كانون2/يناير 12
   
 الإشكالية والأهداف والمنهج
 تصدر رواية علي بدر (الزعيم: خرائط وأسلحة) "دار المدى، 2024" ضمن مشروعٍ سردي يسعى إلى تفكيك التاريخ العراقي الحديث عبر مزج الوثيقة بالتخييل، واستعادة شخصيةٍ محورية الزعيم عبد الكريم قاسم في لحظتَي الصعود والاغتيال وما بينهما من وقائعٍ متنازعٍ عليها في الذاكرة والكتابة. ويشي العنوان بثنائيةٍ حاكمة لآلية القراءة: خرائط (الدلالة على التوثيق والوقائع والحيّز) وأسلحة (الدلالة على الفعل والصراع وتنازع السرديات).
وحدود العلاقة بين المرجعية التاريخية والخَلق السردي في كتابةٍ سيرذاتيةٍ عن شخصيةٍ عامة. تنطلق الفرضية من أن الرواية السيرذاتية، بوصفها نوعًا هجينًا بين السيرة والرواية، تتطلب التزامًا بالحقائق «الصلبة» للشخصية، مع فسحةٍ للتخييل في التفاصيل غير المؤرخة أو المختلف عليها، أو في بناء تاريخٍ موازٍ حين يعلن النص نزوعه الفانتازي بوضوح. وتتقاطع هذه الفرضية مع قراءاتٍ سابقةٍ لسرديات علي بدر بوصفها كتابة «حُرّة» لما بعد الحداثة، تحتفي بالهجنة النوعية وتماهي الحدود بين الأجناس.
 
الإطار النظري
  1. الرواية السيرذاتية كجنس هجين
 تبيّن دراسة فرح مهدي صالح أن «الرواية السيرذاتية» جنسٌ هجينٌ يخرق الحدود الصارمة بين السيرة والرواية، ويتكئ على «الكتابة الحرّة» لما بعد الحداثة، بما يتيح تعدد الأقنعة السردية وإعادة تشكيل «الذات» موضوعًا وساردًا معًا، وفي هذا الأفق، يغدو سؤال «نسبة الواقع إلى التخيل» سؤالًا نقديًا، لا توثيقيًا محضًا؛ إذ يُفترض إمساك عُرى الحقائق الكبرى حين تكون الشخصية عامة وتاريخية.
 
  1. الوثيقة، التخيّل التاريخي، والميتاقص التاريخي
ترى رنا فرمان الربيعي أن توظيف الوثيقة داخل الرواية الحديثة ليس نقلًا «خامًّا» للمرجع، بل إدماجٌ حكائي يعيد إنتاج الوثيقة ضمن بنية الحدث، ويتيح حوارًا بين مرجعين: التاريخي والروائي. وتُبرز تنظيرات ما بعد الحداثة -خاصة مفهوم "الميتاقص التاريخي" - كيفية إظهار النص وعيه بصناعته وهو «يسرد التاريخ»، فيُسائل اليقينيات ويمسرح الأرشيف داخل لعبةٍ روائية تعلن صنعتها وتفكك خطاب السلطة المعرفية.
على وفق هذا المنظور لا تُحاكم الرواية التاريخية بمجرد «مطابقة فوتوغرافية» للتاريخ، بل بمدى وعيها النقدي بالوثيقة وكيفية إدخالها في النسيج السردي. مع ذلك، لا تُعفي الهجنةُ السردَ السيرذاتي من حدٍّ أدنى من الانضباط المرجعي في الوقائع الجوهرية للشخصية التاريخية، وإلا انقلب «التخييل المشروع» إلى تشويشٍ معرفي يخصم من العمل وإن زاد من غرائبيته.
 
  1. منظور السياسة وأنماط الشخصيات
 تكشف دراسة المنظور السياسي في أعمال علي بدر عن تمثّلٍ واعٍ لتحولات الهوية والانتماء والسلطة، عبر شخصياتٍ مثقفة ومهمشة تتوزع على حقول الصراع الاجتماعي والسياسي، وتنعكس في طرائق السرد والمنظور واللغة ، وفي هذا السياق لا يُقرأ التخييل ترفًا جماليًا؛ بل أداةً لفهم السياسة وتجسيد أثرها في الفرد والجماعة، وفي تشكيل صورة الزعيم داخل المخيال العام. وتُظهر بحوث «أنماط الشخصيات» نزوعًا إلى بناء النماذج (المثقف/الضابط/السياسي) بوصفها تمثيلاتٍ لقوى اجتماعية وتاريخية، وهو ما سيحضر في معالجة شخصية قاسم بوصفه «أنموذجًا» تُسقط عليه تمثيلات الجماعة/السلطة/المدينة.
