كانون2/يناير 13
   
 
 كنت احد أولئك الجنود، بفكوكهم العريضة وبنيتهم الضخمة، الاخوة غير الاشقاء، الذين اندسوا في فيالق جالوت الجرارة، بسبب الخوف من القصاص وغدر بعض الذين اندسوا كمخبرين سريين، بعد ان طالت الفاقة الرعاة الاوائل للوفرة، عندما اجهز حصار البرابرة وحشرة السوس على بقايا المؤونة، التي ادّخرت لملاقاة اعوام القحط، تلك الفيالق التي زحفت بالدروع والذخيرة واناشيد الحرب، صوب تخوم الاقاليم المتمردة، التي تحلم بالخلاص، في ذلك الليل الطويل المصفّد بالتوجس والقلق، لملاقاة الجناة وقطاع الطرق، اولئك المتمردون الحالمون بالحرية والفوضى، الذين فخخوا الطرق والممرات الوعرة، بالأوتاد المدببة والافاعي القاتلة والكلاب المسعورة، في نهاية المطاف، سنكتشف بأنفسنا، ان ليست هناك اي جدوى من اعادة سيرة ذلك الانكسار المؤلم، الذي لحق بالفيالق التي تلقت الضربات تلو الضربات، فذكراه لازالت عالقة بالذاكرة، التي تحاول ان تتبرأ من ذكريات انكساراتها المريرة، بعد ان لاقت جحافل الفيالق المدرعة مصيرها المفجع، حين حزت أعناق الجنود الأسرى وانتزعت جلود جثث الضباط، قادة الالف، الذين فضلوا الانتحار بطعن أحشائهم على الاستسلام لموت مهين لا يليق ببطولاتهم وأمجادهم الغابرة.
ما بعد زوال شمس تلك الظهيرة الخريفية، حينما أغلقت بوابات السماء بالغيوم الرمادية، تلقينا أمرا صارما بالتقهقر والانسحاب عبر الممرات الوعرة غير السالكة الى جبال طقطق، مأخوذين بهاجس الريبة والاسى والإحباط الممض:
تلقينا الأمر الصريح الذي نص على: اعطبوا الذخيرة والأسلحة التي لا تستطيعون حملها واحتفظوا ببنادقكم ليس اكثر!
 تلقينا امر الانسحاب في السابعة مساء ذلك اليوم ، في ليلة شديدة العتمة غاب عنها القمر، تسللنا الواحد بعد الآخر بصمت وحذر، تحت جنح الظلام والضباب الكثيف، اختارتنا المصادفات المريرة لنكون شهود المتاهة وبيادقها، ونحن في الطريق إلى اللاجدوى، اعترضت طريقنا الوعر، الصرخات الواهنة لجرحى مذعورين، امضوا ساعات احتضارهم وهم يتشبثون ببقايا نبض ذابل، أولئك المصابون في حيزومهم بطعنات الحراب غير المسنونة، التي شحذت على حجر خشن الملمس، أولئك الذين نبشوا قبورهم بمخالب محطمة، فيما طيور أبابيل تنقض بأزيز زعانفها  لتزدرد الأطراف مقطعة الأوصال بقذائف الفولاذ المنصهر.
 لم نتلق تحذيرا، كل شيء حدث فجأة، عندما اختنقت انفاسنا بالمداخن، كما اهترأت في تلك الساعة هياكلنا التي نضب بسبب التجوال الطويل، بالنيران والشظايا، حينما انهمر وابل الفولاذ المتفجر من سماء مكفهرة جاحدة، لم تلق بالا الى تضرعاتنا الهزيلة، حينما اعترض السيل المنصهر طريقنا، حيث قادنا الذعر والفوضى الى المتاهة.
