
الممارسة الثورية، إضفاء المعنى الشخصي، وتجسيد اليوتوبيا في الحياة اليومية.
هل من المنطقي إعادة التفكير في الاشتراكية من أجل القرن الحادي والعشرين؟ وهل يمكن للبحث السوسيولوجي أن يساهم في تجديد القدرة على الفعل الاشتراكي؟ يمكن الإجابة على كلا السؤالين بـ«نعم» حذرة. ويمكن بالفعل ملاحظة بوادر تجديد للقدرة الاشتراكية: في المجتمع المدني الديمقراطي، في النضالات اليومية، والإضرابات والمواجهات، وفي مشاريع التنظيم، ومبادرات المساعدة الذاتية، والمنظمات السياسية.
غالباً ما تنشأ هذه المبادرات من رحم الأزمات، وتولد من الحاجة، وتضطر إلى الصمود في بيئة معادية إلى حدٍّ كبير. ومع ذلك، فهي فاعلة ـ من الأسفل إلى الأعلى ـ وغالباً من دون أن تستخدم حتى كلمة «اشتراكية».
وعلى الرغم من ذلك، تمثّل دراسات الحالة المجمّعة في هذا الكتاب تجديداً للقدرة الاشتراكية على الفعل ـ هو مفهوم استعارته هذه الدراسة من أعمال إيريك أولين رايت.
ولغرض وضع هذه الدراسات في سياقها، تُطرح أربع إشكاليات للنقاش مقدماً:
أولاً: لماذا الاشتراكية؟
ثانياً: لماذا السياسة التحررية من الأسفل؟
ثالثاً: لماذا البحث الاشتراكي كعلم اجتماع عمومي؟
وأخيراً، رابعاً: ما الذي تمثّله الحالات المُضمّنة في هذا الكتاب؟
لماذا الاشتراكية؟
قد يبدو تمسكنا بمفهوم الاشتراكية أثناء بحثنا عن أمثلة تشير إلى تجدد السياسة التحررية أمراً مفاجئاً، إذ يبدو أن العالم يسير في اتجاه مغاير تماماً. فبعد أن كانت بعض النُخب الرأسمالية تعتبر الاشتراكية في وقت ما منظوراً واعداً للمستقبل، أصبحت حتى فكرة "رأسمالية خضراء قائمة على أصحاب المصلحة" في عصرٍ يتسم بالصراع على نظام عالمي جديد وبالأزمات والحروب المتكررة ـ مجرّد رؤية بعيدة المنال.
المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يُعقد سنوياً في دافوس ويُعد ملتقى نخب الرأسمالية، يمثل مقياساً حساساً لذلك التحول. فقد كتب رئيس تحرير "هاندلسبلات" Handelsblatt (الصحيفة التجارية)، مات هِس، في مقاله «دروسي من دافوس» لعام 2025 ما يلي:
«كان دافوس دائماً قمة المدافعين عن العولمة. من كان يشارك فيه، قضى معظم حياته المهنية في عالم كان يزداد ترابطاً، حيث تستطيع الشركات العابرة للقارات ممارسة التجارة بلا حدود. لكن هذا العالم لم يعد موجوداً. الكثير مما بشّر به الكوسموبوليتانيون في جبال الألب السويسرية خلال السنوات الماضية يقوم دونالد ترامب الآن بتفكيكه ـ بإرادة وتصميم وسرعة قد تفاجئ حتى أنصاره: صفقات بدل الدبلوماسية متعددة الأطراف، قانون الأقوى بدل قوة القانون، و”أحفر، يا عزيزي، أحفر“ بدل الطاقة الخضراء».
بهذا التوصيف، يعكس المقال التحول العميق في اتجاهات النظام العالمي ـ من الانفتاح الليبرالي والعولمة إلى قومية اقتصادية وصراعات على السلطة ـ وهو ما يجعل العودة إلى فكرة الاشتراكية كأفق تحرري ضرورة تستحق إعادة النظر.
مثل كثير من المساهمات الأخرى في هذا الموضوع، يصف الصحفي بداية ما يسميه «عصر ما بعد العولمة»، وهو ما يُجبر ـ وفقاً للروح السائدة في هذا الزمن، التي تتبعها أيضاً تشخيصات سوسيولوجية بارزة ـ على التفكير الخالي من الأوهام.
ولا شك في أن مثل هذه الملاحظات تستند إلى واقع فعلي. لكن المجتمعات التي لم تعد قادرة على تخيّل مستقبلها إلاّ في صور كابوسية أو تشاؤمية، هي مجتمعات لا يمكنها البقاء على المدى الطويل.
