
حينما تتصاعد أنفاس الموسيقى ببطء:
لا أراني مُغاليا إن قلت ان أوضح ملامح "البناء النمائي" في تاريخ السيمفونية، تجلى في أسلوبية الموسيقي النمساوي أنطون بروكنر (1824 – 1896). فهو غالبا لا يبني موسيقاه على الدراما اللحظية أو الإثارة الشعورية، إنما على النمو التدريجي لأفكاره اللحنية داخل بنية متوازنة منتظمة، والتوسع بخطى قصيرة متتالية.
نظريا، "البناء النمائي" في الموسيقى منهج في التوليف يعتمد على التوليد الموضوعي، أي اشتقاق البنية الكاملة للعمل من نواة لحنية أولية تُعاد صياغتُها عبر تحوير مورفولوجي (بنائي/ تشكّلي) وتوسع مقطعي ضمن نسق مغلق ذاتي المرجعية، بدل توليد هوية لحنية خالصة تُحال إلى هوية أخرى تكميلية فارِقة.
ففي السيمفونيات عادة يقسم العمل إلى أربع حركات مستقلة ثانيتها مكملة للأولى، وهكذا، مع الحفاظ على خصوصية كل حركة لحنيا وإيقاعيا، وعلى مدى تناسبها مع الأخريات في بنية شكلية كلية. وعند السير على أسلوبية "البناء النمائي" يطرح الملحن الفكرة الأساسية كبذرة موسيقية، ثم يكررها ويحورها تدريجيا عبر طبقات الأوركسترا المتعددة، مع تغييرات دقيقة في الهارموني والإيقاع واللون الصوتي، وهذا يتم في داخل الحركة الواحدة، وينسحب إلى بقية الحركات.
الأسلوب هذا يسمح للبنية الموسيقية بالنمو وفق منطق عضوي قائم في ذاته. إذ تتوالد العناصر من داخل النظام اللحني نفسه وليس من إضافات خارجية. وهنا تتوسع الجملة اللحنية تدريجيا، شرطَ الحفاظ على وحدة النسق الداخلي والتماسك البنيوي. وفي حالة بروكنر، ينعكس "البناء النمائي" في نمو الأفكار اللحنية من عبارة قصيرة إلى بنية صوتية معمارية ذات توازن طاقي – ديناميكي بين المستويات الهارمونية واللحنية. وهذا يأتي (غالبا) في ألحانه مرافقا لشعور بامتداد زمكاني يذكّر ببنية وأجواء الكاتدرائية - عتبته الموسيقية الأولى.
إن بروكنر يفتتح سيمفونياته عادة بعبارة لحنية محدودة. ثم يتحوّل عبر تكرار وتحوير طفيف على خطوات اللحن، وخلال تراكم أوركسترالي، إلى شكل موسيقي بالغ السعة، بينما يُراعي ترسيخ عتبة فكرة اللحن في الذاكرة السمعية المؤقتة، كي لا تفلت من أذن المتلقي.
في سيمفونياته الرابعة والسابعة والثامنة والتاسعة، يمكن ملاحظة هذا النمط بوضوح. إذ تنمو الجمل اللحنية الصغيرة كالخلايا، على مراحل، لتشكل بناءً موسيقيا متكاملا، يشبه الصرح المعماري في ترتيب عناصره الداخلية، مع الحفاظ على العلاقات بين تلك العناصر كضرورة، وإدراج جملٍ فجائية الصعود من حيث نبرة الصوت والدرجة الموسيقية.
لم يكن بروكنر وحده من جسّد في موسيقاه فكرة "التطور العضوي"، أي نمو العمل الموسيقي من داخله كما ينمو الكائن الحي (وهي فكرة ألمح إليها وقتذاك المؤرخ الموسيقي الألماني أدولف برنهارد ماركس). فقبل بروكنر طبّق موسيقيون مثل بيتهوفن وبرامز هذه الفكرة عمليا من دون إطار نظري مسبق. إذ تولد كل فكرة في أعمالهم من فكرة تسبقها عبر تحويرات دقيقة تُراعي ثبات الهوية اللحنية.
