
الصمت، وهو في الغالب صمت حزين، هو لغة مكي حسين في التعريف بموقفه السياسي وفنه. نادرا ما عبّر عنه كتابة أو حديثاً. طوال حياته في المدينة أو الجبل كان هذا الصمت ملازماً له. يسمع ويجيب في حدود اللازم. لكن لغته الثرية تتجلى في النحاس بدلا من الكلام، بالنحاس وهو يصبه ويطرقه أو يجلوه تتجسد لغته التعبيرية وانحيازه للإنسان كموضوع، وبإلحاح يحول الكتلة الصلدة الصامتة والساكنة إلى فعل اجتماعي. تشكل وعي مكي حسين في ستينيات القرن الماضي في أوضاع ثقافية مع صعود اليسار في الوسط الثقافي، وفي وعي ينطلق من الذات نحو المسؤولية الجماعية، متأثرا بالتيارات الغربية بين هنري مور الإنكليزي و جياكومتي السويسري، الإنسان كموضوع مركزي، الإنسان حبيس مربع ومتمرد على هذا السجن بحركة عريضة أو مستقرّة فيه.
عاش مكي حسين سنوات نضوجه في كردستان مع الأنصار الشيوعيين. هناك كنت قريباً منه وجمعتنا مهمات حزبية مشتركة في فصيل واحد. أسمع اعتراضاته عن القضايا بانتباه. عقله يتابع دقائق العمل ولا يتوقف عن النقد، لكنه ينفذ مهماته بصبر وإيمان. الطبيعة حولنا مليئة بالتعرجات وتقدم للنحات أشكالاً لا تحد، وهي كريمة بالأخشاب التي تنتظر لمسات النحات. تمنى مكي ان يملأ وادينا بتماثيل تنتظر الزمن الطيب الذي سيأتي فيه سواح لمشاهدة تماثيل صنعت من مادة الطبيعة ووحيها، لكن المجزرة قطعت أحلامه. مع ذلك بقي الفنان مكي حسين وهو في المنفى وفيّا لفكرته وفنه.