 
تحليل النص
(أ) البعد التاريخي: بين دقة الوثيقة وانزياحات السرد
 منذ الصفحات الأولى لرواية (الزعيم: خرائط وأسلحة)، يتضح حرص علي بدر على الانطلاق من وقائع تاريخية ثابتة: الانقلاب في 8 شباط 1963، مشهد مقهى البرازيلية في بغداد، صورة عبد الكريم قاسم في مجلة التايم، وحتى حضور شخصيات سياسية وإعلامية حقيقية في بغداد والقاهرة وباريس. هذه الاستعانة بالوثائق والوقائع تضع الرواية ضمن إطار الرواية السيرذاتية التاريخية، حيث يستند السرد إلى شخصية تاريخية مهمة، ويعيد صياغة مسيرتها في قالب روائي. بيد أن القراءة الدقيقة تكشف عن تفاوتٍ في الالتزام بالتاريخ: فمن جهة، يستثمر النصّ الوثيقة لتأصيل واقعيته؛ ومن جهة أخرى، ينزاح عنها إلى منطقة الالتباس أو الخطأ التاريخي.
تبدو الدقة في توثيق الأحداث المفصلية واضحة في الرواية، فحين يصف السارد انقلاب شباط 1963، ينقل للقارئ أجواء بغداد الممطرة عشية الانقلاب، ويُدخلنا إلى مقهى البرازيلية المزدحم بدخان السجائر وروائح القهوة، حيث يبرز مشهد "غدارة بور سعيد" التي كان يحملها قاسم، في صورة تقترب من التوثيق المباشر أكثر مما تقترب من الخيال الحر، وإلى جانب المشهد المحلي، يوسّع النص أفقه عبر إحالات إلى العالم الخارجي، فيذكر تفاصيل عن صدور ألبوم ( Please Please Me) لفرقة البيتلز في لندن في الشهر نفسه، ليضع الحدث العراقي في سياق عالمي متزامن، ويمنح السرد مصداقية زمنية تتجاوز حدود المكان. أما على صعيد الوثائق، فإن الرواية تستثمر صور مجلات وصحف التايم واللوموند واللومانيتيه، وتجعلها جزءًا من نسيجها الحكائي، في ما يشبه استراتيجية "الأرشفة السردية" التي تحدثت عنها رنا فرمان الربيعي في دراستها حول "الوثيقة والتخيّل التاريخي"، حيث تتحول الوثيقة من مجرد خلفية داعمة إلى عنصر فني يشارك في تشكيل البنية الروائية نفسها.
وعلى الرغم من الصرامة الظاهرية في السرد، نجد إن محك المقارنة الدقيقة مع المصادر التاريخية والوثائق اليقينية يكشف لنا الكثير من الهنّات في ضبط الوقائع. فمثلاً يرد في النص أن والد عبد الكريم اسمه "قاسم النجار"، في حين تؤكد المصادر التاريخية، ومنها دراسة (عبد الكريم قاسم في ضوء ملفه الشخصي) للمؤرخ عماد عبد السلام رؤوف / ص 57، أن اسم الوالد هو جاسم محمد والمعروف بمهنته "جاسم النجار"، وأن عبد الكريم هو من غيّر الاسم لاحقًا في أوراقه الرسمية، وهو تفصيل جوهري في كتابة السيرة الذاتية لأن الاسم يمثل جزءاً من الهوية الرسمية للشخصية.
كما أن الرواية تتجاهل مشاركة قاسم في حرب فلسطين سنة 1948، وهو حدث محوري في مسيرته العسكرية كان من شأنه أن يعزز صلته بالمشروع القومي العربي، وتجاوزه يخلّ بالسردية التاريخية العامة. ويزداد الالتباس عند الحديث عن صورته في مجلة التايم، إذ يشير السارد مرة إلى صورة نُشرت يوم 9 شباط 1963، ثم يعود ليذكر صورة ملونة تصوّره «أشبه بسفاح»، وهي إحالة تبدو متناقضة زمنيًا لأن الأولى تعود إلى لحظة الانقلاب، بينما الثانية صدرت إبان المد الشيوعي عام 1959 والحملة التي شنها الإعلام الغربي ضده لهذا السبب.
