
هذه القصة للكاتب الأمريكي إدغار بو هي واحدة من أشهر القصص في مجموعة قصص غير عادية، حيث يتنافس الخارق للطبيعة مع السادية - المرض العقلي؟ - في لوحة قاتمة.
تزوجت في سنّ مبكرة، وقد أسعدني أن أجد في طباع زوجتي ما يشبه طباعي. وإذ لاحظتِ ولعي بالحيوانات المنزلية المُفضّلة، لم تترك مناسبة تمرّ من دون أن تقتني منها الأجناس الأكثر إمتاعاً وإيناساً. هكذا تجمّع لدينا طيور وأسماك ذهبية، وكلب جميل وأرانب وقرد صغير وقط.
كان هذا القط حيوانًا قويًا وجميلًا بشكل لافت للنظر، أسوداَ تماماَ، وعلى قدر عجيب من الذكاء، كانت زوجتي، التي كانت لا تخلو في أعماقها من ايمان بالخرافات، عند الحديث عن ذكائه تشير كثيرًا إلى المعتقد الشعبي القديم الذي يعد جميع القطط السود سحرة متنكرين. لا أنها كانت جادَّة حول هذه المسألة، وإنما لأنه خطر على بالي في هذه اللحظة.
كان بلوتو - وهذا هو أسم القط - حيواني المدلل وأنيسي المفضل. وكنت أنا الوحيد الذي أطعمه، وكان يلازمني حيثما تحركت في البيت. بل كنت أجد صعوبة لمنعه من اللحاق بي في الشوارع.
استمرت صداقتنا على هذا النحو سنوات عديدة، وخلالها تغيرت شخصيتي ومزاجي، بسبب تأثير شيطان الإدمان - وأنا أخجل إذ أعترف بذلك- لتغيير جذري سيئ. أصبحت يوماً بعد يوم أكثر كآبةً، وأكثر عصبيةً، وأكثر لا مبالاةً بمشاعر الآخرين. سمحت لنفسي استخدام لغة قاسية مع زوجتي. ومع مرور الوقت، وصلت إلى حد ممارسة العنف الجسدي في التعامل معها. وبطبيعة الحال، فقد استشعر أحبائي المساكين هذا التغيير في مزاجي. . ولم أكتفِ بتجاهلهم، بل كنت أسيء معاملتهم أيضاً. أما بالنسبة لبلوتو، فقد كنت لا أزال أكن له ما يكفي من الاعتبار مما حال دون الإساءة إلى معاملته، في حين أنني لم أشعر بأي حرج في إساءة معاملة الأرانب والقرد وحتى الكلب، عندما كانوا يصادفونني في طريقي أو يقتربون مني بدافع الصداقة. لكن مرضي كان قد تغلب عليّ، وأي مرض يمكن مقارنته بالكحول! ومع الأيام، حتى بلوتو نفسه، الذي كان قد كبر في السن وأصبح بطبيعة الحال كئيبًا إلى حد ما، بدأ يشعر بآثار مزاجي السيئ.
ذات ليلة، كنت عائداً إلى المنزل ثملًا تمامًا، بعد خروجي من أحد الملاهي الليلية المعتادة في الضواحي، تخيلت أن القط يتجنب حضوري. أمسكت به، لكنه، وقد أفزعته حركاتي العنيفة جرحني بأسنانه جرحاً طفيفاً. فجأة، استحوذ عليّ غضب شيطاني. لم أعد أعرف نفسي. وبدا أن روحي القديمة وكأنها تطير فجأة من جسدي، ويتسلل حقد شيطاني يغذيه المخدّر إلى كل نسيج من كياني. أخرجت من جيب سترتي، مطواة وفتحتها، وأمسكت الحيوان المسكين من رقبته، واقتلعت عامداً إحدى عينيه من محجرها!
انني أحمر خجلاً، وأحترق، وأرتعد وأنا أكتب هذه الفظاعة اللعينة!
