(النص): بنية للخطاب (الميتالساني) هو أداة مفهومية عنيت في بعض قراءاتها بالتشكيل الإبداعي لثيمات متوالدة تتناسل في النصوص عبر الأزمنة، و كل نص يقوم بهضم النصوص التي سبقته وتمثلها وتحوليها و يرى (بارت) أن آخر قصيدة أو آخر قصةٍ كتبت هي بالضرورة تتعالق وتتناص مع أول قصيدةٍ في الشعر أو أول قصةٍ كتبت ، من حيث بنيتها ومرجعياتها، وحيث أن (التناص) ظاهرة تنتسب إلى الخطاب وأن الخطاب يشتمل على النص والعرض أيضا، فهو في الوقت نفسه أداة للكشف عن قوانين كلية للإنتاج الفني بمعزل عن مبدعه، وفي حدود التعالق بين (السابق-اللاحق) فيما أسماه (باختين) بـ (الحواريه)، وأسست له (كريستيفا) بالتناص، معضدا باجتهادات (لوران جيني) و (تيري ايجيلتين) وغيرهم/ في أن النص أصلا هو دوران بيئي ، وكشف عن البنى التحتية عبر ظاهرة نقدية ،لا تنتسب إلى اللغة لأنها تقع في مجال اختصاص عبر اللغويات ، وعلى حد قول (تودوروف) فأن كل نصٍ يخفي في داخله نص آخر ، وكل عرضٍ يخفي بداخله اخر ، ان العتبة الأولى للنص هي إحالة بالاسم الصريح (هاملت).
فبين (هاملت) شكسبير (وهاملت في المدينة) لمنير راضي، اشتغال واضح
(لآليات التناص) المعروفة (كالإحالة) و (الامتصاص) و (الاجتلاب القصدي) ومن خلال تجليات خصوصية الرؤيا (الحالية) في القراءة الجديدة، والمغايرة في معمارها البنائي، حيث تضمن نص (راضي) (استدعاء قصدياً) لثيمة الانتقام، وبـ(بامتصاص) صريحٍ للأسماء والشخوص التي عالجها في (مونودراما) الممثل الواحد بـ(الاستبدال الفني) للشخوص الشكسبيرية، والاستعاضة عنها بالإكسسوارات، وبالأدوات الفنية للعرض ومفرداته.
(لآليات التناص) المعروفة (كالإحالة) و (الامتصاص) و (الاجتلاب القصدي) ومن خلال تجليات خصوصية الرؤيا (الحالية) في القراءة الجديدة، والمغايرة في معمارها البنائي، حيث تضمن نص (راضي) (استدعاء قصدياً) لثيمة الانتقام، وبـ(بامتصاص) صريحٍ للأسماء والشخوص التي عالجها في (مونودراما) الممثل الواحد بـ(الاستبدال الفني) للشخوص الشكسبيرية، والاستعاضة عنها بالإكسسوارات، وبالأدوات الفنية للعرض ومفرداته.
من هنا يكون التناص قابلاً للقراءة بالإحالة وتعالقاتها في النص الجديد، مشروعاً جمالياً واجرائياً، يمكن قراءته العرض وعناصره الإخراجية والسينوغرافيا.
إن تمحورت محاولات التأليف عند (منير راضي) بحث عن مناطق جديدة وحفريات لاستنطاق المجاورات الفكرية ، لثوابت ورواسخ الفكر المسرحي العالمي ، هذا هو هاجسه في مغامرات التصدي بالهدم والبناء وإعادة الإنتاج، كما تجربته السابقة (لير يحاكم القدر) وأيا كانت مخرجاتها، فإنما هي نضح عن ذلك القلق الإبداعي والإيمان بأن المسرح هو ثورة، وتمرد على الثوابت، للإتيان بالجديد بكل نتائجه المحتملة، فهو لا ينسفها لإثبات عدم جدواها، وإنما لتقديمها برؤيةٍ لاحقةٍ آنيةٍ تناسب الحاضر، هذا النص (تحويل) لفكرة (هاملت) بإعادة إنتاجها بأوجاع يوميه وقلق الحاضر، مشيداً معماريته على أزلية فكرة (الكينونة) بوصفها ثيمة لكل الأزمنة.
