تموز/يوليو 17
 
    في ايلول او تشرين اول عام 1977 وصل الى بغداد عدد جديد من مجلة شؤون فلسطينية، وكان الشاعر محمود درويش يرأس تحريرها، وفيه الدفتر الاول من دفاتر معين بسيسو الفلسطينية.
    بعد ايام قليلة من وصول المجلة، وفي يوم واحد فقط قامت جريدة حزبنا المركزية (طريق الشعب) بـ (تعميم) هذا الدفتر في خمسين ألف نسخة، هي النسخ التي كانت تطبعها في كل عدد.
    ووصلت الجريدة الى معين واسعدته هذه التحية... بل اراد ان يشير اليها في مقدمة (دفاتر فلسطينية) حين نشرتها دار الفارابي عام 1978.
    كتب معين بسيسو في مقدمته:
“لقد تصدى الحزب الشيوعي العراق-حزب يوسف سلمان، رغم كل اعبائه في مرحلة 1959 للمؤامرة التي كانت تستهدف تصفيتنا الجسدية في زنازين السجن الحربي (في القاهرة – المحرر) بعدان غسلت إيديها تماما من اسمائنا – اجهزة الاعلام المصرية – اذاعة صوت العرب.
    لقد قام هذا الحزب العزيز بنشر اسمائنا والجرائم التي سبق ورافقت عملية اختطافنا، وجعل من قضية الحزب الشيوعي في قطاع غزة وقضية الجبهة الوطنية من قضاياه “.
    (الثقافة الجديدة) تنشر مجددا مقاطع من (الدفتر الاول) يتحدث فيها معين عن تجربته النضالية في العراق تحية من معين ليوبيل الحزب الذهبي، وتحية لمعين بسيسو الحاضر ابدا.
    وفيما يلي نص هذه المقاطع:
 
سافرتُ الى بغداد وكان في جيبي عقد مدرس. اول ليلة سهرت فيها في بغداد كانت مع ناظم حكمت. وبالدينار الوحيد الذي كان معي اشتريت زجاجة نبيذ وتفاحاً وديوان شعر ناظم حكمت. في الصباح سافر معي ناظم حكمت الى الديوانية ومنها الى قرية الشامية، ولقد ظل يسافر معي.
    أكثر من يحترم المدرسين هو الفلاحون. كانت المشكلة اين اقيم، وناظر المدرسة لم يكن يعرف ماذا سوف يفعل بي.
    تطوع أحد العراقيين واستضافني تلك الليلة. وحمل البواب حقيبتي الوحيدة.
    دعاني ناظر المدرسة لتناول العشاء معه، وبعد العشاء الى البيت الذي قبلني كضيف فيه.
    حين فتحت الحقيبة وجدت ان شيئا ما قد حدث ونظرتُ الى المدرسين الثلاثة فكانوا يبتسمون.
    لقد تم تفتيش الحقيبة. “عباس العادلي” يتقدم مني فاتحا ذراعيه وهو يلوح بديوان المعركة:
  • اهلا بك في العراق:
    كان ديوان المعركة الذي حملته معي من غزة الى بغداد هو اوراق اعتمادي كفلسطيني الى الشيوعيين العراقيين. لم يرتبط حزب شيوعي بالشعر مثلما ارتبط الحزب الشيوعي العراقي. لقد كان الحزب رئة من الشعر.
    في مدرسة الشامية كنت ادرّس اللغة الانكليزية. يطحنون سعف النخيل ويعجنونه ويصنعون منه اقراصا يجففونها تحت الشمس ويأكلونها. هؤلاء كانوا تلاميذي.
    لبعضهم كنت اعطي دروسا مجانية خاصة، وحينما أرسل أحد الاقطاعيين، “الشيخ ر.ع” أحد رجاله ليضربني، كان اباً لتلميذ كنت اعلمه بالمجان.
    وسقطت الهراوة من يد الاب. كان عامل مضخة للمياه، وكان اول من قدمت للحزب الشيوعي العراقي. في ذلك الوقت من بداية عام 1953 كان الحزب يقاتل ضد الانقسام وضد نوري السعيد، من اجل وطن حر وشعب سعيد.
    واتصل بي الحزب بعد ثلاثة أشهر من وجودي في الشامية، وقد تعلمت الكثير من اليد السرية لذلك الحزب.
    كنا نحن المدرسين الاربعة كل مدرسة الشامية الثانوية للبنين والبنات. وكانت مدرسة مختلطة وفي قرية في العراق عام 1935. كنت ادرس اللغة الانكليزية وعباس العادلي يدرس الرياضيات وكاظم الشمرتي يدرس اللغة العربية ومدرس رابع نسيت اسمه كان يدرّس الجغرافيا والتاريخ.
    وبدأت الايام تمشي في قرية الشامية، كنا نقدم الدروس المجانية للطلاب وفي المساء كنا نقوم بتصحيح الدفاتر وتحضير الدروس لليوم القادم، ثم تمتد المناقشة حول ما حدث في فلسطين وحول ما يحدث الآن في العراق. حادث لن انساه في حياتي فحينما بدأت مؤامرة نوري السعيد بطرد اليهود من العراق، كان من بين اليهود المطرودين شيوعية يهودية عراقية رفضت ركوب الطائرة فضربها عسكر نوري السعيد حتى سقطت فوق سلم الطائرة وجروها فوق وجهها الى داخل الطائرة وهي تصرخ:
  • هذا وطني.
    ومثلما الطائر تمتلئ حوصلته بالقمح، يمتلئ صدرك بنسيم الاساطير القادمة من يد الحزب.
 