ومن مواطن الخلل أيضًا ما أورده السارد على لسان قاسم حين قال إن ولادته جاءت بعد شهر من اغتيال الأرشيدوق النمساوي فرانتس فرديناند ولي عهد النمسا واندلاع الحرب العالمية الأولى. بينما التاريخ الحقيقي يثبت أنه وُلد في تشرين الثاني/نوفمبر 1914، أي بعد أربعة أشهر من اندلاع الحرب، وخمسة أشهر من حادثة الاغتيال في سراييفو، وهو خطأ او تلفيق لا يخدم السرد.
وإلى جانب ذلك، تصوّر الرواية الشاعر جميل صدقي الزهاوي في إسطنبول ميالًا للبريطانيين، بينما تؤكد الشواهد التاريخية الدقيقة أنه كان في بغداد طوال تلك الفترة، يكتب قصائد مديح لوالي بغداد آنذاك جمال باشا السفاح ويدافع عن الدولة العثمانية العلية حتى سقوط بغداد بيد الإنكليز وتحول هوى الزهاوي للبريطانيين ولمديح المندوب السامي البريطاني برسي كوكس. وهكذا، فإن هذه الانزياحات لا تُعد مجرد هفوات، بل تشكّل خللاً في خطاب الرواية التاريخي، لأنها تمسّ جوهر السرد السيرذاتي الذي يقوم أساسًا على احترام الحقائق الكبرى للشخصية.
يمكن النظر إلى هذه الأخطاء من زاويتين متباينتين. فمن جهةٍ أولى، يمكن ان نعدها ثغرات توثيقية تقلّل من مصداقية السرد السيرذاتي، لا سيما أن الرواية تتعامل مع شخصية تاريخية عامة لا متخيّلة، الأمر الذي يستدعي التزامًا أكبر بالحقائق المرجعية. وفي هذا السياق يلتقي النقد مع ما أشارت إليه فرح مهدي صالح، إذ ترى أن الرواية السيرذاتية عند علي بدر تُكتب في أفق ما بعد الحداثة، لكنها تبقى ملزمة، بحكم موضوعها، بحدٍّ أدنى من الدقة التاريخية.
ومن جهة ثانية، يمكن تأويل هذه الأخطاء بوصفها مقصودة فنياً من المؤلف، في إطار ما تسميه ليندا هتشيون "الميتاقص التاريخي"؛ أي إعادة كتابة التاريخ مع وعيٍ مسبق بالانزياح والتخييل. وبذلك يبدو أن بدر يتعمد صياغة تاريخ "موازي" أو «"مفترض" ليشير إلى أن كل تاريخ هو في جوهره بناء سردي لا حقيقة مطلقة، وهو ما يعززه أسلوبه في توظيف الوثيقة داخل لعبة سردية تُفكك سلطة الأرشيف وتعيد تشكيلها فنياً.
إذن، يمكننا القول إن النص يتراوح بين التوثيق الدقيق (خاصة في المشاهد السياسية المفصلية والإحالات الدولية) والانزياح المربك (في التواريخ والأسماء والشخصيات). وهذا التذبذب يعكس مأزق الرواية السيرذاتية التاريخية: فهي تسعى إلى إعادة كتابة التاريخ بأدوات الفن، لكنها لا تنجو من مساءلة القارئ عن صدقها. وهنا يتجلّى "الشرط المزدوج" الذي يواجه علي بدر: كلما كانت الإحالة التاريخية دقيقة، كلما عزز النص مصداقيته، وكلما انزاح، تعاظم البعد الفني لكن على حساب القيمة المعرفية.
 
(ب) البعد الإبداعي: استراتيجيات التخييل وجماليات السرد
 إذا كان البعد التاريخي في (الزعيم: خرائط وأسلحة) يتحدد بمدى التزام السارد بالحقائق، فإن البعد الإبداعي يتجلى في طريقة تحويل الوقائع إلى سردية فنية.