عندما استعدت رشدي في الصباح - بعد أن تعافيت من دخان فجوري الليلي - شعرتُ بمزيج من الرعب والندم على الجريمة التي ارتكبتها؛ لكنه كان شعورًا ضعيفًا وغامضًا في أحسن الأحوال، لم تُعان الروح من آثاره. ومن جديد انغمستُ في الإفراط في الشراب، وسرعان ما أغرقت الخمرة كل ذكرى لفعلتي. ومع ذلك أخذ القط يتماثل للشفاء تدريجياً.
صحيح أنَّ محجر العين المفقودة كان يبدو مخيفاً، لكنه لم يعد يعاني منه. وعاد يتنقل في البيت كسابق عهده، غير أنه، كما هو متوقّع، كان يهرب وقد استبدَّ به الذعر كلما اقتربت منه. كان لا يزال لديَّ ما يكفي من القلب القديم لأشعر بالحزن إزاء هذه الكراهية الصارخة التي يبديها لي كائن أحبَّني ذات يوم. لكن ذلك الشعور ما لبث أن تبدّد ليحلّ محلّه الهياج، وعندئذٍ ظهرت روح الانحراف كعلامة لسقوطي الأخير الذي لا نهوض منه، هذه الروح لا تعيرها الفلسفة أي اهتمام. غير أنّي، ومع ذلك، وبقدر ما كانت روحي موجودة، أعتقد أن الشر هو أحد الدوافع البدائية في قلب الإنسان، أحد الملكات أو المشاعر الأولى غير القابلة للتجزئة التي توجه سلوك الإنسان. فمن منا لم يفاجئ نفسه مئات المرات وهو يقترف فعلًا أحمقًا أو دنيئًا، لمجرد أنه كان يعلم أنه لا يجب أن يرتكبه؟ أليس لدينا ميلاً دائمًا، رغم رجاحة حكمنا، إلى انتهاك ما يُعرف بالقانون، لمجرد أننا ندرك أنه قانون؟ هذا الروح الشرير، كما أقول، هي التي تسببت في انهياري النهائي. إنها تلك الرغبة الشديدة، التي لا يمكن فهمها، في أن تعذب الروح نفسها، وأن تنتهك طبيعتها، وأن ترتكب الشر من أجل الشر وحده، التي دفعتني إلى مواصلة تعذيب الحيوان الأعزل، وفي النهاية الإجهاز عليه الأعزل. ففي صباح أحد الأيام، وببرود أعصاب، عقدت أنشوطة حول عنقه، وعلقته بغصن شجرة؛ – شنقته والدموع تتدفق من عيني، – والندم الأشدّ مرارة يعتصر قلبي؛ – شنقته، لأنني كنت أعلم أنه كان يحبني، ولأنني كنت أشعر أنه لم يعطني أي سبب للغضب؛ – شنقته، لأنني كنت أعلم أنني بفعلتي هذه أرتكب خطيئة. – خطيئة مميتة ستعرض روحي الخالدة للهلاك الأبدي ، لدرجة أنها تضعها – إن كان ذلك ممكناً – حيث لا تبلغها رحمة أرحم الراحمين.
في الليلة التي أعقبت اليوم الذي ارتكبت فيه هذه الفعلة الوحشية، أيقظني من نومي صراخ "حريق!". كانت ستائر سريري مشتعلة. وكان المنزل بأكمله يحترق.
في اليوم الذي أعقب الحريق ذهبت أزور الأنقاض. كانت الجدران جميعها قد تهاوت باستثناء جدار واحد. هذا الجدار الذي نجا بمفرده لم يكن سميكاً لأنه جدار داخلي يفصل بين الحجرات ويقع في وسط البيت، وإليه كان يستند سريري من جهة الرأس.
وقد صمد طلاء هذا الجدار وتجصيصه أمام فعل النيران - وهو أمر عزوته إلى كون التجصيص حديثاً. أمام هذا الجدار كان يتجمهر حشد من الناس، وبدا أن عدداً كبيراً منهم يتفحص جانباً مخصوصاً منه باهتمام شديد. فحرَّكت فضولي تعابير تصدر عن هذا الحشد من نوعِ "عجيب"!
