موسكو، والتي تعد من أكثر الساحات ازدحاماً، ولولا أنه أومأ بيده إلي، لما كنت عرفته إذ كان يرتدي معطفا سميكا ويعتمر القلنسوة الروسية المسماة بـ"أوشانكا" التي تشكل رمزاً روسياً مشهوراً وتذكاراً شعبياً، تماما مثل دمية "الماتريوشكا" وآلة العود الروسية "بالالايكا" كنا قد اتفقنا على اللقاء عند بوشكين لنذهب بعدها سوية الى المقهى الشهير الذي يرتاده العراقيون، ومن بلدان أخرى. حينما وصلنا كان عادل اسماعيل قد سبقنا الى هناك. كان عادل يعمل محرراً ومترجماً في صحيفة انباء موسكو، قبل أن تحرقها نار البريسترويكا التي اشتعل أوارها في تلك السنة بالذات، التي أصاب لهيبها، مراكز ومؤسسات كثيرة، من بينها الأسواق التي باتت تصفر من شحة البضائع والتضخم بالذي بلغ مستويات عالية، فتجد في المحلات علب الكارتون الفارغة، حلت على الرفوف بدلاً من البضائع، وامتدت الطوابير على السلع، والمطاعم الرخيصة والأكلات الجاهزة والسريعة، لكن أطول طابور وقف فيه الموسكوفيون حينذاك كان على الماكدونالز، الذي فتحت له أخيراً الابواب الروسية، بعد طول انتظار، وأولها كان بالقرب من بوشكين.

في تلك الاثناء مرت بخاطري فكرة ظننتها بسيطة إذ حاولت استدراج نفسي الى المقارنة بين أحاديثه وديناميكيته في مقهى بوشكين، في موسكو، قبل أكثر من ثلاثين عاماً وما تلاها في ستوكهولم او في بغداد في مناسبات لاحقة، وبين جلوسه الصامت الآن في مقهى "آفنين" وسط العاصمة السويدية. في أحاديثه ومناقشاته، كان يتحدث بعبارات مدوزنة بفواصل تعطيه مساحة من التفكير فيما يقول، وحتى بعد ان تبدأ "الستاليجنايا" ـ كما كان يلفظها هو على الطريقة الروسية الخالصة، الخالية من بهارات المهاجرين الذين يحوّرون المفردات الأجنبية بما يتلاءم وطريقة ما اعتادوا عليه النطق ـ ارسال علم الأصوات النطقي الفونيميك، والفوناتيك، بعزف سمفونيتها الهادئة التي يثقل دبيبها اللسان ويبطئ الكلمات، يحاول أن يبقيها محافظة على وقارها وعلى تفرده في ذكر بعض مصطلحاته الوصفية التي أصبحت ملازمة له، كمصطلح "الأرأس" الذي استعاره من المفكر هادي العلوي، وظل محتفظاً بنبرته الخطابية التي يلجأ اليها كلما حاصره سؤال لم يكن متهيئاً لجوابه بالعامية فتلوح له الفصحى، فيأخذها كما هي غير آبه بمطباتها. نعم، أعرف بأنني سرحت كثيراً في مخيلتي الهائمة في الفضاء البعيد. لكننا نحن الاثنان بتنا الان في مدار واحد. وأنا أسمعه يتحدث عن مسقط رأسه، أو مكانه الأول، كما يحلو له أن يسميه، عن الناصرية، حيث ولد فيها في العام 1944 التي حمل أسمها كنية ظل يطوف بها بلدان التغرب والمهاجر. وهو عندما يصفها يقول انها مدينة التناقضات، المتطلعة نحو الشمس، فهي تجثو على نهر، لكنها تشرب من مياه نهر اخر، أو يستعير في وصفها من الباحث حنا بطاطو في دراسته "الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية" بأنها "المدينة المشهورة بروح الحرية التي لا تقهر".


