
في رواية" توائم الرجل المسيب" **للروائي طه حامد الشبيب ثمة مجهودات كبرى يتلمسها القارئ، خصوصا أن الرواية تفتح بابًا على منطقة حساسة من التجربة الإنسانية: الشك والبحث المستمر، اذ هناك ابوان فقدا توائمهما الثلاثة بعدما تبعوا عازف ربابة ليأخذهم الى البادية ويتيهوا عن ذويهم على وفق مخطط لانتقاء الاطفال تشرف عليه مؤسسة في الدولة، يقودها مسؤولون كبار، ومن يقص الحكاية هو الاب الذي يدعي أن حبيبته سيبته على الجسر في احدى المدن، ولكنها عادت اليه وتزوجها وانجب منها توائم ثلاثة، ومن ثم فقدهم وفقدها.
الرواية لا تُقدّم أجوبة، بل تترك القارئ مع الصدى، مع الارتجاف الداخلي، ومع شعوره أن الحياة أكبر من قدرتنا على الفهم، وما يقدمه الروائي هنا لغة فصيحة تناسب البيئة البدوية، ولغة اخرى فصحى بسيطة مختلطة بعامية لتناسب من يقص عليهم في مقهى اموري ما جرى له، عندما تركته المرأة التي احبها على ذلك الجسر وهي لغة تمتاز بالسلاسة والوضوح، وفي الوقت ذاته تحمل شحنة وجدانية قوية. وصفها للمشاعر لا يعتمد على الجمل الإنشائية، بل على التفاصيل الصغيرة: تعبير وجه، همسة، رائحة، لمسة. وهذا ما يجعل القارئ يشعر بكل مشهد وكأنه يعيشه.
العملية السردية لدى الشبيب تتحول في الروي إلى فضاءات مفتوحة للعبة وعيه، إذ يتراكب فيها الواقع مع المتخيل السردي، وبما يمنح هذا الوعي قصدية ظاهرة آتية لتكون هي البؤر المولدة للتأليف، تلك التي تتحول فيها اللعبة السردية إلى لعبة استدعاء لكل توليدات الصراع بدءاً من حكاياتها القديمة المولدة لرؤى جديدة، وانتهاء بوجود العناصر والأطر المجاورة لفضاء يصنعه القاص لكسر أفق التوقع، وللإيهام بوجود فضاء آخر للروي يتمثل فيه لفكرة مهيمنة تتجوهر في فعالية صناعة التأليف وليس الانغمار في السياق، أو استعادة الحكي بوصفه تاريخا وتلك الفكرة تتمثلها (اكاديمية النشء الوطنية) وكلمة اكاديمية تعني مؤسسة للتعليم العالي او مجمعا علميا يضم باحثين ومفكرين لكنها للنشء ـ واي نشء ـ كل من تمت سرقته من اهله او اختطف او وجدوه مرميا بعد ولادة غير شرعية او مرميا من قبل اهله لأسباب مجهولة، لكننا نقف مذهولين امام كلمة (الوطنية) فكيف يكون لمؤسسة دولة ان تعتمد في تهيئة نشء جديد يخدم البلد معتمدة على اساليب غير قانونية، ولا يبيحها العرف ولا الدين ولا المنطق، وكيف ينشأ الاطفال في أجواء غير طبيعية وخالية من السائد الطبيعي بوجود الوالدين في حياتهم، وكيف يستبدل حنان الابوين بالتدريب القاسي والعنف الجبري على تقبل وضع غير سليم وما هو نتاج تلك التنشئة؟
الاجندات السياسية وتركيبتها داخل الروي:
الرواية على طولها وعلى ما تبثه من وجع فقدان التوائم الثلاثة لذلك الرجل الذي سيبته محبوبته على الجسر، وما تأتي به من ألم في طيّات اختفائهم، إلا أنها تحمل قدرا هائلا من التشويق الغريب، فأنت لا تمل منها ولا تريد لها أن تنتهي قبل ان تخرج من دائرة التيه التي تجعل القارئ يعيشها فمع كل صفحة، يزداد شعور القارئ بالضياع، لكنه لا يشعر بالإحباط، بل بالانخراط العاطفي العميق. اللغة الحسية التي يستخدمها الشبيب تسحب القارئ إلى داخل الألم من دون أن تتوسل الشفقة، ومن دون أن تلجأ إلى الميلودراما الساذجة.
ولأن الرواية تطرح قضايا شائكة تواجه المجتمع العراقي، مثل الفساد والجريمة المنظمة التي يغذيها ويدعمها مسؤولون في الدولة؛ كان لزاما على الرواية ان لا تتوقف عند ثيمة الفقد، بل عن الإنسان حين يُجرَّد من كل شيء، ويُطلب منه أن يواصل العيش.
