
كان للنجاح النامي والواعد الذي حققته الكاتبة أريكا بيدرتي الأثر البالغ في التنامي المتزايد بالقصة القصيرة السويسرية، حيث ظهر كُتّاب كان لهم صدى كبير أمثال بول نيزون.
بول نيزون، حياته في مجموعتهِ القصصية (نهاية القصص في المنزل) والتي أصدرها في عام (1971)، كان نيزرون يعيدُ صياغة الحياة في الكتابة من جديد، في واقعٍ يماثل الواقع الذي يعيشه. اما أعمال إريكا بيدريتي السردية فتحمل المعايير السائدة في كتابة أي نصٍ سردي، لكنها ليست شكلية.
فقد قامت بجمع القصص، بين عامي 1978 و1982، في كتاب وصفي غني بعنوان (الشروق والغروب) في عام (1984)، مشيرة إلى الاتجاه الذي تسير فيه قصتها، والذي يحاول الخروج من ضوء الحياة اليومية المعتاد.
إن رمزية (شروق الشمس وغروبها) هي أوقات الأزمات التي تشير إلى اضطرابات غير متوقعة، وتطلق أفكاراً مكبوتة وتعرض صوراً غامضة نادراً ما يثيرها النهار المشرق.
ووفقاً للنص السردي فإنها تحدد الزخارف المتطورة في مسار عمل القصص الفردية. سواء كانت تروي تلك الرحلات التي لا تتم، ولا يكتب لها النجاح، او التي تثير/ التفكير، أو رحلات ونزهات لا تؤدي إلى الاتجاه المقصود أو المرغوب فيه؛ قد تنقلنا سرديتها إلى مناطق تعدُ (مثيرة للرعب الصامت)؛ مثلما يموت سمك السلور مسجوناً في الأسر في حوض (داكن ذو خلفية فاتحة).
وتهيمن التجارب والمشاعر والأفكار المخزنة في اللغة؛ التي تصفها بطريقتها التي لا لبس فيها. ويقود هذا الوصف إلى شيء من الإدراك الفني؛ التقاط كل التفاصيل التي تساهم في تكوين الأفكار حول علاقة الإنسان بالعالم. وعندما تستعرض اخر أعمالها وهي قصة (في مسرح الجريمة) تقول:
(بينما أجلس لكتابةِ قصة، فهذا يعني أنني أكتب حادثة واحدة وأتذكر الأخرى من دون أن أكتبها، أتذكرها فجأة بشكل واضح للغاية، تقريباً بالألوان، وبما أنني أعني حادثة حقيقية، وانظر إليها بمنظور سردي، حينها أبدأ في التحدث أو الكتابة عنها، وهذا أمرٌ غايةٌ في التعقيد، أمر مرعب، سيكون لون الذاكرةُ عندي أحمرٌ قاتمْ).
فيما يكون لون الذاكرة أكثر أهمية من مسار العمل. فهو منسوج من الكلمات، ومخفي في شبكة الجمل، أهم من تمثيل الحقائق أو استخلاص الرموز. وتتطلب هذه العمليات الأدبية صبراً كافياً من القارئ، كما تتطلب استعداداً كبيراً من الكاتب لسرد القصة. وعلى القارئ أن يقرأ ما بين السطور بعناية، فتقول: ((عندما أكتب شيئاً أريد أن أبقيه هادئاً وأنساه؟ لقد قلت هذا من قبل، ربما عدة مرات. وقاله غيري أيضاً)).
تعتمد الكاتبة على تجاربها الخاصة، وتحاول، أو أن تحرر نفسها من ارتباكاتها. إن التحرر من كل ما تدركه هو العنصر الذي يربط قصص... وهي وسيلة الربط للنصوص التي تم إنشاؤها بشكل مستقل عن بعضها البعض. ومع ذلك، فإن القصص لا تشكل مجموعة عشوائية؛ وهذا دليل على الصرخة المميزة في داخل مكنونات الكاتبة. وهي لا تفضل المفهوم الكامل لطريقة التفكير المتمحورة حول الذات (الأنا) التي تحكي القصص وترويها بضمير (الأنا)، من دون وجه ملموس أو سيرة ذاتية ملموسة.
الراوية الوحيدة الموثوقة في تلقي تلك التصورات؛ تكون بمثابةِ مرآة، ربما تكون غائمة قليلاً بمشاعر المرء الخاصة و(مُغبرة شيئاً ما) حيث تنعكس فيها الوجوه الأخرى، والمناظر الطبيعية والألوان والموت في تشابكٍ غير متجانس، ولكنه لا يزال متشابهاً. الموت كحادث، والانتحار، كشبح يلوح في الأفق في الأحاديث التي تدور حول المرض، مختبئاً وسط كتل من الثلج وينبض بهدوء في السؤال الأساسي: (كم عدد غروبات الشمس؟)

هناك تلميح إلى واقع عابر فقط، والانطباعات البصرية هي السائدة. هذه السذاجة السردية الطفيفة لا تزعج القارئ، ولكنها جزء من تلك الحقيقة الداخلية الملموسة. الشخصيات في مثل هذهِ القصص لها سمات مهرج بشكلٍ ما. وهنا يتوجب على القارئ أن يبتسم لهم، تماماً كما يبتسم المرء لنفسه في اللحظات السعيدة والجيدة في الحياة؛ في لحظات الحياة التي تبدو غير مهمة، عندما يجد المرء نفسه أسيراً ومستغرقاً في نشاط ما، ويكون بذلك مدفوعاً بالشوق إلى الأمام، وفي الوقت نفسه يعوقه العقل. لكن مثل هذا الملخص سيكون مبسطا وفظا للغاية في طرحهِ، حتى بطريقة غير مقبولة. لأن هذه النصوص لا تعيش في شخصياتها، بل في اللغة. إنهم يعيشون في جمل طويلة تتحرك للأمام. بشكل عام، هما شكلان مختلفان لذات الحالة التي تتحرك، ولكنهما تتقاطعان أيضاً. وفي بعض الأحيان تتخذ بعض الذكريات والرؤى على شكل وجه أو اسم.
