كانون2/يناير 12
   

 

 يشبه الفن التشكيلي العراقي نهرًا يتدفق عبر الأزمان يخرج من باطن التاريخ كما يخرج الفرات من ينابيعه الأولى، ليعيد تشكيل ملامح الروح الإنسانية في كل عصر؛ فمنذ اللحظة التي نقشت فيها أصابع السومريين أول ملامح الإنسان على الطين، ومنذ أن خط البابليون خرائط النجوم والآلهة على جدران معابدهم، ظل العراقي عبر الزمن يكتب وجوده بالصورة قبل أن يكتبه بالحرف، وينحت ذاكرته بالحس قبل أن يدونها بالكتابة، ولهذا لم يكن التاريخ يومًا خلفية للفن العراقي، بل كان نسيجه الداخلي جوهره الحي الذي ينهض في كل تجربة، ويجدد نفسه في كل جيل، كأن الفن هنا ليس مجرد ممارسة إبداعية، بل استمرار للموروث الإنساني العميق، الذي شكل هوية بلاد الرافدين عبر آلاف السنين.

 ولعل مقولة بابلو بيكاسو الفن يمسح عن الروح غبار الحياة اليومية تنطبق بعمق على التجربة التشكيلية العراقية؛ فالفنان العراقي لم يكن يومًا مجرد صانع صورة بل كان كائنًا يقاوم الغبار المتراكم على روحه وروح شعبه، كان يحول المعاناة والخسارات والحروب والاضطرابات والمخاوف والأحلام المؤجلة إلى لغة بصرية حادة ومبتكرة تنتقل من التعبير الفردي إلى الشهادة الحضارية، وهنا تتجلى فرادة الفن العراقي فهو ليس انعكاسًا لعالم خارجي فحسب، بل هو صراع داخلي بين الذاكرة وما تبقى منها بين الحاضر وثقله بين الإنسان وأسئلته الكبرى.

 جذور الفن الحديث في العراق

  لقد تبلورت الحركة التشكيلية العراقية الحديثة عبر مسار تخطى تفاصيله الزمنية إلى جوهره الخلاق وهذا المسار لم يكن خطًا مستقيمًا بل سلسلة موجات متعاقبة كل موجة منها تحمل نبرة خاصة ونفسًا فكريًا مميزًا، فقد بدأت ملامح الوعي الأكاديمي تتشكل مع الطليعة الأولى من الفنانين الذين درسوا الفن في الخارج وعادوا محملين بالمعرفة الحديثة لكنهم سرعان ما اكتشفوا أن هوية اللوحة العراقية لا تصنع في مدن الغرب، بل في الأزقة الشعبية لبغداد وفي الطين الذي صنع حضارة الرافدين، ثم بدأت مرحلة البحث العميق عن هوية فنية خالصة تستند إلى التراث من دون أن تتكرر وتتصل بالحداثة، دون أن تصبح ظلًا لها فكان الاتجاه نحو العلامة المسمارية والأسطورة والرموز الرافدينية والوجدان الشعبي، ثم جاءت موجة الازدهار المؤسسي التي شهدت ولادة الجماعات الفنية التي أعادت تشكيل المشهد التشكيلي بروح جماعية واعية، وفي مرحلة الانفتاح على العالم صار الفنان العراقي جزءاً من حركة فنية عالمية يتفاعل معها دون أن يذوب فيها، ومع الاضطرابات السياسية التي مرت بالبلاد تغيرت لغة اللوحة فأصبحت أكثر توترًا وأكثر تعبيرًا عن الشهادة والجرح، لكن هذه المرحلة كشفت عن قدرة الفن على مقاومة الانكسار وأخيرًا جاءت مرحلة التجديد المعاصر التي حملت رؤى جديدة وأدوات متنوعة لكنها حافظت على الجذر الرافديني الذي لم يغادر أي تجربة عراقية أصيلة.

 رواد الهوية الذين صنعوا الضوء

  ما ميز الفن العراقي هو حضور مجموعة من الأسماء الكبرى التي صنعت الهوية البصرية وروح الحداثة: جواد سليم الذي جعل من النحت خطابًا للحرية، ونزيهة سليم التي جعلت من المرأة العراقية رمزًا للحياة، وفائق حسن الذي غرس روح المدرسة الحديثة، ومديحة عمر التي فتحت باب الحروفية، وشاكر حسن آل سعيد الفيلسوف الذي جعل من اللوحة نصًا روحيًا، وإسماعيل الشيخلي وكاظم حيدر اللذان منحا التعبير الرمزي بعده الملحمي.. هؤلاء لم يستوردوا الحداثة من الخارج بل أعادوا صياغتها بروح عراقية خالصة فكانوا أوفياء للطين الأول وللرمز الرافديني وللذاكرة الوجدانية لشعبهم.

 الجماعات الفنية وبناء الخطاب البصري

 في منتصف القرن الماضي أصبحت بغداد مختبرًا فنيًا حيًا فقد سعت الجماعات الفنية إلى تأسيس خطاب بصري جديد يزاوج بين الأسطورة والتاريخ والواقع، ويعيد قراءة العلامة السومرية والخط العربي والموروث بوصفها عناصر حية قابلة للتحول: جماعة الرواد ثم جماعة بغداد للفن الحديث وغيرهما أسست لنمط جديد من التفكير في الفن، وجعلت اللوحة العراقية جزءًا من خطاب عالمي لا تابعًا له، بل شريكًا فيه، يعمل على إعادة صياغة المعنى بين إرث ثقيل وواقع مضطرب ورغبة جامحة في الحرية، ولذلك جاءت اللوحة العراقية مزيجًا فريدًا بين الحلم والرغبة والجذور.

 الفن كقوة مقاومة وجمال

  عبر كل التحولات بقي الفن العراقي قوة مقاومة لا أداة تزيين حين ضاق الواقع اتسعت اللوحة وحين خفتت الأصوات تكلم اللون، وحين تعبت البلاد حمل الفن ذاكرة الناس الفنان العراقي ينحت حلمه من صلابة الأيام، ويستدعي الذاكرة كأنها بئر لا تجف، هو جزء من طين الحضارة التي كتبت أول قانون وأول أسطورة وأول قصيدة، ولذلك ظل الفن هنا أقرب إلى نبض الأرض منه إلى رفاهية الإبداع

 الفن العراقي بوصفه تاريخ الفن

  ليس التشكيل العراقي فرعًا من تاريخ الفن، بل هو تاريخ الفن نفسه بلغة الرافدين. إنه امتداد لحضارة لا تزال تنطق عبر الطين ويتجدد حضورها عبر أجيال من الفنانين الذين يكتبون العراق بألوان مختلفة، لكنهم يجتمعون على رسالة واحدة: أن يظل الفن الجسر الذي يعبر به الإنسان من الألم إلى الخلود الفن العراقي اليوم يقف بين ماض فخم وحاضر مليء بالتحديات ومستقبل مفتوح على احتمالات كثيرة، لكنه يحمل يقينًا واحدًا: أن الصورة هنا ليست شكلًا بل ذاكرة، وليست لونًا بل شهادة، وليست لوحة بل وطن كامل يعاد رسمه كل يوم. ولهذا فإن الحديث عن الفن التشكيلي العراقي ليس حديثًا عن تجربة جمالية فحسب بل عن سردية إنسانية كتبتها أجيال من الفنانين الذين جعلوا من الجمال طريقًا للمقاومة ومن الذاكرة طريقًا للخلود.

 اميرة ناجي: ناقدة وفنانة تشكيلية