في موسكو كنا نلتقي في كل يوم تقريباً، أحياناً نلتقي في بيت عادل وبصحبة آخرين، وأخرى في المقهى، بعد أن ينجز كل واحد منا أشغاله. وأنا قد حالفني الحظ، الى جانب معرفتي به، بأن الرفيق الذي سكنت غرفته يدرس الأدب الروسي، وكانت مكتبته مليئة بروايات روسية مترجمة، نقل جلها الى اللغة العربية الروائي الكبير غائب طعمة فرمان، الذي التقيته في بلغراد في أكتوبر من العام 1988 في المؤتمر العالمي للكتّاب الذين يعيشون في المنافي وبلدان المهجر، حيث اسهمت بدعوته الى هذا اللقاء الذي نظمه اتحاد كتاب صربيا، حين كنت أعيش في البلقان، وقد دعاني هو لزيارته في موسكو، لكنني ذهبت الى عاصمة الثلوج متأخراً على دعوته، فلم أجده فوق الأرض التي غادرها قبل عام من ذلك التاريخ ودفن قريبا من المكان الذي كنت اسكن فيه.
في تلك الفترة لم يكن الناصري منشغلاً بتموز، بثورتها، وبقائدها، بعد، كما عرفناه لاحقاً وبتخصص تام، فهو قد درس في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ببغداد، وعُين بعد تخرجه موظفاً في وزارة الشؤون الاجتماعية، بصفة مفتش عمل. ومن ثم تخصص في مجال الأجور والحركة النقابية في العراق، بعد أن شارك في دورات تعليمية قصيرة، برعاية الأمم المتحدة، اكتملت بالتحاقه بالدراسة العليا في معهد موسكو للاقتصاد الوطني - بليخانوف. وكان ذلك عام 1973 حيث انجز دراسته في المجال الاقتصادي في العام 1979، حاصلاً على شهادة الدكتوراه، لكنه ومنذ صباه كان ميله قاسمياً بحكم عدد من العوامل الذاتية والموضوعية: نشأ وترعرع في بيئة أكسبته خلفيته وطنية، إذ أن أباه كان منتمياً الى الحزب الوطني العراقي في الناصرية، ثم وبعد انتقال العائلة الى بغداد أصبح كادراً متقدماً فيه خلال ثلاثينيات القرن الماضي، كما كان قد شارك في حركة سوق الشيوخ في العام ١٩٣٥، وحكم عليه بالسجن مدة ١٥ عاماً، ومن ثم اعفي عنه وعن بقية المشاركين في تلك الانتفاضة المسلحة، بُعيد تشكيل حكومة الانقلاب الأول. تنتمي أسرته اجتماعياً الى الفئة فوق المتوسطة من حيث الدخل والمكونة من خمسة أخوة وأربع أخوات كان ترتيبه الخامس بين افرادها الذين بينهم من نال شهادة جامعية عليا، وآخر آثر الاهتمام بالعمل الثقافي والسياسي. كما عزز هذه الخلفية وجود مكتبة العائلة التي كانت عامرة في علوم التاريخ والفقه واللغة. الا انه في اواسط الاربعينات، وعلى اثر الازمة الاقتصادية التي حصلت في العراق، انحدر الوضع الاقتصادي للعائلة الى ما دون المتوسط، ومع بداية الخمسينات انتقلت عائلته الى بغداد، وسكنت في محلة صبابيغ الآل الشعبية، وهناك نشأ عقيل وترعرع في اجواء تشابكت فيها العلاقات الاثنية والطائفية الاجتماعية، وفي خضم الصراعات السياسية التي افرزتها الاحداث السياسية التي عاشها العراق خاصة ودول المنطقة بشكل عام في خمسينات القرن الماضي، وكل هذه الشرارات المنفلتة قد أوقد لهيبها فتيل التساؤلات في ذهن الفتى، عن ماهية القوى التي بيدها مفاتيح الحل لفك عقدة الازمات التي عجز الفكر التقليدي واللاهوتي عن الإجابة عليها. في تلك الفترة انجز الدراسة الابتدائية ومن ثم المتوسطة. لكن بدخوله الجامعة بدأت حياته تميل الى دراسة الواقع المجتمعي بمنهجية اكثر قرباً من الحياة العملية، مبنية على أسس مادية جدلية البعد لفهم الظواهر، فتعرف على عدد من الزملاء في الدراسة والفكر والطموح، وتخرج من الجامعة ليواجه المجتمع بأول خيبة أمل عانى منها كثيراً، بسبب عدم حصوله على عمل في الدوائر الرسمية فشعر بغياب العدالة حيث يجد من هُم اقل منه شأناً من الناحية العلمية والدراسية يحصلون على وظائف مرموقة، بعد تخرجهم، لا لشيء سوى أنهم من ابناء النخبة الحاكمة. حتى جاءته فرصة المشاركة بامتحان القبول في وظيفة مفتش عمل في مديرية الخدمة العامة. رغم ان هذه الوظيفة كانت بعيدة عن اختصاصه، لكنها فتحت له نافذة نحو مسارات وظيفية تطلبت منه الى جانب الخبرة التطبيقية مهارة نظرية، تمكن من تلبيتها، فكان اول بحث اجراه حول اجور العمال والحركة النقابية في العراق.
