
هل الأبوة سلطة أم مسؤولية صياغة؟
لم يُولد حميد حسن جعفر في زمنٍ محدد، بل خرج من نفقٍ رمليٍّ في لحظة مطرٍ خائف. لم يكن له اسمٌ في البداية، بل نادته الريح بـ"هشيم"، ثم ناداه الطين بـ"ابن الماء"، ثم ناداه الصمت بـ"التمثال الذي يتكلم".
كان أبوه الأول حجارة، وأمه غيمة لا تمطر. لم يتعلّم الكلام من الكتب، بل من جماجم تتجوّل في النهار، ومن رؤوس تُستبدل كل مساء. لم يكن شاعرًا، بل كائنًا رمزيًا، يرى في المطر لعنة، وفي الجسر الوحيد اختبارًا، وفي المعاطف محاولةً فاشلة لإخفاء العُري.
كتب أول قصيدة له على جدار نفق، حين رأى أبناء الطين يذوبون في الماء الأحمر، ولم يكن يعرف إن كان يكتب شعرًا أم يصرخ. لم يكن يطلب البرّ، بل يفضح المروق، لا ليُدين، بل ليُفكك.
حميد لا يؤمن بالهوية الثابتة، بل بالتحوّل. لا يرى في الأبوة سلطة، بل مسؤولية صياغة، وفي الصياغة خطأٌ دائم. لا يكتب ليُعجب، بل ليُقلق. لا يصف، بل يهدم، ثم يبني من الهدم معنىً جديدًا.
قصيدته "تماثيل" ليست نصًا، بل مرآةٌ مكسورة، يرى فيها نفسه، وأبناء جيله، وأبناء وطنه، وأبناء الطين الذين لم يُنادَوا بأسمائهم.
هو لا يبحث عن خلاص، بل عن اعتراف. لا يطلب قيامةً سماوية، بل قيامةً رمزية، تحدث في النفق، في لحظة المطر، حين يتجمّع الهاربون ليحافظوا على أطرافهم السائبة.
حميد حسن جعفر، في هذه القصيدة، قدم طقوسًا شعرية، فلسفية، رمزية، تُعيد تشكيل الخوف، وتُحوّل الذوبان إلى ولادة، والتمثال إلى سؤال.
كان يا ما كان...
في غياب لحظات الأيام، حين كانت الشمس تشرق على أرضٍ لا تعرف الأسماء، وُلد الطين عبدًا، يطيع سيده دون أن يسأله عن الغاية. كان الطين هشًّا، لكنه مطواع، يتشكل كما يريد السيد، الذي لا يُرى، ولا يُسمّى، بل يُشار إليه فقط بـ"الآب الأول".
الآب الأول لم يكن أبًا بالمعنى الحنون، بل نحاتًا غريبًا، يصنع التماثيل ثم يتركها في العراء، يراقبها من بعيد، لا ليحميها، بل ليختبر ذوبانها. وكان أول تمثال يُصنع يُدعى "هشيم"، لا لأنه اختار الاسم، بل لأن الريح نادته به ذات مساء.
هشيم كان يظن نفسه حيًّا، لكنه لم يكن يعرف كيف يتكلم. كان رأسه يُبدّل كل مساء، فيُصبح مرةً غاضبًا، ومرةً ساخرًا، ومرةً صامتًا كالحجارة. وكان جسده يتشقق كلما اقترب المطر، فيركض نحو الصحراء، حيث الماء الجاف، حيث الأكاذيب تُعلّق كالورود في عروة السترة، وحيث المعاطف تُخفي العُري لا تدفئه.
في تلك الأرض، لم يكن أحد يُنادى باسمه. كانت التماثيل تتجوّل جماجمها وحدها، تبحث عن أجسادها، عن صوتها، عن أصلها. وكان الجسر الوحيد نحو الضفة الأخرى يُفتح مرةً كل موسم، فيعبره الجميع، لا بحثًا عن النجاة، بل هربًا من فيضان الجداول، من المطر الذي صار دمًا، من الرعب الذي يسكن الطين.
وذات مساء، حين تبدّلت رؤوس التماثيل كعادتها، لم يجد هشيم رأسًا جديدًا. وقف عند أقدام شجرةٍ عجوز، ونادى بصوتٍ لم يكن له: "أين الآباء؟ أين من صاغني؟"
فأجابت الشجرة: "الآباء صاروا حجارة، لا يسمعون، لا يجيبون. أنت ابن الطين، لا تنتظر البرّ من المارقين."
حينها أدرك هشيم أنه لم يكن حيًّا، بل مجرد شكل، وأنه لن يُنادى باسمه، لأنه لم يختره. فجلس عند الجذر، وبدأ يصوغ من الطين تمثالًا جديدًا، لا ليعبده، بل ليكسره حين يأتي المطر.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد التماثيل تهرب من الماء، بل تنتظره، لأن الذوبان، وإن كان موتًا، هو أول الطريق نحو الحياة.
كتماثيلٍ من طينٍ جافٍّ كنّا - هكذا صَنَع الآباء
الافتتاحية ترسم الهوية: نحن تماثيل، لا بشر. والطين الجافّ يوحي بالهشاشة والجمود. "هكذا صنع الآباء" ليست فقط إشارة إلى الوراثة، بل إلى المسؤولية التاريخية: الآباء لم يورثونا الحياة، بل القالب، الشكل، الخوف.