 علي بدر لا يقدّم «تأريخًا روائيًا» بالمعنى الكلاسيكي، بل يمارس التخييل التاريخي الذي يجعل من الوثيقة مادةً حكائية، ويمنح السيرة الذاتية بعدًا دراميًا يتجاوز التسجيل إلى إعادة الاختراع او حتى التلفيق.
 يمكن تلخيص أبرز استراتيجيات التخييل عند بدر في النقاط الآتية: يتسم السرد في الرواية بتعدد المنظورات، إذ لا يقتصر على صوت واحد يهيمن على الأحداث، بل يتنقل بين مستويات مختلفة من الأصوات. فنجد الراوي العليم الذي يقدّم المشاهد الكبرى مثل انقلاب شباط ومقتل الزعيم، وإلى جانبه تتداخل أصوات أخرى ثانوية، كأصوات الصحفيين الأجانب والمثقفين والمراسلين، وحتى أفراد العائلة.
وتدخل في النسيج السردي أيضًا وثائق مكتوبة، من مقالات صحفية ومقتطفات من مجلات وأوراق شخصية، لتصبح جزءًا من الخطاب الروائي. إن هذا التوزيع للأصوات يحوّل الرواية إلى نص «بوليفوني» بالمعنى الذي حدّده باختين، حيث تتقاطع الرؤى وتتباين الصور حول شخصية الزعيم؛ فيراه البعض مخلّصًا وطنيًا فيما يصوّره آخرون سفّاحًا دمويًا. وقد رأت دراسة بشرى موسى أن هذا التعدد لا ينفصل عن منظور علي بدر السياسي، إذ يسمح بتجاور الرؤى المختلفة للشخصيات، ويكشف في الوقت نفسه أثر السياسة العميق في تشكيل الهوية والانتماء.
ويتجلّى البعد الإبداعي في الرواية عن طريق لجوئها إلى بناء تاريخٍ موازٍ، حيث تُصاغ أحداث وحوارات وتفاصيل لا وجود لها في السجل التاريخي، لكنها تظل ممكنة فنياً ضمن منطق السرد. ففي أحد المواضع، يُصوَّر عبد الكريم قاسم في طفولته وهو يحدّق في سقف البيت متخيلًا عوالم غامضة، وهي لحظة غير موثقة تاريخياً، لكنها تُستثمر لتأسيس صورة «الزعيم الحالم» الذي تتكوّن رؤيته منذ سنواته الأولى.
وفي موضع آخر، يستدعي السارد أساطير بغدادية مثل حكاية «جثة الإله الملقاة في دجلة» لتوازي صورة قاسم الغارق في الدماء، فيتحول النص إلى فضاء أسطوري يختلط فيه الواقعي بالميثولوجي. كذلك يلجأ السارد إلى صيغة «من أوراق فلان» ليمنح القارئ انطباعًا بوجود أرشيف ملفق او متخيل يوازي الوثائق الحقيقية، فيغدو النص محاكاة لأرشفة موازية، تمزج بين ما هو متحقق تاريخيًا وما هو مُبتكَر سرديًا. هذا ما يسميه النقاد الوثيقة المتخيَّلة، حيث تُبتكَر وثائق تبدو واقعية لإضفاء شرعية على السرد، بينما هي في جوهرها لعبة فنية. رنا فرمان ربطت ذلك بمفهوم «الميتاقص التاريخي» الذي يعترف بالانزياح ويحتفي به.
وظّف علي بدر الوثائق (صور، صحف، مقالات) بوصفها عناصر بنائية لا مجرد استشهادات. فالصورة في مجلة التايم ليست حاشية تاريخية، بل تتحول إلى محفز سردي يغيّر من إدراك القارئ للشخصية.  بهذا يتحقق ما تسميه الدراسات النقدية «الأرشفة السردية»، أي تحويل الأرشيف إلى مادة حكائية. هذه التقنية تقرّب الرواية من ما بعد الحداثة، حيث يختفي الحدّ الفاصل بين الوثيقة والمتخيّل. وكما توضح فرح مهدي صالح، فإن الرواية السيرذاتية عند بدر تتسم بمرونة «ما بعد نوعية»، إذ تفتح النص على الأجناس الأخرى (الصحافة، التاريخ، المذكرات) وتجعلها جزءًا من بنيته.