"غريب!"، دنوت، لأرى رسماً على الدار الأبيض كأنه حفر نافر يمثل قطا عملاقاً. كان الحفر مدهشاً بدقته ووضوحه، وبدا حبل يلتف حول عنق الحيوان.
كنت اقترب، فرأيت، مثل نقش بارز منحوتاَ على الجدار الأبيض، يمثل صورة قط عملاق. كانت الصورة دقيقة بشكل مذهل. وكان هناك حبل يلتفّ حول عنق الحيوان.
(إدغار آلان بو. ترجمها إلى الفرنسية شارل بودلير، 1884).

بعد الحريق، يعثر الراوي على قطّ جديد يشبه قطّه الأول إلى حدّ مريب – حتى في العين المفقودة. وذات يوم، إذ يتعثّر بالحيوان عند نزوله السُّلّم، يهوي على الأرض. يستشيط غضبًا، فيرفع فأسًا ليقتله، لكنه يشقّ جمجمة زوجته بدلًا من ذلك. يُخفي الجثة بأن يحجرها في قبو البيت، غير مدرك أنّه حَجر معها القطّ أيضًا، وهو الذي سيفضحه مواءه لاحقًا أمام رجال الشرطة.
غواية الشرّ
(القطّ الأسود) قصة «غامضة جدًّا ومألوفة للغاية في آنٍ معًا» لإدغار آلان بو، نُشرت لأوّل مرّة عام 1843 في صحيفة Saturday Evening Post في فيلادلفيا، وما تزال تُقرأ بشغف حتى اليوم. صدرت في طبعات موجّهة لليافعين، ودُرست على نحوٍ تقليدي في المدارس الإعدادية، من دون أيّ تنبيه، مما أدى إلى إثارة قلق أجيال من القراء.. تصدم القارئ بمشهد تعذيبٍ وتشويه حيوان محبوب على نحو لا يُحتمل، وهو ما يثير الاستياء على نحو أشدّ في ايامنا. وتثير القلق بعودة الطيف الانتقامي لذلك الحيوان الوفيّ، عودةٌ تستمر حتى بعد المقتطف المقترح، إذ يظهر توأمٌ لقطّ «بلوتو» يسعى للثأر، مما يربك القارئ أخيرًا بالكشف عن كلّ ما في نفس الراوي من عتمة وظلمات.
لا شيء يُستثنى في هذه الدراما النفسية العجائبية التي تثير الفزع والشعور بالذنب في آن واحد. فبعد كلّ شيء، ألسنا نحن ذلك «القارئ المنافق»، ذلك «الشبيه»، ذلك «الأخ» كما في قصيدة " أزهار الشر"ّ لبودلير، أشهر مترجمي بو؟
لا شيء يُستثنى في هذه الدراما النفسية العجائبية التي تثير الفزع والشعور بالذنب في آن واحد. فبعد كلّ شيء، ألسنا نحن ذلك «القارئ المنافق»، ذلك «الشبيه»، ذلك «الأخ» كما في قصيدة " أزهار الشر"ّ لبودلير، أشهر مترجمي بو؟
إن استخدام ضمير المتكلّم المفرد يخلق منذ البداية لعبة مرايا مع القارئ، فيُجبِره على ملاحقة الراوي الذي يجرّه من دون أيّ مسافة فاصلة إلى أعماق انحرافاته الداخلية، كي يجعله يتقاسم معه نزواته، وندمه، ومخاوفه. إنّه يمرّرنا عبر كلّ التناقضات القصوى: من رقة الطفولة وسعادة الحياة الزوجية المثالية، إلى أدنى درجات الجحيم المنزلي الذي يفرضه على زوجته وحيواناته. كلّ شيء هنا مُضخَّم إلى حدّ الهَوَس: فالقطّ الشهير هو أوّلًا الرفيق النموذجي من «ألطف الأنواع»، ذو «فطنة مدهشة»، «قويّ وجميل»، قبل أن تُفقَأ عينه ويغدو مرعبًا، ثم يحلّ محلّه قطّ ثانٍ مسخٌ، شبيهه وظلّه. وسرعان ما يُصاب السيّد بنوبة «شرٍّ شيطانيّ فائق، مشبع بالشراب»، ويأخذ النصّ إيقاعه من دينامية فيض شعوريّ، من التعاطف والحنان، ثم من عنفٍ يبعث على الغثيان.