الخوف مما ينتظرنا عند المفترق المقبل، اخذ يرمم وجوم أرتال فيالق إخوة جالوت غير الأشقاء، بالتوجس والقلق، حينما زحف جنود الفيلق صوب الموت، لم تكن تدرك أي نهاية تلك التي تنتظرها عند الخطوة التالية، تقهقرنا تحت رايات المحنك العظيم جالوت نفسه، عاهل الحرب، المحصن بالدروع والنياشين، إلا أننا، فيما الدهشة الهائلة تعقد السنتنا، شهدنا في ليلتنا تلك ما لم يخطر على بال المحاربين القدامى،  بأنه امر ممكن الحدوث، حين تلقى جالوت العظيم نفسه، حجر المقلاع بجبهته المصفدة بالفولاذ والخطايا، الحجر التافه الذي لا يستحق ان نهدر عليه لحظة واحدة للنظر اليه، فالحجارة الصلبة قاتمة السواد، كانت تغطي الممر الضيق  المظلم حيث نمر، ذلك الحجر الناتئ، الذي أصاب جالوت عاهل الحرب الذي لا يقهر، بين عينيه ففلق جبينه، فأراده قتيلا على الفور، تردد صدى ارتطامه بميدان المعركة بصوت مدو مخيف، حين تهاوت جثته الهائلة لترتطم بالدروع والتروس التي غطت مستنقعات الدم التي امتدت حتى الافق الذي اكتسى بلون احمر غامق.
الواحد بعد الآخر تسللنا عبر الأودية الضيقة في منتصف ليلتنا تلك، حين اعترضت طريقنا صيحات غريبة تعالت في الجانب الاخر من الممر المعتم: من هناك؟ 
صوت ات من أعماق الخوف الذي حنط خطواتنا المتعثرة، صوت ابتلعه هدير سيل الطمي والوحل، في تلك اللحظة، انتظرت رصاصة ما يسددها كمين عدو لا يرى، تنهي سلسلة الآم لامعنى لها وحياة مصفّدة بالخراب، اضطجعنا على الحجر الناتئ لتفادي الرصاص الذي لم يطلق،  مرت دقائق معدودة، عندما نلفت انتباهي الهدوء الغريب الذي اطبق على السفح الصخري،  لم اعد اسمع همسات الجنود وتذمر كريم شميل، الذي كان يسبقني بخطوتين، أحاط بي سكون المكان الموحش، رأيت شكل الصمت والموت، وهو يسخر من القلق والتوجس الذي عشته في تلك اللحظات، انها الحرب، التي تقشطك بنصل غير مشحوذ، فتزيل عن عظامك العروق وتنتزع من روحك الشعور بالخوف، الحرب التي تتركك متبلد الأحاسيس، الا انها تشحذ ذهنك بالمراوغة، ذهنك الذي سيجد نفسه مضطرا للبحث عن طريقة ما تنقذ بها نفسك من دروب المتاهة المتقاطعة.
حين جثوت على ركبتي أحاول الوقوف على قدمي ، لم أر آيا من رفاقي الجنود ، بينما الصمت الذي احكم قبضته استدعى الذكريات، التي مررت بها طوال سنوات الحرب، التي عشتها جنديا أجوب جغرافيا المحنة جنوبا وشمالا، تذكرت سفر العبث واللاجدوى الذي عشته في مستنقعات الحويزة، كنت أعوم فوق طوف فليني انتزع من حطام جسر ميداني عائم، تسللت عبره قطعات الإيرانيين في معركة الحويزة، كنت احتال على الطوف بمجداف خشبي انتزع من صناديق الذخيرة، بالإبقاء عليه عائما وانا أتفقد طريقي وسط المياه الراكدة، أحاول إعادة وصل السلك المقطوع، الذي يؤمن الاتصال بفصيل الكمين الذي تسلل عبر الظلام واحراش البردي الكثيفة في زوارق الفايبر كلاس، طوف فليني لا تتجاوز أبعاده المتر في متر، كنت اجثو على ركبتي وانا اخترق أجمة القصب ، في تلك الليالي الطويلة، التي تختنق بالتوجس والقلق وقنابر التنوير التي تضيء وجه الغمر والامتداد الداكن ، تداعت في ذهني صور عتيقة غرزت مخالبها عميقا في ذاكرة تنوء بفجائع الحرب، في تلك اللحظات القصيرة، كنت وحيدا جدا وتائها في منتصف الطريق الى اليباب، ثمة هدوء تسلل الي، اشبه بالسكينة التي تنتاب الشخص حين يستسلم لقدره  ،قلت لنفسي، ما الذي استطيع فعله للإفلات من المصير الذي ينتظرني طالما الأمر يحدث فحسب، ليس أمامي سوى الانتظار، ادرك ان ما أعيشه في تلك اللحظة سينتهي على أي حال، كما ستنتهي كل الأشياء وسيطويها النسيان وسنندثر ولا يعد لنا أي وجود يذكر، لن نعود بعدها سوى ذكرى باهتة  ستزول هي الأخرى حينما ينتهي الآخرون الذين يحتفظون بصورنا الفاقعة في ذاكرتهم .