لقد واجهت الاشتراكية في تاريخها المُتقلب أزمات وجودية مراراً وتكراراً.
لنتذكر: بعد انهيار الاشتراكية البيروقراطية الدولتية وسقوط جدار برلين، أُعلن ـ مرة أخرى ـ عن نهاية كل أشكال الاشتراكية، بل نهاية التاريخ نفسه.
لكن بعد أربعة عقود تغيّر المشهد. فقد نشرت مجلة "ذي سبكتاتور" The Spectator (المراقب) البريطانية عنواناً يقول: «الاشتراكية هي نجم العام»، في إشارة إلى النجاحات الانتخابية لحزب العمال بقيادة جيريمي كوربن .
ورددت صحيفة Neue Zürcher Zeitung (زيورخ الجديدة) الصدى بقولها إن هناك «شهية جديدة نحو الاشتراكية». وقد أثارت هذه النزعة قلق الصحافة المحافظة، خاصة بسبب التعاطف المتزايد لدى الشباب مع الاشتراكية.
كانت تلك الروح الجديدة من الأمل والانفتاح هي المناخ الذي بدأنا فيه أبحاثنا حول الاشتراكية.
لقد استُلهمت هذه الأبحاث من علماء الاجتماع مثل مايكل بوراوي وإيريك أولين رايت، اللذين التقينا بهما كزملاء في مركز "مجتمعات ما بعد التنمية" في مدينة يِنا.
بالنسبة لكليهما، كان من الطبيعي تماماً ربط يوتوبيا المجتمع الأفضل بـ«صور من الاشتراكية وما بعدها».
وقد دفعتني النقاشات مع هذين العالِمَين ـ اللذين رحلا للأسف ـ إلى صياغة «يوتوبيا الاشتراكية» التي اقترحتُ أن تكون «بوصلة لثورة الاستدامة».
ومن وجهة نظري، لا تزال ثلاث من الأفكار الواردة فيها ذات أهمية كبيرة لأبحاث الاشتراكية المعروضة في هذا الكتاب.
يشير مفهوم الاشتراكية اليوم إلى ثلاثة أبعاد، أولها:
- 1. برنامج للتنوير الاجتماعي
فكما ساهم مفكرو التنوير البرجوازيون في الماضي في تقويض أسس الشرعية التي استندت إليها الأنظمة الإقطاعية والملكية، يقوم المفكرون الاشتراكيون اليوم بهزّ الأسس التي تبدو راسخة للمجتمعات الرأسمالية الحديثة.
من بين هؤلاء «المتنورين» يبرز الاقتصادي توماس بيكيتي، الذي تحوّل من ليبرالي إلى اشتراكي مُعلن.
يؤكد بيكيتي أنه لا يوجد ما يمنع من تخيّل التغيير الضروري بصورة سلمية، لكنه يضيف في الوقت نفسه أن التحولات الثورية الكبرى في التاريخ جاءت دائماً نتيجة كوارث طبيعية أو أزمات كبرى أو حروب.
وبما أن عالمنا اليوم يعجّ بالكوارث والنزاعات العسكرية، يتنبأ بيكيتي بمرحلة انتقالية من «حرب الرأسماليات» إلى «صراع الاشتراكيات وما بعدها».
ويتخيّل هذا الصراع بين اشتراكية ديمقراطية ـ بيئية، تشاركية ومتنوعة ثقافياً من جهة، واشتراكية سلطوية ـ ديكتاتورية على غرار نموذج الحزب الشيوعي الصيني من جهة أخرى.
مهما كانت وجهة النظر تجاه مثل هذه التنبؤات، فإن الاشتراكية في الحاضر يجب أن تُعرّف بشكل مختلف عمّا كانت عليه في القرن التاسع عشر أو العشرين.
في عصر الرأسمالية الصناعية الناشئة والزائلة، كان هدف مُختلف أشكال الاشتراكية بشكل رئيسي تحرير قوى الإنتاج من قيود الملكية الرأسمالية، لجعل الثروة الاجتماعية متاحة للجميع على أساس المساواة الجوهرية.
أما المشكلة الأساسية التي تواجه الاشتراكية في القرن الحادي والعشرين فهي مختلفة تماماً. ففي ظل ما يُسمّى بـ «الإبادة المزدوجة»، الناتجة عن تزايد خطر الحروب باستخدام أسلحة الدمار الشامل وتهديد الإبادة البيئية، أصبح التركيز اليوم على البحث عن مخرج طارئ، وعلى إيجاد سُبل للخروج من أزمة اقتصادية ـ بيئية كبرى على مستوى الحقبة التاريخية.