إنها رواية عن سؤال لا جواب له، وعن حب لا دواء له، وعن ألم لا يتوقف كأنك تسير، ليس لأنك ترى في الأفق نهاية واضحة، بل لأن هناك جوعاً دفيناً في داخلك، توقاً لا تعرف له اسماً، يدفعك لتجاوز الخوف، وتخطي الظنون، وعبور آلاف العلامات التي لا تؤدي إلى شيء… سوى المزيد من الأسئلة وهي تنفتح على البعد السياسي والانساني معا، فهي من جهة توثق لتجربة انتقاء الاطفال ليكونوا ابناء للدولة، ولذلك يركز الروائي على وصف هيآتهم ونموهم المستمر بضخامة مبينة دلالة على مصيرهم الذي ينتظرهم ليحموا المسؤولين مستقبلا، ومن جهة اخرى تكشف عن مأساة الفرد الذي يجد نفسه عالقاً في محرقة خراب حياته وتورطه بزيجة لا يملك الخلاص منها، بل تؤدي به في النهاية الى ضياع زوجته التي احبها ايضا. وبهذا المعنى فإن الرواية لا تُقرأ فقط كسيرة ذاتية لذلك الرجل أو نص سياسي، بل كعمل إنساني يضع الإنسان العاري في مواجهة قدره. وبالتالي فان البعد الرمزي لحياة البطل في بيئة بدوية ليست مجرد تجربة مكانية بل هي تجربة وجودية تجعله يعيش حالة من الانفصال عن العالم، محاطا بالظلام والهواجس ومن ثم تحوله الى ذات مأزومة غارقة بالاسئلة عن مصير اولاده، وهو يراهم امام عينيه يشبون على ثقافة غير صحيحة متمثلة بفكرة القداسة التي تتحول من مفهومها القيمي الكبير الى قداسة الافراد مستقبلا؛ ففي تلك الاكاديمية كان هناك صفوف ثلاثة تهيئ خريجين شباباً سينضمون ـ على الأغلب حسب ما يتوضح من طبيعة الافكار المطروحة ـ الى أحزاب.. الرواية تتنبأ بما سيفعله اصحاب الراية السوداء، اولئك الذين كان يراهم المسيب في انخطافات ذهنه يطيرون على ظهور الملائكة، ويفعلون ما يفعلون حين يسقطون نظام اصحاب الراية الصفراء، أي ان زمن الرواية لا يمتد الى ما بعد سقوط نظام الرايات الصفر، بل ثمة تنبؤ فقط بما سيحدث.
ويثبت ذلك عندما يحدث التناحر بين جماعات الاخوين شامل وادهم، ويصفهم الروائي بذوي الرايات الصفر وهم منتمون لأدهم وقد تسلموا الحكم في البلد وعاثوا فيه تخريبا؛ في اشارة الى اختلاف في التوجهات والمصالح واختلاف الاحزاب وحتى الفك؛ر فبعدما كانوا يدرسون الاطفال في تلك الاكاديمية النهج الذي يؤكد العلاقة الابوية ما بين السماء وبين ابنائها البشر لتنشئة حزب معين وتهيئة اتباعه، والفكر المغاير الذي يتبنى التكتل الجيني للافراد او فكرة ان تكون البشرية بجلها وحدة واحدة ومصالح مشتركة وهم ايضا اتباع لحزب آخر وكل ذلك كان ينضوي تحت فكرة شمولية اكبر تختزنها لفظة القداسة التي تأخذ جدلا يكشف عن وعي سردي يسعى الى زعزعة الحدود التقليدية ما بين الذي نعده طاهرا وما يخفي في طياته من فكر مدنس يؤدي في النهاية الى الاحتراب الذي تتنبأ به الرواية، ومن المعروف ان ذلك فعلا حدث بعد سقوط النظام في عام 2003 في العراق، ومن الناحية السردية يعتمد الشبيب في هذا الموضع من الروي على لغة اعترافية مكثفة، تمزج بين ضمير المتكلم الذي يمنح النص صدقه وحرارته، وضمير الغائب الذي يتيح مسافة نقدية لما هو غير واضح. ويظهر في السرد إيقاع مزدوج: بطيء ثقيل في مشاهد الانخطافات التي تضم مشاهد التوثيق والمعسكرات التدريبية، وسرعة تقريريّة في مشاهد حياة البحث المستمر في البادية عن الابناء، هذه الازدواجية في الطرح تمنح النص طابعاً توثيقياً وفنياً في الوقت نفسه، وتجعله نصاً يتأرجح بين الشاعرية والفجائعية؛ إذ ليس هناك فاجعة اكبر من أن يرى الأب ابنه وهو هنا (شامل) يقطع جسده، ولا يبقى منه سوى الهيكل العظمي على يد جماعات تابعة لابنه (ادهم)، بعد ان اجتاحت الشوارع تظاهرات واغتيالات تعكس طبيعة التجربة العراقية التي انغمس فيها البطل والراوي معاً: تجربة القمع والملاحقة والمعسكرات والحروب الطاحنة بين فئات تسلمت البلد وأودت به الى الانهيار، وبذلك تبرز في النص بقوة ثيمة الكوابيس والهلاوس التي تطارد البطل في انخطافاته، لتضفي على الرواية طابعاً كابوسياً قريباً من أجواء الأدب الكافكوي. إنّ حضور الرؤى المظلمة والأحلام المقطّعة يشي بأن الواقع نفسه صار أشبه بكابوس، وأن الوعي الفردي لم يعد قادراً على التمييز بين الحقيقة والوهم. هذه التقنية السردية تجعل القارئ يعيش التجربة نفسها التي يعيشها البطل: حالة من القلق المستمر، واللايقين، والارتياب حتى ليبدو النص أحياناً كرحلة داخل وعي مأزوم أكثر منه حكاية خارجية متسلسلة.