وهكذا، فإن القصة مكتوبة بأسلوب تحت تأثير توتر دائم بإيقاع متقطع بسبب كثرة الجمل الاعتراضية المحصورة بين الشرطين وبفعل لعبة التناقضات المستمرة: بين تفاهة قصة قط (كما لو أنّ الكاتب يعتذر عنها) وبين صورة الحيوان المشنوق الاستثنائية، المطبوعة على الجدار المتفحّم، ثم صورة شبيهه المدفون مع الزوجة القتيلة، والذي يكشف عن المجرم بموائه في نهاية القصة. ويتأرجح النص بين التحليل العقلاني والاعتراف الواعي وتبرير الأفعال بوصفها نتيجة طبيعية لتأثير الكحول من ناحية؛ والجنون من ناحية أخرى، ذلك الجنون الذي يبدو تشخيصه مؤكّدًا تمامًا بقدر ما يسعى السارد إلى نفيه بارتباك منذ السطور الأولى (” ومع ذلك، أنا لست مجنونًا، وبالتأكيد أنا لا أحلم...“). في هذا الخلل النفسي، يظهر اللاعقلاني والخارق للطبيعة، مع ظهور القط الشبحي والإشارات إلى الاستحواذ الشيطاني، الموضحة بمفردات غنية بمجازات الجحيم والسقوط. إنّه راوٍ غير موثوق يربكنا بعنف، ويقوض مسلّماتنا ويستنزف كلّ الحِيَل الممكنة ليُضلّنا على نحوٍ أمضّ.
تأخذ القصة أيضًا طابعًا قوطيًا مع ظهور الأطلال - وهو عنصر كلاسيكي في هذا النوع الأدبي - بعد الحريق، وهو ما يضاعف البعد العجائبي من خلال ارتسام ظل القط المشنوق على بقايا هيكل المنزل. ولكن إذا كان بو ينتمي إلى هذا النمط الجمالي، فإنه يمنحه قراءة شخصية أكثر مجازية ونفسية، حيث يمكن أن يكون الشر نتيجة للتدمير الذاتي وصورة لشخصية الراوي المتدهورة، التي تطاردها "روح الشر"، كما يفسر:
"لقد شنقتها، لأنني كنت أعلم أنني بفعلتي هذه أرتكب خطيئة“. وهنا يقدم بو وصفًا أوليًا لهذا الدافع الذي يصفه بأنه إغراء مجاني للشر، متأصل في الكائن البشري، مثل قدر نفسي. ويشرح ذلك بمزيد من التفصيل في نص لاحق، بين المقالة والرواية القصيرة، بعنوان “شيطان الانحراف" (1845): "كان الاستقراء اللاحق سيقود علم فراسة الدماغ إلى الاعتراف بمبدأ بدائي وفطري للسلوك البشري، وهو شيء ما متناقض سنسميه الانحراف، لعدم وجود مصطلح أكثر دقة. بالمعنى الذي أعطيه له، وهو في الواقع دافع بلا سبب، وسبب بلا دافع. تحت تأثيره، نتصرف من دون هدف مفهوم؛ أو، إذا بدا ذلك متناقضًا في العبارات، يمكننا تعديل الجملة لنقول إننا، تحت تأثيره، نتصرف لسبب أننا لا ينبغي أن نتصرف من أجله. من الناحية النظرية، لا يمكن أن يكون هناك سبب أكثر لا منطقية؛ ولكن في الواقع، لا يوجد سبب أقوى منه.