وأول محطة في حياته المكانية مذ غادر الوطن، كانت موسكو التي جاء اليها في العام 1973 لتعميق دراسته للعوامل الاقتصادية والاجتماعية المحددة للأجور. وفي 21 آذار العام 1979 دافع عن اطروحته ونال شهادة الدكتوراه. ولم تكن الدراسة وحدها التي حققها عقيل في موسكو، بل وفي بناء اسرة فقد تزوج من زميلة له في المعهد. وفي ذات الشهر الذي حصل فيه على شهادة الدراسات العليا، ولدت ابنته نادية.
كان عقيل مفعما بالأمل مشرئبا بعودته الى الوطن والعمل في مجال اختصاصه، لكن بعد حدوث ما اسماه النكبة السياسية في البلاد وانفراط التحالفات والانفراد بالسلطة من قبل البعثيين، وما قاموا به من اعتقالات واغتيالات وسجون لحلفاء الامس من الشيوعيين واليساريين والديمقراطيين، حذره الأهل من العودة في تلك الفترة القاسية ونصحوه بالبقاء في مكانه، الى أن تتحسن الظروف وتستقر الأحوال. لكن لا الظروف استقرت ولا الأحوال تحسنت في العراق، بل وحتى في موسكو التي شكلت، كما قال عنها الحلقة المركزية الثانية في حياته، حيث تعمقت فيها رؤيته للمجتمع الروسي وعرف فيها شيئاً عن العلاقات الإنسانية، وتعرف من خلالها عن قرب على جملة من الفنون كالباليه وسماع السمفونيات بدأ يحس من خلال المصاهرة والعيش المشترك، ان الحياة فيها بدأت تئن من واقع تطورها البطيء جداً وتنامي البيروقراطية فيها. كل هذا دفعه الى شد أحزمة الكتب وأمتعة الترحال الدائم في بلدان التغرب. كانت الجزائر محطته التالية، إذ عاش في الجزائر العاصمة ومن ثم في وهران الجميلة. كانت الجزائر في تلك الفترة قد فتحت ذراعيها لاستقبال الكوادر العلمية العراقية وفي كافة المجالات، فعمل عقيل في التدريس الجامعي، وكتب بحوثا حول الأجور نظريا وفي الاقتصاد العراقي، وأشرف على عدد من أطاريح الدكتوراه ورسائل الماجستير. والى جانب عمله التعليمي فقد كان فعالاً على صعيد العمل الفكري، حيث كان عضوا في لجنة الدراسات والقضايا الفكرية، التي ضمت شخصيات سياسية وفكرية عراقية ماركسية، من بينها "مع حفظ الألقاب" كاظم حبيب، عبد العزيز وطبان، صالح ياسر، حسام جبر وغيرهم. لكن ذلك لم يدم طويلاً فالوضع تبدل في الجزائر، بعد صعود الاسلاميين للسلطة؛ حيث شهدت الجزائر حملة لقمع مظاهر الحياة الثقافية ومؤسساتها وتقييد الحريات كما اندلعت عمليات الاغتيال، وظهرت الى السطح مسألة معاداة الأجانب، فغادرت الكوادر العلمية العراقية الجزائر وانتشروا في بلدان العالم. فعاد الناصري القهقرة الى عاصمة الثلوج، بحثا عن مكان قريب من أهل زوجته، لكن هذه الرغبة سرعان ما اصطدمت بالقوانين التي لا تسمح بالعيش بالمكان الذي يرغب فيه، بل في المكان المسجلة فيه الزوجة، وهي قرية على تخوم موسكو، معظم سكانها يعملون بالزراعة وقسم ضئيل يعمل في معمل نسيج قديم، والآخر عاطل عن العمل. فعاد التفكير بشد الرحال من جديد، وهذه المرة الى السويد محطته الأخيرة مرغما، "فالعين مازالت ترنو نحو بغداد والقلب يخفق فيها، ينشدان المستحيل والموانع كثيرة"، حسب وصفه.