 قلت لم القلق والخوف؟ انها الحرب التي تضعك في مواجهة قاسية، أمام الحياة والموت. شعرت بالتيه والعجز للحظة، تبددت بعدها مخاوفي ما ان استعدت تماسكي وهدوئي، السفح اللامع كشف عن اثر تخبط أحذية الجنود الموحلة، لم اعد حذرا او خائفا، شعرت بأني حر ولكنني بلا وجهة، انتصبت على قدمي، تحيط بي العتمة والصمت، أتطلع حولي، تلألأت عناقيد النجوم ببريقها الفضي، الذي انكسر على السفح الصخري، وانا أتفقد طريقي، رأيت اثر خطوات الرتل الملطخة بالوحل الذي طبع بصماته على الحجر اللامع.
كنت اجوب الوادي استرشد طريقي الى الرتل، باثر طبعات أقدامهم الموحلة، اخذ الضباب الخفيف ينقشع، بدت السماء اكثر صفاء، كان الأثر واضحا ولامعا، اعترضت طريقي ظلالا اكثر قتامة، عندما اقتربت اكثر، كشفت الظلال عن أحراش كثيفة متشابكة وصوت دوي تدفق مياه السيل.
انتبهت لخشخشة الأوراق، ثمة هاجس أخبرني بأني عثرت على حطام الرتل
 وحلقاته المفككة، بصوت عال، في تلك اللحظة لم افكر باي شيء، لما عليّ ان ارهق نفسي بأكثر مما كنت أعيشه، لم اكن حذرا او خائفا حين رددت:
- الاخوة غير الأشقاء
تردد صوتي جهوريا وواضحا.
للحظة عالقة بالصمت، لم يتردد سوى هدير السيل القوي، تلك اللحظة التي انتهت بصوت حذر يرد من جوف الأحراش المتشابكة :
اخفض صوتك كشفتنا ؟!
تقدمت صوب الجنود الذين فقدوا بوصلاتهم، الوذ بالقطيع، فالموت لن يكون قاسيا او مؤلما فيما لو لفظت أنفاسك وحيدا على سفح اجرد وسط العراء .
باستثناء السلاح المدخّر بالرصاص الملطخ بطين الخليقة، الذي ابقينا عليه مقيدا الى مناكبنا، تخلصنا من اقنعة الغاز السام، من ذاك قليل التبصر الذي سيلجأ الى اطلاق ذخيرة غاز الخردل في ذلك الطقس المراوغ ، بعض الإخوة غير الأشقاء، تخلصوا من  ذخيرة البنادق برميها في تيارات السيل الجارف، التي تدفقت وهي تعول في طريقها الى الجنوب.