يبدو أن هذا الشيطان الداخلي يعبر عن نفسه هنا من خلال التعبير عن السادية والماسوشية، وهما دافعان متكاملان يدفعان إلى ارتكاب الجريمة بشكل لا يقاوم، وعينان تمتلئان بالدموع، في المتعة والألم. "يحرص القتلة عند بو، وهم نصف مجانين على إيذاء ضحاياهم وقتلهم بوحشية شيطانية. ثم، بعد ارتكاب جريمتهم، يستسلمون لما يسميه بو "حب القلب لعذابه"، أو بعبارة أخرى ماسوشيتهم الغريزية، فيعترفون علناً بارتكاب الجريمة ليتلقوا عقابهم والمهم بدورهم"، كما يوضح المتخصص في الأدب الأمريكي روجر أسيلينو(1). في الواقع، لا يتوقف الراوي القاتل عن استدراج الشرطة إلى مسرح الجريمة في القبو، كشكل من أشكال التحدي، إلى درجة سرعان ما يخونه مواء القط الحبيس مع زوجته القتيلة.
على الرغم من أن الكلام يتجسد في تجربة الراوي الخاصة، إلا أن بو يقدم تحليلاً متجرداً ومتطوراً بما يكفي ليقترب من العالمية. وهذا ما يزيد من قلق القارئ الذي قد يتعرف على بعض الدوافع المماثلة، حتى لو كانت مدفونة في أعماقه ومسيطر عليها في أغلب الأحيان فضلا عن أنه يُخاطب القارئ مباشرةً ويُواجه ذاته الخفية: "فمن منا لم يفاجئ نفسه مئات المرات وهو يرتكب فعلًا غبيًا أو دنيئًا، لمجرد أنه كان يعلم أنه لا ينبغي ارتكابه.. أليس لدينا ميل دائم...؟" كم من الأطفال ارتكبوا فعلاً قطع أرجل العنكبوت، أو إشعال النار في عش النمل، أو تشريح سمكة ذهبية بدافع الفضول المرضي؟ إن الغالبية العظمى تتوقف عند هذا الحد، ولكن ربما يبقى شيء ما، في حين أن آخرين يذهبون إلى أبعد من ذلك بكثير...
إلّا إذا كان الأمر اعترافًا بشياطين الكاتب نفسه. فمن هو بو يا ترى؟ لا ينبغي الخلط بينه وبين رواة قصصه المتعدّدين – أولئك المعذَّبين والجلادين على حد سواء – على خلاف ما فعله بودلير أحيانًا، غير أنّ حياة بو كانت مثقلة بالمآسي: بفقدان والديه في طفولته المبكرة، ثمّ شقيقه الأكبر الذي هلكه الشراب، وبعده زوجته الشابة. كلّ ذلك كفيل بأن يُغذّي افتتانًا بالموت، ولا سيّما موت النساء، اللواتي يشكّلن الضحايا الرئيسة في معظم قصصه؛ وهو ما دفع المحلّلة النفسية ماري بونابرت إلى رؤية حضورٍ طاغٍ لصورة الأم الراحلة والتوهم حول الإخصاء — سواء كان ذلك صوابًا أم خطأً. ويبدو أنّ الكحول أيضًا أحد أسوأ شياطين بو، وهو التشابه الرئيسي مع راوي قصة «القطّ الأسود»، بل وربّما كان وراء التعجيل بموته. غير أنّ رحيله المبكّر، في سنّ الأربعين، لا يزال يكتنفه الغموض، كما أنّ مسألة إدمانه المزعوم على الكحول لا يزال موضع جدل لا ينتهي.
يبقى نوع من الخوف العميق، الغريزي، أو الجوهري لا يمكن تفسيره بسهولة إلا من خلال حياةٍ تتخللها الصدمات، ولكنه قد ينبع أيضا من أعماق النفس البشرية. وقد اشار بو إلى هذا الخيط المشترك في مقدمة كتابة" حكايات الغروتسك والعربيِسْك " (العنوان الأصلي لسلسلة قصص إدغار آلان بو القصيرة): "إذا كان الرعب هو الموضوع الرئيس في العديد من أعمالي، فإنني أؤكد أن هذا الرعب ليس ألمانيا، بل هو رعب الروح - وأنني استنبطتُ هذا الرعب من مصادره الشرعية وحدها، ولم ادفعه إلاّ إلى نتائجه الشرعية الوحيدة." إنه رعب الروح الذي يتعذى على كل ما يسيطر عليها: الكيمياء، وعذاب المشاعر، كالذي تُسببه شياطين العالم الآخر".