ظل الناصري في مستقره الأخير قلقاً من فكرة ان لا يعود الى الوطن، فخفف من وطأة هذا القلق بمشاركته الجالية العراقية في فعالياتها الثقافية والاجتماعية والسياسية، حيث أسهم في تأسيس التيار الديمقراطي العراقي في ستوكهولم، ولجنة الدفاع عن حقوق الانسان، واتحاد الكتاب العراقيين في السويد وغيرها. لكن الشيء الأهم في حياة الناصري والذي امده بالعزيمة والاستقرار النسبي هو لجوؤه الى البحث والتقصي في القضية الأهم و"الارأس"، في تاريخ العراق، خلال القرن العشرين، الا وهي ثورة 14 تموز 1958 وقائدها عبد الكريم قاسم. وقد بدأ الأمر، ان لم تخنّي الذاكرة، هكذا ...
إتصل بي عقيل ليخبرني عن كتابته مقالا ويريد مني مراجعته قبل ارساله للنشر. كان المقال عبارة عن قراءة مكثفة لما حدث في آخر يوم من عمر الزعيم عبد الكريم قاسم في شباط 1963 وصدر المقال على هيئة كراس ملحق بجريدة المجرشة، التي كانت تصدر في لندن بادارة الفنان التشكيلي فيصل لعيبي، في عدد شباط للعام 1979 بعنوان "ليلة الصعود الى سماء الخلود". لم يكن الإصدار مقالاً عاديا وعابراً، بل مادة بحثية، قدم فيها الباحث عقيل الناصري دراسة تحليلية لليوم الأخير من حياة الزعيم عبد الكريم قاسم، ورغم قلة صفحاته التي لا تتجاوز عشر صفحات بحجم A4 أو 40 صفحة  A6 مدعماً بـ 70 مصدرا استند اليها الناصري، عن الزعيم الذي يعد من اكثر الشخصيات التي حكمت العراق اثارة للجدل في تاريخه المعاصر، فضلا عن ذلك فإن عنوان المقال او الكراس يشي بتأثره باعتقاد فئة واسعة من الناس بأن الزعيم عبد الكريم قاسم الذي لم يشهد العراق قائداً للسلطة نزيها وشعبيا مثله على مدى تاريخ العراق.
كان بمثابة حلم جماهيري تجلت صورته كمنقذ منتظر من حالة البؤس والمعاناة التي عاشوها ومازالوا يتطلعون نحو غد سعيد، تحول هذا الرمز الى اسطورة عند البعض، ومنهم من ظل ولفترة طويلة يعتقد بأنه لم يمت وبعض منهم كان يراه كلما نظر الى السماء في اكتمال دورة القمر. رغم توثيق إعدامه بالصوت والصورة، بعد أن حاصره منفذو انقلاب الثامن من شباط المشؤوم في العام 1963. وتحضرني في هذا السياق قصة عشت تفاصيلها وانا في التاسعة من عمري.
ففي أحد الأيام وبينما كنت عائداً من المدرسة سيراً على الاقدام أحث الخطى الى دارنا، وإذا بي أشاهد جمهرة من الناس تقف امام البيت. توجس قلبي من أن حادث مؤسف قد حصل. لم انتظر طويلا حتى اندفعت مسرعا للدخول الى البيت فمنعني أحد الواقفين، فقلت له هذا بيتي أعيش فيه مع اهلي. أجابني الرجل بأنه يعلم ذلك، ويعلم ايضاً بأن أهلي بخير، ولكن هناك أحد الأشخاص أبلغ الشرطة بأنه رأى الزعيم عبد الكريم قاسم، متوجها الى بيتكم؟ فتحت عيني على وسعيهما، ونظرت ببلاهة للجمع الغفير ثم انفجرت بالضحك. سألني أحدهم: ولم تضحك؟ فأجبته فرحاً، بأن الزعيم لم يمت، ومجيئه الى بيتنا، ليتأكد بنفسه من أن هديته وصلت. فضحك الآخرون. وسألوني عن اية هدية اتحدث؟ قلت لهم، ان الزعيم، أرسل الى جميع بيوت العراقيين التي ولد فيها طفل في يوم تورة 14 تموز حقيبة تحوي ملابس وأشياء كثيرة أخرى خاصة بالاطفال. وفي بيتنا ولدت أختي التي اسميناها كريمة تيمناً باسم الزعيم عبا الكريم قاسم.
