تموز/يوليو 17
      
   أما الدرويش صاحب الحكاية، فهو أستاذ الفلسفة العارف بفقراء الدراويش من أمثاله، خريج دار المعلمين العالية والإسكندرية وأكسفورد، د. كامل مصطفى الشيبي. وأما التلميذ، فهو الصحفي والباحث وأستاذ الفلسفة ورئيس قسمها السابق بكلية آداب بغداد د. طه جزَّاع.
ولئن كان اسم الأستاذ قد سقط من عنوان الكتاب برسمه، وبقي فيه بصفته وحكايته كدرويش من أتباع الحلاج ومريد من مريديه ومحققي بعض كتبه والباحثين عن قبره وما بقي من آثاره، فلأن هذا المتصوف الذي تذكّر حكايةُ صلبه عام 309 هـ زمن الخليفة المقتدر بالله العباسي بصلب السيد المسيح نفسه، يحتل موقعا مركزيا ورمزيا في الكتاب، يمكن أن نطل فيه، ومن خلاله على ما جرى للتاريخ العراقي وحملة الفكر الكبار فيه من اضطهاد وظلم وعنت منذ تلك العهود البعيدة.
واستعراضُ حياة د. كامل مصطفى الشيبي طالبا واستاذا ومفكرا وكاتبا ومحققا، كما رواها التلميذ بحرفية واتقان وحميمية بالغة، لا تجعل حياة الدرويش المريد بعيدةً عن حياة ذلك القطب في إطارها العام ومغزاها الرمزي، الذي يحتل عنصرُ التضحية فيها موقعا متقدما لا يكاد يفوقه عنصرٌ آخر. ولأن الكتاب، كما يصفه التلميذُ المؤلف، أقربُ إلى الرواية منه إلى أي نوع آخر، فقد جاز له، فيما نحسب، أن يكتفيَ بالإشارة دون الإيضاح في العبارة، على طريقة المتصوفين ولغتهم الرمزية. وهي "رواية" فيها من الغنى والتنوع في الموضوعات التي ترد على لسان الأستاذ مرة، وعلى لسان التلميذ مرة أخرى، ما يجعلها نوعا من (جامع النص) الذي لا يكاد جانب من جوانب حياة الأستاذ ومواقفه ومؤلفاته وأسفاره وأشعاره وعلاقته بتلميذه، تفلت منه.
 ويمتلك المروي عنه في الكتاب د. الشيبي هو الآخر موهبةً روائية وحكائية لا تضارع، بحيث تكفي سنة واحدة يقضيها في دار المعلمين العالية في عهدها الزاهر بين 1946-1945 قبل أن تتحول إلى كلية التربية ابن رشد الحالية عام 1958 لكي يروي عنها ما يشكل مصدر سعادة وابتئاس له ولكل من خبر تلك الدار، التي كانت (عالية) فعلا بكل ما فيها من أساتذة عراقيين وعرب وأجانب، ومناهج ورفاق ورفيقات درس ونشاطات ثقافية مبهرة، وقارن كلَّ ذلك بحال هذه الكلية وكلياتنا الأخرى هذه الأيام وهذه السنوات.
وتكفي هذا الراوي الاستثنائي، كذلك، ثلاثةُ أيام يقضيها عام 1990 في رحلة علمية إلى العاصمة الهندية نيودلهي للمشاركة بالذكرى السنوية لولادة الزعيم الهندي المسلم أبي الكلام آزاد، لكي يروي من المشاهدات والزيارات والمغامرات والمعارف عن الوضع الثقافي والسياسي والمذهبي القائم في الهند آنئذٍ ما قد يعجز آخرون على روايته وهم يقضون شهورا وسنواتٍ في هذا البلد الكبير.           
   ومنذ لحظة اللقاء الأولى بين التلميذ، الذي دخل قسم الفلسفة بكلية الآداب بداية السبعينات من القرن الماضي أول مرة مكرها لا بطلا، ولقائه بالأستاذ في تلك الظروف المليئة بالشك وعدم اليقين، حتى اللحظة التي يصل التلميذُ فيها نبأ وفاة الأستاذ ومشاركته في جنازته ببغداد، نقرأ في هذا السفر الذي انطوى عليه الكتاب – الرواية، ومنذ أول حكاية فيه هذه الألوانَ من السيرة الذاتية والغيرية، من تلمذة وذكريات، وعشق يبدأ ولا ينتهي للحلاج والبحث عن قبره بمنصورية بغداد، كما بحث عنه قبل ذلك عاشقٌ آخر هو الفرنسي لويس ماسنيون مطلعَ القرن الماضي، إلى منهج الصوفية وأخلاقهم كما استقرت في فكر الأستاذ وحياته الأكاديمية، وظهرت في مقالات صحفية هي أقربُ إلى الأبحاث الصغيرة منها الى المقالات التقليدية، وجعلت منه مصدرا ثقة لكل مدونات الصوفية الدراويش وحيواتهم الداخلية التي تختلط فيها الوقائع بالأوهام والشك باليقين. وهو ما يحمل التلميذ على سؤال أستاذه في لقاء صحفي متخيل عن حقيقة الأمر وجليته في صلب الحلاج والسهروردي المقتول، والقطب الروحاني عبد القادر الكيلاني، وما ينسب إليه من قبل بعض أتباعه ومريديه من كرامات وخوارق حقيقية وزائفة؛ وغير ذلك من أمور تتعلق بآخر البهاليل البغداديين، الواقعين موقعا وسطا بين العقلاء والمجانين، وما يتصل بالكتابة والصحافة والفلسفة واللغة والشعر والدرس الفلسفي المعاصر في العراق. وغير ذلك مما يؤلف في مجموع الإجابات التي يقدمها الأستاذ عنها، ويستند فيها التلميذُ إلى وقائع ومدونات وأحاديث موثقة، ما يشبه السيرةَ الفكرية والأكاديمية التي تتمُّ الإجابة فيها على تساؤلات عملية معلقة لدى التلميذ، كما هي لدى كثير من شداة العلم وطلابه في الفلسفة وعالم التصوف السرّي، وغير القابل للدخول في حرمه وحرمته الداخلية المقدسة لغير المصرّح لهم من العارفين والعرفاء المعاصرين، أمثال المرحوم الشيبي. فهو يعرفهم معرفة مدققة كما لو كان عائشا بينهم، أفردا، وأنسابا، وأسبابًا، ونزعاتٍ فكرية وروحية موصولةً بالزمان والمكان والمنابع الثقافية المؤثرة والمتأثرة.
وما يقوله الدكتور الشيبي إجابةً على السؤال الخاص بشخصية الشيخ الجيلاني ذي المكانة الخاصة لدى الجزائريين واشمال العربي الأفريقي بشكل عام، في كلمته التي جاءت بمؤتمر عقد بقرية بوحنيفية بولاية معسكر الجزائرية عام 1987، على سبيل المثال، يمكن أن يعطينا فكرة عن الطريقة التي يعالج بها هذا الرجل موضوعاته الخاصة بهؤلاء الرجال من الناحية المنهجية:
  "إن البحث في تفصيلات الشؤون المتصلة بهذه الشخصية الراسخة في قلوب الناس، من ذوي التوجّه الديني في مشارق العالم الإسلامي ومغاربه، منذ أواسط القرن السادس الهجري، وإلى ما شاء الله، من أكثر الموضوعات أهمية وأدعاها إلى مجهود الباحثين في التصوف الإسلامي والنزعات الروحية على العموم لقلة ما يعرف عن هذه الشخصية من تفصيلات واقعية، وضرورة نفض الغبار عنها وجلاء صورتها ليكون دورها المتجدد في مجتمعنا المعاصر الذي يطلب فيه الناس على كل قول برهانا، وعلى كل رأي مرجعًا موثوقا به. وبهذا يستمر الدورُ الإصلاحي لمثل هذه الشخصيات التي كان لها أثرٌ بالغٌ في الماضي" .
           