في النص الأول المسمى (مغادرة)، المخصص أصلاً للتمثيل الصامت، (بيتر فيسبرود)، مستوحى من أحد مشاهده. ويتم تصميمه بحركة إيقاعية واحدة ومتدفقة بشكل فضفاض على مدى ست صفحات. ويتركز الاهتمام على شخصية الرجل الذي يستعد للمغادرة على رصيف القطار ومعه الكثير من الأمتعة، ربما إلى وجهة كبيرة. بالطبع لم يفوت القطار فقط، لكنه يفتقدها أيضاً.
((الطيور وباربرا تغرد عبثاً، لا أحد يراها وهي تفتح عينيها، ويداها وذراعاها ترفرف بجناحيها، وتمشي برشاقة صعودا وهبوطاً، وتحدق في الشمس الساطعة أو تومض في وجهه، من لا يفعل ذلك؟ لاحظ أي شيء، والغيوم البيضاء تطارد بعضها البعض عبر السماء كما لو كانوا أطفالاً صغاراً ومغرورين)).
تندفع تيارات جديدة ومتجددة من الكلمات على القارئ، وإذا لم يتوقف بعد الفقرة الأولى، فإنه يضطر إلى مواصلة القراءة على مضض، بل في أفضل الأحوال، يشعر بالفضول تجاه المكان الذي من المفترض أن يقوده الحدث وما يتم تقديمه هنا على أنه لا شيء في طريق الملاحظة، مثل تفاصيل يومية صغيرة. الإجراء لا يؤدي إلى أي حجة على الإطلاق. فقط الرجل الذي يقف وينتظر ويعدل نفسه على رصيف محطة القطار يصبح هو الحالة المنشودة، وإشعال الأفكار غير القابلة للتصديق. في بداية القصة الأخيرة (كم غروب شمس آخر) تتحدث الراوية بضمير المتكلم، كما يفعل العديد من الكُتّاب الآخرين، أرادت أن تنقل منظراً طبيعياً لشتاء إنجادين مع تساقط الثلوج. تذكرنا القصة بكارثة ثلجية، ولكن مع الاعتراف الكامل والمثير للسخرية بأنها في الواقع لا تستطيع فعل ذلك:
((كنت على وشك وصف الطبيعة، كما يفعل جميع الشعراء، وليس الشباب فقط، ولكي ألتقط بدقة ظلال اللون الأبيض وتساقط الثلوج وما يكاد يحجبه، نظرت (وفي هذا أظهرت جرأة أكثر من معظم) في الشيء نفسه، وهو المناظر الطبيعية الجبلية العالية المغطاة بسحب الثلج خارج النافذة. وبالطبع لم أتمكن من الاستمرار في الكتابة بعد ذلك. ضع دفتر الملاحظات جانبًا واستمر في قراءة (أورلاندو). الأبيض في الطبيعة يختلف عن الأبيض في الأدب))
إن الانعكاسات على اللون الأبيض توضح الكثير عن الفرق بين الحياة والكتابة. وقد لا يبدو أن أوصاف صبغات اللون الأبيض تعمل. ومع ذلك، فإن الأفكار المعبر عنها حول اللون غير المفهوم تحتوي على وضوح أكبر من الوصف الذاتي. إنهم لا يتحدثون فقط عن إمكانية التصوير، ولكن أيضاً عن الشكل نفسه، اللون الأبيض للمناظر الطبيعية. في تطور الرواية يطورُ الحدثُ أيضاً بشكلٍ بسيط وملحوظ، حيثُ تحتوي على بعض عناصر السيرة الذاتية. في الشتاء، تستقل الراوية القطار إلى إنجادين، مكان إقامتها السابق. بعد عامين أو ثلاثة أعوام، تعود إلى الأماكن المألوفة وتتعرف بشكل متكرر على الأشياء المألوفة التي لا يراها الآخرون الآن، أثناء رحلة القطار. فقط في بلدها تلغي الأفكار الأشياء المرئية، وكل ذكرى مرتبطة بالماضي تكتسب مظهراً ملموساً وحاضراً. بعد ذلك يستطيع الراوي بضمير المتكلم، وهو جالس على شاطئ بحيرة بيال، حيث كُتبت القصة المغطاة بالثلوج، أن يرى صناديق الزهور المتفتحة على نطاق واسع المليئة بنباتات البغونية والبتونيا التي تزين سطح محطة القطار في إنجادين:
المصدر:
كتاب ريتش - رانيكي، مارسيل (1978): لا وقت للقصص القصيرة. في رسالة الثقافة، ج2.