كان ذلك الإصدار "المجرشي" قد شكل انطلاقة الناصري في البحث العميق في ثورة 14 من تموز، وما أسسته من ركائز لبناء دولة مدنية حرة لم يشهد لها العراق، بل والمنطقة مثيلاً من قبل. وحصيلة كل هذا الجهد الكبير، كماً كبيراً من الدراسات والمقالات في وسائل الاعلام والتواصل المختلفة، فضلا عن تقديمه الندوات التي كان يدعى اليها من قبل الأندية الثقافية العراقية التي انتعشت في بغداد، بعيد سقوط النظام السابق، في محاولة لإرواء الظمأ الفكري والمعرفي الذي خلقه النظام الشمولي عند الفرد العراقي، ومنه العودة الى ثورة 14 تموز لدراستها بموضوعية، وعكس نتائج افشال تجربتها على الحياة الاجتماعية والسياسية اليوم وحتى في المستقبل، باعتبارها الثورة الرائدة، التي مكنت من صعود طبقات جديدة الى سدة الحكم، بكل ما حملته من قيم ومعايير وبنى ثقافية رسمت خارطة عراق جديد، بزعامة قائد اثبت، رغم قصر امد حكمه، (الذي امتد من 14 من تموز 1958 حتى الانقلاب الدموي الذي قام به حزب البعث في 8 شباط عام 1963 انه رجل من عامة الشعب، بل "أصبح هذا الفقير المعدم ذو الثياب المهلهلة حاكماً، ليزحف زحف الذين كفروا على الاكواخ والصرائف وعلى كل ما فيها من تعساء ليحيلها الى شقق وعمارات وبيوت ترى لأول المرة النور والكهرباء والحدائق والشوارع، منتقماً من ماضيه، ثائراً على مرارة واقع البؤساء" حسب قول الشاعر محمد مهدي الجواهري.
كان عقيل فرحاً باهتمام الوسط الثقافي العراقي بمنجزه، وبما يتمتع به شخصياً من خصال اجتماعية طيبة وروح مرحة تتعطر بالابتسامة والتسامح، فحينما يكون في بغداد كان يجد نفسه. اذكر في احدى المرات التي كنت فيها في الوطن اتفقنا أن نلتقي في المتنبي، لنذهب بعدها الى مجلس السلم والتضامن في مقره الواقع قبالة أبي نؤاس. وصلت الى الشارع وقد سبقني اليه، بقينا بعضاً من الوقت الشارع بذروة الازدحام، ولم نستطع الخروج منه قبل أن تمر ساعة او اكثر، فالكل يلقي بالتحية على الناصري ويريد التحدث معه، وبعض الصحفيين يلتقطون له الصور طالبين منه تعليقاً، وما ان خرجنا من المتنبي عبر سوق السراي، حتى صادفنا "عبوسي" الفنان حمودي الحارثي، الذي صافحناه وتحدثنا معه، وكرر شكره لدعوة الجالية في ستوكهولم له في احد مواسمها الثقافية. وبينما هو يتحدث تجمع حولنا مجموعة من الناس الراغبين في الحديث معه، وكانت تلك فرصة للإفلات من الزحام واللحاق بموعدنا في مجلس السلم والتضامن. وفي تلك الزيارة وما بعدها، التقيت عقيل في مقر الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، وكان قد طلب مني ان أكون معه في الاجتماع الذي عقده باسم اتحاد الكتاب العراق في السويد، مع الامين العام الشاعر الراحل إبراهيم الخياط والناطق الرسمي باسم الاتحاد آنذاك الشاعر عمر السراي. بعدها جلسنا في نادي الاتحاد بصحبة الشاعر كاظم غيلان الذي تعرفت عليه في ذلك الوقت.
في لحظة تنبهت الى أن عقيل ليس في مكانه، سألت عنه فجاء الجواب مقتضباً لقد ذهب. لكنه ترك الكتاب الذي جاء به متأبطا إياه على الطاولة؟ ثم تذكرت أنني طلبت منه استعارته فأومأ برأسه علامة القبول، لكنني، ولسبب ما تركته في مكانه على الطاولة، لربما فكرت بأنني سآخذه لاحقاً حين ينفضُّ المجلس فيتفرق الأصدقاء كل الى بيته على أمل اللقاء في الخميس التالي. لكن ذلك التالي لم يأت فقد أبحر طويلاً في تخوم الزمن، تاركا وراءه ذكريات لا تنسى.