وبالتالي يمكن أن نضع إدغار آلان بو على الحدود الفاصلة بين الرؤية الشيطانية القديمة و الروح وقراءة الطب النفسي المستقبلي التي كانت قيد الإعداد، كما يشير جوسلين دوبونت، أستاذ الدراسات الأمريكية في جامعة بربينيان: «قبل ظهور الطب النفسي ”الحديث“ (ظهرت كلمته لأول مرة في اللغة الإنجليزية الأمريكية في عام 1846، أي بعد ثلاث سنوات من نشر قصة بو القصيرة) والاعتراف بالطبيعة المرضية للاضطرابات العقلية، كان الاستحواذ الشيطاني هو الذي كان يُستحضر في بداية القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة لتفسير ”الذهان“ الذي لم يكن له اسم. ومن المثير للاهتمام أن أول معالجة لـ “الطب النفسي“، التي كتبها الأب المؤسس بنجامين راش في الولايات المتحدة عام 1820، والتي من المرجح أن بو قد قرأها، لا تزال تحمل آثارًا لمثل هذه المعتقدات(2).
يلاحظ الأكاديمي الإشارات المتعددة إلى السحر... وإلى الساحرة التي قد تجسدها زوجة الراوي المتحفظة للغاية. هذه الزوجة لا تترك فرصة إلا وذكّرت بالطبيعة الشريرة لجميع القطط السوداء وفقًا لـ “المعتقدات الشعبية“، لا أن تترك ملاحظة رسم الحبل الأبيض على فراء القط الأسود الثاني. كما إن الراوي تطارده كوابيس تستحضر السعالي التي تتغذى على طاقته الحيوية. وفي النهاية، تكون زوجته هي التي تتلقى ضربة الفأس - التي ربما تكون ملائمة ومناسبة للراوي والذي كانت موجهة في الأصل إلى الحيوان المسكين، في حركة انزلاقية، كما لو كانت قد انحرفت بسبب عدم الدقة. كما ان التقارب الصوتي بين الكلمتين الإنجليزيتين axis "محور" وaxe "فأس". بالنسبة لجوسلين دوبونت.
"هذه القصة هي قصة الساحرة أكثر منها قصة القط الأسود، الساحرة التي يمثل الحيوان مجازًا واضحًا لها. وبذلك، يوهم بو قارئه، بحدوث خلل عاطفيً بين الإنسان والحيوان الأليف، ولكن بعد التفكير، ربما يكون الأمر يتعلق بنوع آخر من الخلل المنزلي“
ويضيف الأكاديمي أن قصة "القط الأسود" هي بالتأكيد” قصة على حافة الخيال حيث يتجاور الجنون والهوس والانحراف والوجود الشيطاني في منزل واحد“. وإذا كان مفهوم” الانحراف" نفسه عند بو موضع نقاش اليوم، بسبب الترجمة التقريبية لكلمة [الانحراف القسري] perverseness، فإنه يترشح من جميع جوانب هذا النص، كما عرّفه المؤلف، وبغض النظر عن الضحية. إنه يثير رعبنا بحق، ونحن نحذر أنفسنا... من أنفسنا
تشخيص الطبيب النفسي: هل هذه حقا سادية؟
إن قراءة هذا النص لإدغار بو تستدعي طرح السؤال التالي مباشرة: عندما فقأ الراوي عين القط المسكين، هل كان يتصرف كطفل يستمتع بنتف أجنحة ذبابة أو سيقان نملة، بقطع دبور إلى نصفين ليتأمل الجزء الأمامي من الحيوان الذي لا يزال قادراً على البقاء حياً، بينما تظل ابرة اللسع في الجزء الخلفي تشكل تهديدا بالخطر؟
الجواب هو كلا. الأطفال الذين ضبطتهم متلبسين بتعذيب الحيوانات لم تكن لديهم ذرة واحدة من الشعور بأي ذنب. كانوا ببساطة فضوليين ويقومون بملاحظات، بطريقة شبه علمية بمعنى ما، من دون أن يتساءلوا للحظة عن معاناة ضحاياهم. إدغار بو هو النقيض تماماَ. كان نصه بأكمله مغمور بمشاعر الخزي والرعب والذنب، باختصار، تجاه سلوكه البغيض.