المخرج (عبد الرضا جاسم) اتكأ على الثيمة الفلسفية المركزية في معالجته الإخراجية، متخذاً من ثيمة (الانتقام) معبراً فلسفياً من هاملت الى الحاضر، ولبوساً لثيمةٍ معاصرةٍ، وفهمٍ يتصدى به لشراسة الاستبداد وبشاعة الظلم والغدر والضياع في نظرية التآمر على معنى للوجود، وغياب القيم النبيلة؛ ففي بيئة عرضٍ ضيقة المساحة استطاع أن يحقق ايصالاً للفكرة في تنوعٍ حركيٍ وجماليٍ في فضاءٍ كان من الصعب التحرك فيه، او تحقيق أي تنوعٍ مساحي في الأداء.
وهنا نؤشر تناصاً موضوعيا للمؤلف وتعرضا عابرا للبيئة المكانية وصورة الفكرة مع (بيتر فايس).
نستدل على انفتاح رؤية فريق العمل والاشتغال على وحدة الهدف من العرض باتفاقٍ مشروط الحدود في مجالات تشكلاته الأدائية المتاحة مكانياً، وسيرورة العرض بوصفها منظومة واحدة.
وقد هيّأ الممثل (جاسم محمد) أفعاله والياته الادائية باتجاه رسم العلاقة مع ضيق المكان، وحساسية التحرك في فضاءاته، وقسوته الحديدية الضيقة الضاجة بمفرداتها، بحيث جعلنا نستشعر ثقلها وضراوتها أمام قدراته التعبيرية المدروسة، وبأفعالٍ من الصعب جداً انجاز تشكلاتها بذلك الضيق المساحي، ما عمق شعورنا بالضيق والانحباس الذاتي وكذلك عكس جرأة المخرج على قبوله هكذا منازله بين الفضاء والممثل والفكرة الفلسفية، بعرض مونودرامي، عبر من خلاله عن قدرته على الضبط الجمالي من ناحيةٍ، والدلالي من ناحيةٍ أخرى.
وفي هكذا بيئة مكانية يكون المخرج وممثله قد نجحا في خوض هذه التجربة في بيئة حدودها لا تزيد على ثلاثة امتار من الزنزانةٍ الحديديةٍ المتداخلة مع مفردات ومشبكات الحديد التي استدعتها المشهدية كاكسسوارتٍ للعرض وادواتٍ فنية، حيث تعامل مع مفردات الفضاء بوصفها شخوصاً افتراضية وتحويلها من واقعيتها إلى فضاءٍ تأويلي، على الرغم من أننا لا نختلف على أن شكسبير سابقُ لعصره، ولهذا بقيت الكثير من مقولاته صالحة لكل الأزمنة، ومنها فكرة (الكينونة)، ذلك التساؤل الوجودي الذي نعيده على انفسنا في أشد الاوجاع ضراوةً، فهو الموقف الشكسبيري مقابل كل اشكال التآمر والخيانة والغدر، فكان على لسان (هاملت) خطابا محرضا تمرديا، ولعله اشد الحاحاً في خطاب (منير وعبد الرضا) اللذين نزلا بهاملت الى مدينتنا وهي تذرف مدراراً من الخيانات والفساد، ومن التآمر اليومي حيث تمر الذات الانسانية في مدينة (فرضيتنا) بشتى انواع العذابات التي جعلتهما يستعيران شكلاً آخر من اشكال الاحتجاج والتمرد، فالعرض يتصدى لجوانب من هذه المؤامرة بإسقاط الجوانيات الموضوعية من العذابات الآنية للذات الانسانية المنتهكة وامتدادها الى ابشع التفاصيل وبشتى اشكال التعذيب النفسي وحتى الجسدي، وهو لا يخلو من بعض الإشارات الصريحة إلى انواع التعذيب التي توافرت عليها أزمنة الخراب والفتنة وتمثلاتها الوحشية بتوظيف ادوات اللحام والحفر بالحديد، إشارةً إلى سبل الوحشية والتعذيب اللا إنسانية، وهذا لا يحتسب فقط للمؤلف الذي وجه معطيات الخطاب الشكسبيري باتجاه رؤيته المحلية والآنية؛ بل يحتسب لسينوغرافيا العرض والإخراج في تشكلاتهما التعبيرية ايضا.