وطُبق ذلك أيضا قبل يصوغ الموسيقي والناقد النمساوي أرنولد شوينبرغ، الإطار التحليلي لـ"التطور العضوي" تحت مسمى "التنويع النمائي". وفي الخلاصة تبلور مفهوم "البناء النمائي". وهو في الواقع اكتشاف نقدي لاحق، شخّصه نقاد أمثال البريطاني دونالد توفاي والألماني كارل دالهاوس في أعمال بروكنر. حيث رسّخ هذا النمط في سيمفونياته (عفويا)، من خلال مزاوجة "التطور العضوي" مع "التنويع النمائي". أي أن كل جملة موسيقية تنشأ من سابقتها عضويا، مع تحوير دقيق يولد الشكل العام للعمل، فتتجسد الوحدة والاتساق في البناء الكلي للسيمفونية.
من الناحية التاريخية، تُنبّه هذه الأسلوبية إلى مفارقة معرفية فريدة في البناء الجمالي. إذ رسّخت ما يشبه النظام البنيوي الذاتي المرجّع قبل أن يشق عالم اللغويات السويسري دي سوسور مفهوم النسق اللغوي المغلق، بعقود، ويُشاع تنظيريا بعد العقد الأول من القرن العشرين.
عمليًا، يطوّر بروكنر كل فكرة موسيقية تتابعيا ضمن سياقها الأوركسترالي، بحيث تُبنى العلاقات بين العناصر الموسيقية وفق نظام متكامل، ليس كقطع منفصلة. ويوازي هذا الترتيب العملي جوهر المنهج البنيوي. حيث التركيز على العلاقات بين العناصر داخل النظام بدل التركيز على العناصر منفردة. بالتالي، يمكن القول ان بروكنر طبّق مبادئ بنيوية، وإن كانت غير ممنهجة، قبل أن تُسن أكاديميا، محققا وحدة داخلية وتطورا عضويا للأفكار الموسيقية.

جذور هذا الحس البنائي في موسيقى بروكنر ربما تعود إلى نشأته الكنسية في مدينة أنسفيلدن النمساوية. حيث كان وهو في العقد الأول من عمره يعزف الأرغن في الكنيسة خلفًا لوالده. وفي تلك الأجواء الموسيقية الطقسية ذات الجمل الطويلة، يبدو أن بروكنر تعلم فكرة التمدد الزمني البطيء وتنامى لديه معنى التوازن بين الصوت الفردي والمجموع، وأدرك الفراغ الصوتي كجزء حي من اللحن. وعند انتقاله لاحقًا إلى فيينا، حمل معه هذا المنطق إلى الأوركسترا، فظهرت سيمفونياته كتحويل للأرغن الكنسي إلى آلة ضخمة متعددة الأصوات (كونتربوينت).
قبل أن يبلور بروكنر أسلوبه في "البناء النمائي"، كان متأثرا بمراجع موسيقية عدة، شكلت أساس فهمه للألحان الكبرى. فهو تعلم كعازف أرغن التدرج البطيء في صياغة الجمل اللحنية والتنظيم الطبقي للأصوات، ما عزز في داخله فهم الفضاء الصوتي المنظم وفق مبدأ التوزيع الطيفي الطبقي. ثم اتخذ الهارموني وظيفة بنائية وليس تلوينية، واستقى بالتالي من الموسيقى الكلاسيكية المبكّرة، لا سيما في أعمال بيتهوفن وهايدن، أدوات التطوير اللحني وبناء الحركات.
لكن الأثر الأبرز كان الموسيقي الألماني ريتشارد فاغنر (1813 – 1883)، الذي مثّل بالنسبة لبروكنر بوابة الدخول إلى فضاء السيمفونية. إذ ان سماعه فاغنر لم يؤثر فقط على حسه الهارموني، بل ألهمه أيضا لترك عمله كعازف أرغن والانشغال تماما في التأليف السيمفوني. من هنا بدأ تحويل تجربته الكنسية إلى لغة أوركسترالية ضخمة.