 بينما الجندي المحارب، الذي أهملت سيرته، كما هو حال الآخرين الذين قامت على هياكلهم الفيالق التي زحفت في الاتجاهات الأربع، أولئك المحاربون المحنطون بالولاء وهم يتذرعون بالخوف، كما ضاعت ملامحه في الذاكرة التي لم تعد تبالي بتبدد صورها العتيقة، تسمر كتمثال حجري قبالة الجموع، التي احتشدت تنتظر حلا ما ينقذها من التيه، ذلك المحارب المنقذ من التخبط ،  طلب من جنود جالوت، الإخوة غير الأشقاء، الذين تقاسموا الفزع والألم والطعنات، ان يتقدم الجنود، أصحاب البنية الأضخم والأكثر تجلدا في تحمل المشاق، للمهمة المقدسة، وهو الامر الذي قام به الجنود دونما تردد، كنت احد أولئك الذين تقدموا كقرابين للتضحية  بقامتي المتماسكة، طلب ان نحرر النطاق العسكري، الذي نشد به سراويلنا البالية، زند لزند ربطنا اذرعنا بأحزمة الفجيعة تلك، انحدر المحارب قائد العشرة، المستكشف الأول في لجة السيل العنيفة،  حيث غمرت مياه السيل عنقه بينما التيارات تتدفق بعنف في المنحدر الضيق، يتعين على جنود جالوت المنكسرين او ما تبقى منهم، عبور السيل الجارف الى ضفته الأخرى، القى الجندي الثاني بنفسه ليمسك بذراع رفيقه الاول، كما انحدر خلفهما المحارب الثالث وكنت الرابع وتبعني في الانحدار الى التيار العنيف، شديدة البرودة، الجندي الخامس و لحقه السادس حتى اكتملت السلسلة بالجندي العاشر، امسك احدنا بذراع الآخر، فشكلنا سلسلة من الأشقاء غير الإخوة، خاضت عبر دوامات السيل، تحاول الوصول الى ضفة المتاهة الأخرى عبر نشيج التدفق وعويل الدوامات، لازلت اذكر حينما انزلقت على حافة النهر الموحلة، تلقتني المياه شديدة البرودة التي غمرتني حد العنق، تعذر على التنفس في اللحظة الاولى، شعرت في حينها بان بالمياه الباردة ضغطت صدري، إلا اني كما ديدن المحارب المحترف، استعدت تماسكي، لكي نفلت من قبضة المأزق، يتعين علينا مواجهة القدر وانتزاع نابه الوحيد، وهو يكشر في وجوهنا، يتنظر تردد احدنا كيما يسدد له طعنة قاتلة في ظهره .
نخوض ضد التيار العنيف ونحن نرمم صمودنا الهش بالأمل المفقود، مرت الدقائق ببطء شديد حين تعالت ترانيم نشيد الأناشيد عند الضفة الأخرى من النهر، حيث سمعنا صيحات الجندي، المستكشف الأول الذي قاد السلسلة: 
-اشقائي، أمسكت بحافة الضفة الثانية! 
بصوت عميق كالمعجزة، تردد صوت الاخ غير الشقيق ممزوجا بهدير السيل، وهو يمسك بحافة ضفة النهر الزلقة، بهياكلنا التي تسلقها الصقيع جسرنا ضفتي النهر، لعبور الجنود الذين تشبثوا بأكتافنا، اولئك الجنود الذين فقدوا الأمل بالخلاص، إلا بمعجزة صعبة المنال، تصدينا للتيارات العنيفة، التي حاولت تفكيك سلسلتنا المنهكة، ببسالة المأخوذ بالفزع والضياع.
الأشقاء الآخرون المنهكون، عبروا الى المجهول وهم ينشبون أظفارهم في هياكلنا، التي بدت كأعمدة الخليقة، التي تصدعت تحت وابل المطر والبرد والعماء، امسك جنديان، ظهر عليهما الأعياء الشديد بالعميد المتقاعد الكهل، كان مريضا ومرهقا جدا،  دخل في نوبات سعال قاسية حاول ان يكتم زفيره المتقطع، شعرت بان رئتيه تتمزقان، وهو يتشبث بكتفي حينما خاض في التيار المتجمد، كما لو كان في طريقه الى الموت .
رتل الجنود كان مقطع الأوصال، بعد ان تبدد في التيه الموحل، حيث فقدنا اثر الجنود، لم نر هناك سوى مجموعات يلفها التوجس والقلق والبرد، نظر احدنا في وجه الآخر، لم نر سوى سحنات الوجوم على وجوه بلون الشمع ، بلا بوصلات ترشدنا الى وجهتنا الأخيرة ولا دليل ينقذنا من الضياع و يقودنا الى الخلاص، حيث تنتهي رحلتنا عند سفوح جبال طقطق، ارض الميعاد او سمها  جنة عدن، التي بدت عصية علينا ولا يمكن اختراقها، ببوابات ممرات القمم المنيعة على المذنبين، سفوح جبال طقطق، التي تشرف على الأفق الآخر من الخليقة، كما اخبرنا قائد الفرقة، حين اندس في قلب الرتل المتعثر، الذي انحدر الى الوادي المعتم تحت الصقيع والمطر، في الساعة السابعة من ليلتنا الماضية، القائد الذي فقدنا اثره في التيه، كما فقد اثر ضباط الفرقة، باستثناء مدير الادارة والميرة، العميد المتقاعد، الذي انتزع من نادي المحاربين القدامى، وزج به في الصقيع ، كان في عامه الخامس والستين ، خلع رتبته  وتخلص من هويات التعريف واندس بيننا  كجندي رث الثياب بين الإخوة غير الأشقاء، في رحلتهم الشاقة الى طقطق.