لا يتعامل علي بدر مع الوثيقة أو التخييل بوصفهما أدوات فنية محضة، بل يوظفهما كمدخل لإعادة قراءة السياسة العراقية في القرن العشرين. فالصورة التي يرسمها لعبد الكريم قاسم تتأرجح بين البطل الوطني والديكتاتور المستبد، بما يعكس تعدد السرديات السياسية حوله بين يسارية وقومية وليبرالية. وإلى جانب ذلك، يدخل النص أصواتًا أجنبية مثل البريطانيين والمخابرات الأمريكية والصحافة الأوروبية، فيكشف عن البعد الدولي الذي كان حاضرًا بقوة في الصراع السياسي العراقي.
أما التركيز على اليوم الأخير من حياة قاسم فيمنح الرواية بعدًا تراجيديًا، إذ يتقاطع التاريخ الفردي للزعيم مع الحدث الجمعي الذي غيّر مسار البلاد. وكما يشير قبس حسن الكروي في بحثه" أنماط الشخصيات في روايات علي بدر"، فإن بدر لا يقدم شخصياته كذوات فردية مستقلة فحسب، بل بوصفها أنماطًا تمثل قوى اجتماعية وسياسية كالمثقف والضابط والسياسي، ليغدو الزعيم في نهاية المطاف تجسيدًا لصراع الهوية الوطنية العراقية، أكثر منه شخصية منعزلة قائمة بذاتها.
لا تقف الرواية عند حدود الوثيقة أو التاريخ الموازي، بل تنفتح أيضًا على فضاء الفنتازيا والأسطرة، لتمنح سردها طابعًا يتجاوز الواقعية المباشرة. فالدم الذي يختلط بمياه النهر ويُستعاد في صورة أسطورة «الإله الملقى في دجلة» يحوّل موت عبد الكريم قاسم من حدث سياسي إلى رمز أسطوري جامع يختزن أبعادًا تتجاوز حدود الزمان والمكان. كما أن المقارنات المتكررة بين بغداد من جهة ولندن أو باريس من جهة أخرى تضع شخصية قاسم في سياق أوسع، ليصبح جزءًا من «أسطورة عالمية» للزعيم-المنقذ/الضحية. وبهذا المزج بين الوثيقة والأسطورة، يُعاد بناء الشخصية التاريخية في فضاء تخييلي رحب، يحقق للرواية بعداً إبداعياً حتى وإن انطوت على انزياحات وشطت عن الدقة التاريخية.
يكشف التحليل أن (الزعيم: خرائط وأسلحة) لا تكتفي باستدعاء الوقائع، بل تعيد تشكيلها عبر التخييل الموازي والتعدد المنظوري والأسطرة. وبذلك، تنجح الرواية في تجاوز حدود "السرد التوثيقي" لتقدّم نصًا متشظيًا يعكس التناقضات السياسية والاجتماعية، ويمنح القارئ مساحة للتأمل النقدي. غير أن هذه القوة الإبداعية مشروطة دائمًا بالتوازن مع الدقة التاريخية: فحيثما تغلب الأسطرة والوثيقة المتخيَّلة دون سند تاريخي، يضعف البعد السيرذاتي، لكن حيثما تُوظَّف بوعي، تفتح الرواية أفقًا جديدًا لفهم التاريخ العراقي.
 
 (ج) دينامية التوازن بين التاريخي والإبداعي
 
تقوم الرواية على توترٍ مُنتَج بين قطبَي التاريخ والإبداع. ففي مشاهدٍ بعينها - كأجواء بغداد يوم الانقلاب أو إدماج الوثائق الصحفية - يبدو السرد أقرب إلى الصرامة التوثيقية، بينما ينزاح في مواضع أخرى- كتاريخ الميلاد أو صورة الزهاوي- إلى صياغاتٍ مغايرة أو خاطئة قياسًا بالمصادر. لا تهدف الرواية إلى «إعادة إنتاج» التاريخ كما هو، بقدر ما تسعى إلى إعادة تمثيله بعيونٍ روائية، في انسجامٍ مع تصوّر «الميتاقص التاريخي» الذي يعترف بتخييلية السرد وهو يعاين الماضي.