 
    في ذلك البيت في الشامية كان كل واحد منا يتولى مالية البيت لمدة شهر. في الشهر الذي اصبحت فيه مسؤولا عن البيت كنت اعود ومعي سبعة او عشرة طلاب، وهكذا افلسنا في منتصف الشهر. ولم نكن نعرف في ذلك الوقت لا بقالا ولا بائع طيور.
    وهكذا جلسنا بعد الظهر ننظر لبعضنا البعض، وفجأة التمعت عينا عباس العادلي. كان ينظر الى الحمام في ساحة البيت. وبدأنا العمل فورا كأننا كنا نفكر في موضوع واحد. كل منا انقض على حمامة ولقد فوجئ الحمام، فقد كان طوال الوقت يمشي بيننا. منذ ذلك الوقت عشنا على اكل الحمام. وربما كنا اول من اكل الحمام في قرية الشامية. بعد ذلك اصبحت عملية اصطياد الحمام عملية صعبة جدا فلم يعد يهبط من اعشاشه على سطح بيتنا وينزل الى صحن الدار. كان علينا ان نستخدم السلم لاصطياده في اعشاشه، ووضعنا السلم فوق الجدار وكان مخلعا، صعد عليه عباس بعد حوار طويل، مدّ عباس يده الى عش حمامة ولكنها زاغت من يده وطارت وهي تخبط وجهه بجناحيها وتبعها الحمام واختل توازن عباس فوق السلم فسقط. وفي الصباح راه الطلاب وهو يعرج ورأوا الكدمات على وجهه، ولم يكن أي من الطلاب يعرف ان مدرس الرياضيات سقط من علو ثلاثة أمتار وهو يصطاد حمامة.
 
 
    بدأت منشورات الحزب وكراساته تظهر في قرية الشامية. كل شهر كانت تأتي البوسطة وكنت قد اقمت سقفا سرياً ثانياً تحت سقف حجرتي لأخفي المطبوعات. ومع ظهور مطبوعات الحزب بدأ البوليس السري في الظهور، ولكننا كنا بالنسبة لأهل القرية أربعة من المدرسين المحترمين الذين يقدمون الدروس المجانية ويسهرون ويصححون الدفاتر.
 