الكوابيس ليست مجرد أحلام عابرة تقتحم نوم البطل، بل هي جزء من نسيجه النفسي واليومي، إذ يتسلل الرعب إلى كل لحظة من حياته، فيجعل من النوم واليقظة فضاءين متداخلين لا فاصل واضح بينهما، خاصة عندما يتوهم البطل فقده لزوجته ام صخر ايضا، فضلا عن أولاده. وبهذا يتحول النص إلى ما يشبه الكابوس الممتد، حيث تتلاشى الحدود بين الواقع والخيال، ويغدو القارئ شريكاً في معايشة هذا القلق الوجودي المغموس بالصور الغرائبية: ظهور صخر احد أولاد الرجل الفاقد لاولاده، وهو يعتلي كائنا طائرا بحجم طفل، ومن كتفيه يبرز جناحان صغيران يخفقان فيطير الكائن الغريب: وجهه مسطح مستو، لا عينان فيه ولا فم ولا اذنان على جانبيه، والوجه قرصي ينبعث منه نور وهاج. وهذه الصور الكابوسية ليست هروباً من الواقع، بل هي المبالغة الفنية التي تكشف عن حقيقة الواقع في فظاعته. فما يعيشه الإنسان في تلك الظروف أشد رعباً من أي كابوس. والرواية تُبرز هذه الحقيقة عبر لغة غرائبية تجعل القارئ يلمس العبث واللاجدوى.
وهنا يلتقي النص مع ما يُعرف بالتيار الكافكوي. فأجواء الرواية، بما تتسم به من عبثية وقدرية وشعور بالعجز أمام قوى غامضة، تذكّر بعوالم كافكا. في (المسخ)، حيث يستيقظ البطل ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة، وفي المحاكمة يعيش "ك" مطارداً بمحاكمة لا يفهم طبيعتها ولا نهايتها. كذلك في هذه الرواية يعيش البطل مطارداً بكوابيس لا يعرف مصدرها، ولا يملك وسيلة للخلاص منها.
إن عبثية الوجود هي القاسم المشترك بين النصين: الإنسان محاصر، عاجز، يُحاكم أو يُعذَّب من دون أن يعرف لماذا، في عالم تحكمه قوى لا تُرى.
الانخطافات او الكوابيس ليست مجرد تقنية جمالية، بل وسيلة لتجسيد القهر السياسي والوجودي. فالبطل لا يحلم بكائنات خيالية فقط، بل يرى في منامه مشاهد اغتيالات وتعذيب عاشها أو سمع عنها خاصة عندما تزج الدولة بأبي صخر، عندما كان يقص لجُلّاس المقهى وهم يقودونه الى مبنى الامن للتحقيق معه ومع رفاقه، فتتحول الذاكرة إلى كابوس دائم.
إنّ هذه الكوابيس تكشف عن أثر العنف في اللاوعي، إذ تظل التجربة المروعة حاضرة حتى بعد الهروب من مكانها، وكذلك تفعل التنبؤات بما سيحدث: فما مشاهد الاغتصابات للنساء بعد سبيهن من بيوتهن الا تجسيد للذي ظهر على يد جماعة الرايات الاخرى الصفراء، انتقاما من جماعات الرايات أي المنتمين لشامل بعد تسلمهم الحكم، فتلك انثيالات تتكرر في منامات ابي صخر، كما لو أنها قدر محتوم لكنها ليست الا تنبؤات. وبذلك تصبح الكوابيس نوعاً من التوثيق النفسي للمحرقة التي حدثت والتي ستحدث، وشكلاً من أشكال كتابة الذاكرة وتخمينات معتنقيها.
كما أن حضور الكوابيس يؤثر في بنية السرد نفسها. فالانتقالات المفاجئة بين الواقع والحلم، والخلط بين الأصوات والصور، يمنح النص طابعاً تيارياً أقرب إلى الكتابة "اللاواعية". فالقارئ يجد نفسه أحياناً عاجزاً عن التمييز بين ما يعيشه البطل فعلاً وما يراه في منامه، وهو ما يعكس فقدان الإنسان العراقي لليقين في ظل واقع سياسي واجتماعي، لا يقل غرابة عن الكوابيس. هذه البنية السردية تجعل النص أقرب إلى رواية ما بعد الحداثة، حيث تختفي الحدود الصارمة بين الواقعي والمتخيل.
__________________________________
الأجندات السياسية ودورها في رواية (توائم الرجل المسيب): منشورات اتحاد الأدباء والكتاب في العراق / بغداد 2025
رنا صباح خليل ناقدة عراقية: مديرة النشر في دار الشؤون الثقافية/ بغداد