ولعل هذا هو أهم ما في فكرِ هذا العرض، حيث أنه البس المألوف (السابق) لبوساً (لاحقاً) في مغايرةٍ تنتمي بشكل أو بآخر إلى (التعرضن) بوصفه اداة تواصلية من خلال الرواق (الابستيمولوجي) للتناص.
ولعل البيئة المكانية (منتدى المسرح) كبيئةٍ للعرض؛ جعلت من المسرح شاهداً على العصر ومن المتلقي مشاركاً، لهذا جعلنا المخرج نحيط بالعرض لنكون شهوداً وضحايا نشعر بالضيق كجمهور العرض كان محرضاً ينتظر منا احتجاجاً على ما يحيط بنا من خراب، وهذا ما أشار إليه المخرج في دليل العرض، حين كتب أنه تحريض على الأسئلة لا الأجوبة لكشف هشاشة العدالة، حين يصبح المسرح قفص اتهام ومحرضا في الآن نفسه.
إن خزين ذاكرة المشاهد المسرحي العراقي؛ ثرية وحاضرة عند مشاهدة أي تشكيل بيئي او سينوغرافي في أي عرضٍ مسرحي، فمنذ سبعينات القرن الماضي تختزن الذاكرة المسرحية مشاهدَ وتشكلات سينوغرافية، اقترب بعضها من بعض، وطابق بعضها البعض الآخر، وخالف بعضها البعض الاخر.
إن أي تكرار لأي مشهد من عرضٍ لآخر؛ ليس بالضرورة انتحالا او سرقة أو نقلا من أي قيمة ابتكارية؛ فالكثير من عروض المسرح العراقي وجدت لها شبها، واحياناً يقوم المخرج والمصمم باستدعائها قصدياً لضرورات العرض، خصوصاً إذا ما كانت المسرحية هي ذاتها موضع العرض، او سبق عرضها عالمياً، كما حصل مثلا في عروض كبيرة ومهمة مثل (كوريولان) و(غاليلو غاليليه) في ثمانينات القرن الماضي بعد عرضها في العراق.
وعوداً الى (هاملت في المدينة) فإننا نجد أن سينوغرافيا المكان؛ استدعيت عن قصد من قبل المصمم (سهيل البياتي) إذ أن مشهد الزنزانة، كان هو نفسه الذي سجل ابتكاره الأول في المسرح العراقي باسم مسرحية (بيت برناردا البا) اخراج (سامي عبد الحميد) عام 1979 وتصميم (سلمى العلاق)، واعيد تكراره فيما بعد بطريقة أخرى في مسرحية (اللعبة) اخراج (فاضل خليل) وتصميم (كامل هاشم) 1986، وربما في عروض أخرى مثل (هيروسترات) او غيرها. إن تعالق (السابق- اللاحق) موجود في هذه العروض خامةً وشكلاً الا انه تغاير دلالي ووظيفي مختلف في كل عرض، وقد اشتغل مرة (البيت) ومرة (السجن) واخرى (المدينة) فالزنزانة التي احاط بها الجمهور في هذا العرض وسط المكان المكتظ كانت حصاراً للجميع (الممثل - الجمهور) لتأكيد تواصلية المشاركة في العرض مع المتلقي، وربما كشكل من اشكال عروض (القسوة) ليبدو ضيق المسافات هنا بهدف تأكيد تلك المشاركة (الموضوع - ذات المتلقي ـ الممثل ـ ذات المدينة) فكان (هاملت هو المدينة).