هذه الملاحظة تكفي لتأكيد أن الراوي ليس منحرفاً (pervers)، لأنه، بحسب التعريف، فإن المنحرف يلقى ذنبه على الآخر (يسقط إحساسه بالذنب على الطرف الآخر)، وعبارته النموذجية في محكمة الجنايات تكون: "لقد اغتصبتها بالتأكيد، لكنها هي من جلبت ذلك لنفسها، هذه العاهرة! هي التي أغوتني. ومثال على ذلك " عندما رد فلاديمير بوتين، على جو بايدن مازحاً والذي وصفه بالقاتل قائلاً: " من يقول ذلك هو القاتل "، يقدم دليلاً ساطعاً على انحرافه وكان بلزاك قد فهم الآلية جيداً عندما قال: "الضمير هو إحدى تلك العصي التي يستخدمها كل شخص ليضرب بها جاره، ولا يستخدمها أبداً لخدمة جاره".."
في قصة "القط الأسود" على العكس من ذلك، لا توجد متعة سادية، بل يوجد الشعور بالعار! بل إنه يفيض. بمعنى آخر، إذا كان الراوي شخصًا شريرًا، وبالتالي ساديًا حسب المعنى الشائع، فإنه ليس كذلك بأي حال من الأحوال حسب التعريف النفسي.
إذن، ما الذي يعاني منه الراوي؟
بكل بساطة، نحن أمام مدمن كحول يقع فريسة حالة سُكر لا يكون فيها على طبيعته، بل يصبح خارجاً عن ذاته بمعنى في حالة من النشوة المرضية. (غيبوبة مرضية). لم يعد قادراً على التحكم في أفعاله، ولم يستطع الحكم على سلوكه إلا بعد أن يستعيد وعيه ويعود إلى طبيعته.
لا بد من إلقاء نظرة على سيرته الذاتية. بدأت حياة إدغار بو تحت أثر نذير شؤم. وُلد في عام 1809، وتخلى والده ديفيد، وهو ممثل متواضع، عن عائلته في عام 1810. وبعد عام، توفيت والدته إليزابيث، وهي ممثلة كبيرة، بسبب مرض السل الذي كان يفتك بالناس في ذلك الوقت. يا لها من مصادفة غريبة!، فبعد وفاة والدة بو بفترة وجيزة، احترق المسرح الذي كانت تعيش فيه مع أطفالها الثلاثة... تمامًا مثل سرير الراوي في قصته القصيرة. أصيب شقيقه ويليام بالسل أيضًا، وأصبح مدمنًا على الكحول وتوفي في سن الرابعة والعشرين. أما أخته روزالي، فقد أصيبت في سن الثانية عشرة بالتهاب السحايا الذي تركها متخلفة عقليًا وجسديا "3". وتوفيت في سن الرابعة والستين في دار للمحتاجين.
ربما يفسر هذا الأمر، فقد دمر الإدمان على الكحول عائلة بو، ولا سيما الكاتب. عندما كان في الأربعين من عمره، عُثر على إدغار وكان مخموراَ مهملًا، ممداَ في حانة. نُقل إلى مستشفى واشنطن كوليدج حيث أدخل وهو في حالة من التناوب بين الوعي (غير المترابط) واللاوعي، وانتهى به الأمر إلى الموت. لا تُعرف الأسباب الرسمية لوفاته، لكنني على استعداد للمراهنة على أنه أصيب، بسبب إدمانه على الشرب، باعتلال دماغي كحولي، وهو مرض لا يزال قاتلاً حتى اليوم. لم ترحمه فترات الهلوسة والهذيان والضعف الإدراكي. كان إدغار بو نفسه على دراية بذلك إلى حد ما – أو ربما كان قد قرأ كتبًا في الطب – لأن نهاية نصه تعطي صورة نموذجية إلى حد ما لهذا النوع من الأمراض، مع احتراق سريره ثم منزله وظهور صورة جريمته، قط اسود مع حبل. أعتذر عن هذا النثر غير الرومانسي، ولكن مرة أخرى، أراهن أن السرير المحترق وصورة القط على الحائط ما هما إلا هلوسات، أو بالأحرى باريدوليا Paréidolies "4" في هذه الحالة، ناتجة عن دماغ دمره الكحول.