الجنود الذين تخلوا عن مهمة الدفاع عن حصن رانية، بعد انتزاع أسلحتهم، الذين افلتوا من الأسر، اخبرونا بان الضباط، الذين استسلموا هناك لقدرهم السيء، قتلوا بدم بارد، اما قادة كتائب المشاة  فلا احد يعرف شيئا عن مصيرهم، ببساطة شديدة، عصبت أعينهم واقتادوهم إلى جهة مجهولة .
المسن المتقاعد، الذي حاول دونما جدوى ان يكتم سعاله الشديد الذي لم يهدا للحظة واحدة،  طوال ساعات رحلتنا عبر الوادي الموحل، بات مثلنا نحن الأشقاء غير الإخوة، جنديا مسنا يخوض في الوحل والطين، كان واجما وصامتا وهو يتطلع الى السيل العنيف، لم أر جنود محطة القائد اللاسلكية، بعد ان تقطعت بنا السبل في ممرات الشتات والفوضى، نأمل ان يبعث فينا المخلص، الذي سيرشدنا الى طقطق، التي بدت أرضا بعيدة المنال، إنها جنة الله وارفة الظلال الدافئة، التي لا تغيب عنها الشمس، كما تخيلتها فيما الطين يبتلع خطواتنا المتعثرة.
لم نهدر الوقت في الانتظار، ما ان عبرنا السيل في الساعة الثالثة قبل الفجر، بثيابنا التي تقطر الماء، نصارع البرد الشديد الذي جمد هياكلنا الخاوية، لم نشغل تفكيرنا بالجوع او بالعطش، بعد ثلاثة أيام من القحط واليباب، كما لم نستدل على وجهتنا الأخيرة، فلا علامات هناك ترشدنا الى الطريق، لم نفكر باللجوء إلى ممر اخر لم يسلك من قبل، فأثر خطوات الإخوة غير الأشقاء، الذين سلكوا الممر قبلنا، اولئك الناجون من المتاهة، اقتفوا اثر خطوات الجنود الذين سبقوهم  في المسير، خطوة بعد خطوة، وجدنا انفسنا ننزلق في مستنقعات الطين اللزج، طين الخليقة الأول، الذي أحاط بجهاتنا الأربع، كنت أغوص في مستنقعات الطين حد ركبتي ، الطين اللزج، غليظ القوم التصق بحذائي الثقيل، كلما حاولت التملص من طين الله الأول، ازداد التصاقه بقدمي، لمحت جنديا هزيلا، وتد مخزن رصاص الكلاشينكوف في الطين ، بينما امسك بطرفي بندقيته بكلتا يديه، تشبث بوتده الذي غاص في الطين، وسحب هيكله الهزيل،  كما لو كان دودة حلزونية، ملطخا بالطين والخوف، أخفقت محاولاتنا في انتزاع أقدامنا من قبضة الطين، كما لو ان الأبدية جمدت الوقت في ذلك المستنقع اللزج، الابدية التي سخرت من اخفاقاتنا وعجزنا، كلما حاولت انتشال احد أطرافي يغوص الطرف الآخر ما ان تستند عليه بجسمك، للإفلات من قبضة الطين، استطعت انتزاع قدمي من الطين، الذي امسك بحذائي العسكري في جوفه، ظل هناك كاثر أحفوري، سيسرد للمنقبين عن الوقائع التي جرت في رحلة جنود فيلق جالوت وهم يحاولون الافلات من المتاهة، كما خلصت طرفي الآخر، كنت حافي القدمين، أخوض في الطين والبرد، تعثرت في الطريق المعتم  بمخابر القائد، بلكنته الموصلية تمتم بإعياء شديد، وهو يتداعى على كتفي: سأموت !  حملت بندقيته، أخفف عنه أثقاله، كنت انصت الى صوت الطين، حينما نفلت اقدامنا من قبضته اللزجة، لنغوص مرة أخرى في خطوتنا التالية، تعالت أصوات فقاعات الطين، اعترضتنا حلقة الجنود الواجمين، الذين وقفوا كتماثيل حول هيكل تمدد على ظهره، كان مسنا جدا وجامدا جدا، كان يتطلع بأحداق منطفئة في سماء الله، عرفنا في تقاطيع وجهه الباردة على المسن المتقاعد، الذي لفظ أنفاسه الأخيرة في مملكة الطين .