تتسم سيمفونيات بروكنر بنشوء الفكرة اللحنية من خلية لحنية محدودة، تتحول تدريجيا إلى شكل موسيقي ممتد. هذا التمدد يقوم على تطوير منطقي للمواد اللحنية: كل جملة تتبع سابقتها بطريقة تسمح بالنمو العضوي مع الحفاظ على الترابط المحوري بين الوحدات الموضوعية، ضمن نسق بنائي مغلق يتأسس على مبدأ "الهوية عبر التحول".
ويستخدم بروكنر التكرار الذكي كأداة للبناء. إذ يعيد الجمل اللحنية مع إضافة تغييرات دقيقة في الهارموني والإيقاع وفي التوزيع الآلاتي، ما يخلق تماسكا داخليا للمادة الموسيقية وإحساسا بالنمو التدريجي للفكرة. ويظهر ذلك في معظم سيمفونياته. حيث يمكن ملاحظة التكرار مع التحوير على مستويات متعددة دون فقدان الهوية اللحنية.
ومما يُميز أسلوبية بروكنر، هو اتخاذه من الصمت والصدى المعزوف والتوسع المتتابع وتصاعد الصوت وانخفاضه تدريجيا (كريشندو – دي كريشندو)، مؤثرات أصيلة لا تقل شأنا عن بنية الجمل اللحنية.
بهذا المعنى، تُعدّ تجربة بروكنر تطبيقا مبكرا لمفهوم البنية ذاتية الاكتفاء في الفن. إذ تتماهى الموسيقى مع نظامها الداخلي، وتتحرر من الوظائف السردية أو التعبيرية، لتغدو شكلا محضا في صيرورة داخلية.
ورغم موهبته الفارقة، ظل بروكنر بعيدا عن الأضواء في المشهد الموسيقي الفييني، ولم يحظَ بالاعتراف الكامل إلا في ثمانينيات القرن التاسع عشر، قبل وفاته بسنوات. وبعد رحيله شوهت الدعاية النازية صورته وحوّلته إلى رمز أيديولوجي
ما سبّب تراجع انتشاره خارج العالم الناطق بالألمانية. ولم يُعترف بقيمته الاستحقاقية إلا بعد الحرب العالمية الثانية، عندما أعاد موسيقيون في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية اكتشافه وتقييم أعماله بمنأى عن الأبعاد السياسية والأيديولوجية، ليظهر بعدها الجانب البنائي الفني الخالص لموسيقاه.
إذ ان النازية أعادت تفسير أعماله بالشكل الذي يخدم أيديولوجيتها، وقامت بتصويره من ملحن نمساوي متديّن موهوب، إلى رمز ألماني نقي، وتزييف الانطباع تجاه موسيقاه ليُجسد فضائل قومية وعرقية!
وكانت سيمفونيات بروكنر في الأصل أعمالا تعكس أفكارا داخلية خاضعة لبناء لحني صارم مبتكر، ولا يمكن نسبها إلى أي جذر شعبي أو عرقي، إلا أن النازية أحالت تفسيرها إلى نزعة جمالية وطنية تبرز التفوق الألماني وتعيد بناء الروح القومية. لذلك، أن هذا التحوير القصدي أدى إلى تجاهل الغرب بروكنر عقودا، حتى أعاد الموسيقيون اكتشاف قيمته الفنية المحضة.
إن القيمة الكبرى في نمائية بروكنر لا تكمن في الضخامة الأوركسترالية وحدها، إنما في قدرته على جعل الزمن عنصرا بنائيا في الموسيقى. فكل تصاعد لحني أو توقف لحظة صمت، ليس تزيينا، إنما لبنة من لبنات البناء. لقد حوّل بروكنر فكرة "التطور" من مبدأ بيولوجي إلى مفهوم جمالي قائم على النمو الداخلي للحن، بما يجعل موسيقاه أقرب إلى عملية خلق مستمرة خلافا للعرض الشعوري اللحظي.
وهكذا، يبدو أن بروكنر لم يكن مجرد وريث لسابقيه، بل مؤسسا لاتجاه جمالي جديد يرى في التكوين الموسيقي كائنا حيا ينمو من داخله. وربما لهذا السبب، جاءت موسيقاه عصيّة على الاستهلاك السريع، وتحتاج إلى أذن صبورة قادرة على إدراك البنية قبل الانفعال.
عبد الله البصري : موسيقي وعازف عود