لهذا التوازن أثرٌ مزدوج: معرفي وجمالي. معرفيًا، كلما حافظ النص على حدٍّ أدنى من الدقة المرجعية—في الوصف الزمني والمشهدي والإحالات الوثائقية—ازداد قابليته للقراءة بوصفه جزءًا من «أرشيف الذاكرة». وجماليًا، يتيح الانزياح تحوّل الزعيم إلى رمزٍ أسطوري يُجسّد تناقضات السياسة والمجتمع، وتتحول المدينة إلى فضاءٍ مسرحي تتقاطع فيه طبقات الصوت. ترفد «الوثائق المتخيَّلة» هذه البنية بطبقةٍ إضافيةٍ تزيد النص تعددًا في الأصوات والرؤى. وبذلك تتبدّى الهجنة—كما لاحظت دراساتٌ تنظيرية—مصدرَ حيويةٍ وانفتاح على الأجناس.
على مستوى التلقي، يختلف موقف القرّاء: الباحث عن التاريخ قد يراها مضلِّلة بسبب الأخطاء المرجعية؛ والقارئ الأدبي يجد نصًا غنيًا بالتخييل والتعدد والمنظور والأسطرة؛ فيما يتعامل الناقد الأكاديمي معها بوصفها نموذجًا لاشتغال الرواية المعاصرة على الوثيقة، لا لاستعادة التاريخ كما هو، بل لتفكيك سلطته وإعادة إنتاجه داخل فضاءٍ جمالي.
 
الخاتمة والنتائج
 تضع الزعيم: خرائط وأسلحة قارئها أمام معضلةٍ جماليةٍ ومعرفية معًا. فهي من جهةٍ تعيد كتابة السيرة التاريخية لشخصيةٍ محوريةٍ اعتمادًا على وثائق وصور ووقائع سياسية مفصلية، ومن جهةٍ أخرى تفكك هذا التاريخ عبر التخييل الموازي، وتعدد المناظير، والأسطرة؛ بما يحوّل التاريخ من «مرجعٍ صلب» إلى مادةٍ مفتوحة لإعادة الصياغة. تُظهر القراءة أن النص يراوح بين دقةٍ توثيقية في مواضع، وانزياحٍ مرجعي في أخرى؛ وهو تذبذب يضعف صدقيته بوصفه سردًا سير ذاتيًا دقيقًا، لكنه يغنيه بوصفه نصًّا ما بعد حداثي يحتفي بالهجنة وينقد اليقينيات التاريخية.
ليست الرواية، والحال هذه، مجرد نصٍ عن عبد الكريم قاسم؛ بل هي نصٌ عن التاريخ نفسه وكيفية كتابته في الأدب. المسافة التي ينسجها بدر بين الوثيقة والتخييل تُظهر أن كل سردٍ للتاريخ هو بالضرورة اختيارٌ وانتقاء، وأن الرواية قادرةٌ على مساءلة «الحقيقة» بقدر ما تستطيع ابتكار «تاريخٍ موازي». ومن هنا تنبع قيمة العمل في المشهد الروائي العراقي المعاصر: قيمةٌ جماليةٌ تُجدد أدوات الحكي، وقيمةٌ نقديةٌ تُعيد التفكير في العلاقة بين الأدب والتاريخ.
 
المراجع:
  1. علي بدر، الزعيم: خرائط وأسلحة، دار المدى، بغداد، 2024.
  2. مروة رعد باش أغا وبشرى موسى، المنظور السياسي في روايات علي بدر، مجلة المستنصرية للعلوم الإنسانية، مج2، ع2، 2022.
  3. رنا محمد فرمان الربيعي، الوثيقة والتخيّل التاريخي في روايات علي بدر، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة القادسية، 2014.
  4. قبس حسن حميد حسين الكروي، أنماط الشخصيات في روايات علي بدر، مجلة الجامعة العراقية، ع61 (ج1)، بغداد، 19 تموز/يوليو 2023.
  5. فرح مهدي صالح، الرواية السيرذاتية - روايات علي بدر أنموذجا، جامعة القادسية، كلية التربية، 2018.
  6. عماد عبد السلام رؤوف، عبد الكريم قاسم في ضوء ملفه الشخصي، السليمانية، مؤسسة زين، 2012.