فجأة انبثقت أمامنا أشباح سوداء لبيوتات متراصة يلفها الصمت، الامر الذي دفعنا الى تغيير وجهتنا فسلكنا طريقا اخر للابتعاد عن القرية الغافية عند حافة التاريخ.   
في الرابعة صباحا، شيئا فشيئا أخذت السماء تسترد زرقتها، لمحت بصيص ضوء، تسلل عبر ثقوب في جدار انتصب وسط الظلام، تسللنا واحدا بعد الآخر، الى حائط الهيكل نتلو صلواتنا فخطايانا لا تغتفر، نحن جنود جالوت الجاحد، بأحذيتنا التي انتزعها الطين، بأقدامنا العارية المكبلة بلطخات الوحل والفجيعة.. أتكون بانتظارنا مائدة المن والسلوى، التي اطلقها الرب من أجلنا، لأنه يملك قلبا رؤوما بمخلوقاته الضالة الجاحدة؟
 تسلل الخطاة والمذنبون والحجيج الضال الى بيت الرب، او الحظيرة التي شهدت ميلاد المخلص، هل هي زريبة حملان واغنام النبي التي انبثقت أمامنا من العدم؟ كانت حجرة واحدة، بدت ككعبة وسط الطين، الذي حاصرنا بفقاعاته، ام أنها صومعة يعقوب المزارع، دلفنا الى جوف حظيرة الراعي، هناك تعثرنا بأكياس الخيش المليئة بالبصل والثوم، ومعازق المزارعين والمجارف، لم يعد الخوف يشغل تفكيرنا، بعد ان احرق الجنود جذعا ضخما في وسط الحجرة الرطبة، فاشتعلت فيه النيران، دسست قدمي في اللهيب، لم اكن اشعر بهما بسبب الصقيع، كما تصاعدت دوامات البخار من أرديتنا البالية، بينما الطين الذي التصق بأقدامنا العارية اخذ بالتشقق، تساءلنا ان كان الله في الجوار وها هو يظهر لنا المعجزة الموعودة ، تشقق الطين وتساقطت قشوره السميكة، لتكشف عن أصابعنا المحنطة بالبرد، ام انه كان يمعن في السخرية من مخلوقاته الضعيفة، وهي تتهاوى عند حافة المحرقة ، كالأموات اضطجعنا على التبن، بينما دخان البصل المحروق و الثوم، يكرس  تعميد القرابين التي قدمت لإشباع غرور الآلهة، كشف الضياء الأول عن فاجعتنا، و رأينا الخيبة العميقة تتجسد أمامنا بهيكلها العظيم: بعد ان أمضينا النصف الاخير من ليلتنا الماضية والساعات الأولى من يومنا التالي، اثنا عشرة ساعة امضيناها ونحن نجوب فيها ممرات المتاهة، لنكتشف مع ضياء الفجر، باننا أمضينا ساعات الليل، ندور في حلقات متصلة،  ندور في لانهائية المكان، وجدنا انفسنا ننظر الى كويسنجق، التي طلت علينا بسخرية الرجال المسلحين الذين تقدموا باتجاهنا  وهم يطلقون صيحاتهم، التي بدت لي ساخرة اكثر منها متوعّدة وهم يأمروننا بالاستسلام.