مثلما كتب غي دو موباسان رواية "لو هورلا" وهو يعاني من التهاب الدماغ الزهري، يصف إدغار آلان بو في هذا النص الذي كتبه عام 1843، قبل ست سنوات من وفاته، التهاب الدماغ الكحولي الذي ربما تسبب في وفاته عن عمر 40 عامًا.
الوصفة الطبية:
منذ لحظة تشخيص الإدمان المزمن والشديد على الكحول، يجري تحديد العلاج على نحو شبه تلقائي.
- في البداية، ونظراً للأضرار التي تسبب بها الكحول في دماغ المؤلف/الراوي (نحن في حيرة من أمرنا!) وربما في كبده، فإن الأولوية هي تحقيق التوقف الكامل عن الكحول وعلى نحو دائم قدر الإمكان. هذه هي فرصته الوحيدة للبقاء على قيد الحياة. يجب التوقف عن تناول الكحول في المستشفى لتجنب ظهور الهذيان الارتعاشي، وهو أمر يجب الحذر منه دائماً.. ويشمل ذلك إعادة الترطيب والتشبع بمادة من البنزوديازيبين مثل الفاليوم. وهذا أحد الاستخدامات القليلة المتبقية لهذه الجزيئات "السيئة" (ذات الآثار الجانبية).
- بمجرد التخلص من الإدمان، يجب وضع خطة لإقامة المريض لأطول مدة ممكنة في مركز للعلاج اللاحق مع برامج العلاجية المعرفي والسلوكي.
أخيرًا، بمجرد خروجه من المؤسسة العلاجية، إذا لم يكن الدماغ متضررًا بشكل كبير، فمن المناسب مواصلة العلاج النفسي واقتراح على المريض الانضمام إلى مجموعة من مثل (مجموعة مدمني الكحول المجهولين).
إذا رفض كل شيء، فسيطرح السؤال حول إجباره على دخول المستشفى عن طريق الاحتجاز (SPDT: الرعاية نفسية بناءً على طلب طرف ثالث). نادرًا ما يطبق هذا الحل في هذا النوع من السياقات، على الرغم من أن الشخص المعني، وفقًا لأحكام القانون، يشكل خطرًا على نفسه أو على طرف ثالث. ولكن فيما يتعلق به (بالراوي/بو)، أعتقد أنني سأفكر في ذلك بجدية.
الهوامش
- روجيه أسلينو، «مقدّمة»، في: إدغار آلن بو، قصص غير عاديّة جديدة، منشورات فلاماريون، سلسلة «غارنييه-فلاماريون»، 1965.
- جوسلان دوبون، «السرد المنحرف: قراءة جديدة لـ “القطّ الأسود” لإدغار بو»، مجلة كروسوايز، 2019، المجلد 3، العدد 2.
- مقالة «روزالي بو»، ويكيبيديا.
- ظاهرة نفسية تنطوي على مُحفِّز (بصري أو سمعي) غامض وغير محدَّد، يُدرَك بدرجات متفاوتة بوصفه قابلاً للتعرّف، وتتمثّل في التعرف إلى شكل مألوف داخل دخان، أو بقعة حبر… أليس الجميع يتسلّى بمحاولة تخمين الأشكال في الغيوم؟
عن كتاب: صحة الكتاب النفسية وصحة شخصياتهم
كامل عويد العامري: رئيس تحرير مجلة الثقافة الأجنبية ـ بغداد