ومعرفة الدكتور الشيبي الموسوعية بهذا العالم المضمر من الثقافة العراقية في العصور المتأخرة على نحو خاص، لا تغطّي على معرفته بأقطاب الثقافة العراقية ورموزها الأخرى السابقة والمعاصرة في الأدب والفلسفة والدين والشعر الفصيح والشعبي والدوبيت والغناء. وهو، بحسه الوطني الغالب، يدعو إلى إقامة تماثيل تليق بمقاماتهم وقاماتهم الأدبية والشعرية والفنية والفكرية المتميّزة.
وقارئُ كتاب الدكتور طه لا بدَّ أن يشعر برغبة مماثلة بأن الدكتور الشيبي يستحق هو الآخر مثل هذا التكريم المستحق بإقامة تمثال يليق به في قسم الفلسفة، وحتى بقسم اللغة العربية التي تميز فيها أدبًا رائقا، ونحوا، ولغة ومعرفة بالشعر ونظمه على نحو لا يتوفر لكثيرين غيره من أساتذة الفلسفة واللغة. والدكتور الشيبي لا يفرق في هذا التكريم بين عالم اللغة مصطفى جواد وتمثاله الفقير في مدينة الخالص، وبين الشاعر الشعبي الملا عبود الكرخي، وقارئ المقامات محمد القبنجي.
وألبوم الصور والتخطيطات الموجودة في نهاية الكتاب، والتي تستوحي حياة الحلاج وعذاباته، وتنتهي بصورة الدكتور الشيبي الشخصية، وصورة المؤلف وهو يقف إلى جانب قبر الحلاج، يأتي مكملا لما يحويه هذا السِفر على صغر حجمه من صورة بنورامية للشيخ الشيبي وعالمه الفكري وسيرته الثقافية والأكاديمية العطرة التي تلقي ضوءا كاشفا على مجمل العالم الأكاديمي والتربوي في الجامعات العراقية، وما يتصل منها بقسم الفلسفة، بشكل خاص في مرحلة دقيقة من عمر الجامعة العراقية.         
ووصيةَ المرحوم الشيبي لزوجته السيدة سماحة نفطجي، الموضوعة في صدر الكتاب
         " إذا متُّ في الغربة ارجعيني إلى بغداد"
تكفي بذاتها للدلالة على ما يختزنه هذا البغدادي الأصيل من حب وإخلاص لوطنه على الرغم مما لقي في هذا الوطن من جحود كان السمة الغالبة على تعامل السلطات العراقية في كل العهود مع العلماء النجباء من أمثاله.
 وهو ما يلخصه البيتُ الذي يستشهد به د. الشيبي:
                                               وتعجبني الأرض التي لا هواؤها      ولا ماؤها عذبٌ، ولكنها وطنْ
  
ضياء خضير: باحث وناقد أكاديمي عراقي يقيم حالياً في كندا