نخافُ الأنهار، نخافُ الماء، نخافُ عبورَ الأنهار
التكرار هنا ليس ضعفًا بل طقسًا. الماء، الذي يُفترض أن يكون رمزًا للخصب، يتحول إلى تهديد. الخوف من العبور هو خوف من التغيير، من التحول، من الانكشاف.
ماءٌ يُميتُ تماثيلَنا، فنَهربُ إلى حيثُ الصحراء
الماء يذيب الطين، أي يذيب الكينونة. الهروب إلى الصحراء هو هروب إلى الفراغ، إلى الجفاف، إلى حيث لا خطر على الشكل، لكن لا حياة أيضًا.
الماءُ الجافُّ وسيلتُنا في تنظيفِ أجسامِنا من الموبقات
مفارقة فلسفية: نغتسل بما لا يغسل. نطهر أنفسنا بالوهم، بالرمز، لا بالفعل. هذا البيت يكشف عن طقس التطهير الزائف في المجتمعات التي تخاف الحقيقة.
حيثُ تكونُ الأكاذيبُ وردةً في عروةِ السترة، والمعاطفُ محاولةٌ لإخفاءِ العُري
البيت مزدوج الرمزية: الأكاذيب تُزيَّن وتُعلَّق كما الورود، والمعاطف لا تدفئ بل تخفي. إنه نقد للزيف الاجتماعي، للتمثيل، للواجهة.
من علّمَ الأمطارَ ألّا تُلقي علينا بركاتِها؟ فنمتلئُ بالرعب
سؤال وجودي: لماذا خسرنا البركة؟ لماذا صار المطر لعنة؟ البيت يطرح فكرة أن البركة لا تُمنح لمن لا يستحق، أو لمن فقد القدرة على التلقي.
طينٌ هشٌّ، حيثُ النفقُ نجدُ قيامتَنا، نتجمّعُ بهدوءٍ لنُحافظَ على أطرافِنا السائبة
النفق هنا هو الموت، أو التحول. "قيامَتنا" ليست خلاصًا بل تجمعًا دفاعيًا. الأطراف السائبة ترمز إلى التفكك، إلى فقدان التماسك الجسدي والروحي.
جماجمُنا الجميلةُ التقاطيعِ، بأقنعتِها، وقبّعاتِها، من غيرِ أجسامِنا، تتجوّلُ وسطَ نهارٍ جافٍّ، من دونِ حوار
صورة سريالية: جماجم تتجول بلا أجساد، بلا كلام. إنها رمزية للانفصال بين الفكر والجسد، بين الشكل والمضمون، بين الوجود والتواصل.
وعندَ المساءِ نستقبلُ رؤوسَ زملاءَ لنا، فنبدو على غيرِ هيئاتِنا
التحول مستمر. الرؤوس تُستبدل، والهيئات تتغير. لا ثبات، لا هوية. المساء هنا ليس نهاية اليوم، بل لحظة التبدل، لحظة التقمص.
يملؤُنا الرضا أو الامتعاض، الصمتُ أو العربدة، لا خيارَ لتماثيلَ من طينٍ، لا مشتركاتٍ
الانفعالات تأتي من الخارج، لا من الداخل. التماثيل لا تختار، بل تُلبَّس. لا مشتركات، لا روابط، لا ذات سوى الرعبِ الذي نجدُ أنفسَنا وسطَهُ لحظةَ هبوطِ الأمطار، أو فيضانِ الجداول، أو العبورِ الجماعيِّ للجسرِ الوحيدِ نحوَ الضفّةِ التي تُهدّدُنا بالغدرانِ والمستنقعات
الرعب هو القاسم المشترك الوحيد. الجسر الوحيد يوحي بانعدام البدائل، والضفة الأخرى ليست خلاصًا بل تهديدًا. إنها صورة للعبور الجماعي نحو مجهول، نحو الفناء.
الآباءُ يُعاينون أبناءَهم الذين لم يُحسنوا صِياغتَهم، أبناءٌ يذوبون كما التماثيلُ المصنوعةُ من الطين
نقد حاد: الآباء مسؤولون عن الصياغة، لكنهم يراقبون الذوبان دون تدخل. الأبناء ليسوا فاشلين، بل ضحايا صياغة فاشلة.
ماءٌ أحمرُ كالدّمِ، يسيلُ نحوَ المنحدرات
التحول من ماء إلى دم هو ذروة الرمزية: المطر صار نزيفًا، والمنحدرات هي النهاية، السقوط، الانحدار الأخلاقي أو الوجودي.
نتجمّعُ عندَ أقدامِ الأشجار، لا أحدَ يُنادينا بأسمائنا، نبحثُ عن آبائنا الأوّلين، فنجدُهم من حجارة
العودة إلى الأصل، إلى الجذور، لا تمنح دفئًا. الآباء الأولون صاروا حجارة، صلابة بلا حياة، رموز بلا حنان.
من استنجدَ بهم ليكونوا آباءً مارقين، ولنكن نحنُ - تماثيلَ الطين - أبناءً غيرَ بررة
الختام يعترف بالخيانة المتبادلة: الآباء مارقون، والأبناء غير بررة. لا أحد بريء، ولا أحد مكتمل. إنها نهاية مفتوحة على الاعتراف، لا على الحل.