    “فريد ناجي” – حتى النار لا يمكن ان تمحو اسمه من يدي- كان اعز طلابي وكان مصاباً بروماتيزم في القلب. استعار مني رواية “الام” لجوركي ومات ولم يتم قراءة الرواية. وضع سعفة نخل في منتصف رواية الام وبعدها توقف قلبه عن الخفقان. وحملناه فوق سيارة وذهبنا لدفنه في مقبرة النجف. لقد رأيتهم وهم يغسلونه ولكنهم لم يستطيعوا ان يغسلوا اسم جوركي فوق جلده. اردت ان ادفن معه كتاب الام ولكنهم رفضوا. ربما خافوا ان يقوم كتاب بعمل انقلاب وهو تحت التراب.
    الخلية الاولى اعطت الخلية الثانية ولكن الامتحانات النهائية قد جاءت وكانت اهم الاحداث في المدرسة.
    بدأ حبر المناشير يفوح في شوارع الشامية وبدأت الرقابة البوليسية تشتد. كان عليَّ ان افعل شيئا ما كي أفلت من المقصلة. وجاء مندوب من الحزب وطلب مني السفر معه فورا الى بغداد. وسافرنا في الليل الى النجف ومنها الى بغداد.
    في بغداد كان قرار الحزب ان اغادر العراق، لقد انتهت السنة الدراسية ووزارة المعارف لن تجدد عقدي، ثم عليَّ ان احمل رسالة معي الى الخارج.
    وكانت رسالة الحزب حقيبة من الخشب امتلأ بطنها بمطبوعات الحزب.
    ولا ازال اذكر انني اصررت على حمل الحقيبة الخشبية:
  • إذا قبضوا عليَّ فلا يهم، اما أنت فهم يحتاجون إليك كثيرا.
    وسلمني الرفيق الحقيبة ومضيت بها الى فندق الرشيد.
    كانت هدية الحزب الشيوعي العراقي الى الشيوعيين المصريين والشيوعيين الفلسطينيين في قطاع غزة، وكانت من أجمل الهدايا التي حملتها في حياتي، وانا مدين بوصول هذه الهدية الى مصر وقطاع غزة الى مدرس فلسطيني من قطاع غزة كان يعمل في العراق اسمه كمال الطويل.
    حينما وصلتُ الى مطار القاهرة عرفت انني في القائمة السوداء وانطلق ذلك المدرس الى حقيبة الخشب ولقد اخبرته بمحتواها حتى يتخذ قراره. ولم يتردد. ضم الحقيبة الخشبية الى حقائبه وانطلق بها خارج المطار. وقد قام بالفعل بتسليمها الى الرفيق (خ.ش) الذي طلبتُ منه تقديم الحقيبة إليه. وهكذا نمت تلك الليلة في فندق مطار القاهرة الدولي وفي الصباح تم ترحيلي بالقطار الى غزة.
    حينما بلغ القطار محطة رفح الفلسطينية، كنت أحس بعجلات القطار وهي تكتب فوق القضبان منشورا جديدة للأرض.
 
* (الثقافة الجديدة)، العدد 152، آذار 1984
 
بضع كلمات عن معين بسيسو:
    لسنا نغالي حين نقول ان معين كان رفيقا لنا وابنا لحزبنا كما هو ابن الشيوعيين الفلسطينيين والثورة الفلسطينية.
    معين نفسه قال ذلك مرات ومرات.
    معين نفسه خاطبنا بأسمائنا السرية، وذكّرنا بخلايانا وخليته.
    عمل في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، وهو في السابعة والعشرين من عمره (1953).
    ونقل هدايا الحزب الى شيوعيي غزة كما يقول.
    وطيلة ثلاثين عاما ظل معين مخلصا لذلك (المران) الاممي الذي اكتسبه في حزب فهد بسرعة وجدارة، وواصله امينا صلبا.
    كأن نخلة عراقية غادرت... نخلة باسقة كما هو النخيل في العراق اخضر فارع وجميل وقريب من السماء.
    لقد غادرتنا يامعين قبل ان يكمل الحزب عامه الخمسين (وها هو الآن يكمل عامه التسعين)
    لقد غادرتنا قبل ان تشارك في يوبيله. سنبلغ الحزب تحياتك.
    وسنقرأ قصائدك.
    وسنهتف نحن رفاقك: سلاما.
    سلاما ايها الفلسطيني الشاعر.
    ايها المقاتل الشيوعي.
    وداعا يامعين بسيسو
    وكل عام سنقول لك وداعا من خلية شيوعية نسميها باسمك في العراق او فلسطين.
(م.خ)