لذلك، تُقدّم الاشتراكيات في القرن الحادي والعشرين نفسها كبديل لنظام توسّعي يرى الطبيعة وكائناتها الحية كـ «موارد مجانية خارجية» يمكن استغلالها لتحقيق الربح.
تنتقد الاشتراكية المستدامة اقتصاد السلع الرخيصة بوصفه قائماً على استغلال العمال والموارد، وعلى تهميش الأعمال الأساسية كالإنتاج والرعاية ـ رغم دورها الحاسم في إعادة إنتاج المجتمع واستمراره.
بالتوازي مع السعي لإلغاء الهيمنة الطبقية، تهدف الاشتراكية أيضاً إلى التغلب على جميع أشكال السلطة التي تتم شرعنتها بمبررات أبوية أو عنصرية أو قومية.
وفي هذا السياق ـ حيث تحافظ على استمرارية تاريخية واضحة لمختلف أشكال الاشتراكية ـ توضع مسألة الملكية في صميم الحركات المعارضة للرأسمالية.
تركّز الاشتراكية، في جميع أشكالها، على علاقات الملكية والحيازة الرأسمالية كنقطة الذروة لمشكلة التحكم والإدارة، التي يجب معالجتها لتمهيد الطريق نحو مجتمع إنساني.
ومن الصحيح أن «التغلب على الرأسمالية بشكل محدد، أي إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، لا يحل أزمة الطبيعة الخارجية».
لكن بدون إلغاء الملكية الرأسمالية باعتبارها "المبدأ الديناميكي"، التي تُلزم النظام بالضرورة للتراكم والنمو، لن يكون بالإمكان سلوك طرق تؤدي إلى مجتمعات مستدامة.
خذ مثال تغير المناخ: فقد أثبت الاقتصادي لوكاس شانسل أن المحركات الأساسية لتغير المناخ هي الاستثمارات، وليس الاستهلاك الفردي.
والاستثمارات ليست سوى رمز للسلطة في اتخاذ القرارات بشأن المنتجات وطرق الإنتاج وتركيبتها المادية.
أي شخص يعتقد أن طبقة بيئية يمكن أن تتشكل فقط "في الصراع ضد الإنتاج" يتجاهل هذه المشكلة، ويستمر عملياً في ما فعله الراديكاليون السوقيون بالفعل: إقصاء الإنتاج والمنتجين من النقاشات العامة، وإخفاء علاقات الطبقة التي تتجدد فيها احتكارات السلطة على ما يُنتج، وكيفية إنتاجه، ولأي غرض يُنتج.
ولأن المجتمعات ذات نظم الملكية المستدامة لا توجد في ظل الرأسمالية العالمية، فإن ما نراه اليوم هو على الأكثر مكوّنات أولية ليوتوبيات ملموسة يمكن أن تُستخدم كمرجع لبناء مجتمع أفضل، أي مجتمع اشتراكي.
وكان استخدام مفهوم اليوتوبيا غريباً إلى حد كبير عن الاشتراكية في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين.
لكن بالنظر إلى فشل أشكال الاشتراكية الواقعية والعالمية المُختلفة، أصبح من المفيد اليوم استعادة لحظة التفكير اليوتوبياوي ـ ليس بمعنى تقديم "وصفات جاهزة لمطبخ المستقبل"، بل كفكر في ما أصبح ممكناً تاريخياً: اليوتوبيا الملموسة.
اليوتوبيا الملموسة بحسب إرنست بلوخ لا تعني العودة إلى الاشتراكية اليوتوبية في عصر الرأسمالية المبكرة، ولا الانفصال عن المنهج العلمي. بل تهدف إلى اكتشاف القوى الدافعة، ومساحات الإمكان، ونقاط الانطلاق الموجودة في المجتمعات القائمة. تتجه هذه الرؤية إلى ما يتجاوز الواقع القائم، بحيث تجعل من المجتمع الاشتراكي المُستدام ضمن نظام دولي عادل بديلاً جذاباً وواضحاً.
وبما أن إحياء التفكير اليوتوبي الواقعي يلتزم بإمكانية تحقيق مجتمع أفضل، فإنه يختلف عن كل من علم الاجتماع الاحترافي وعلم الاجتماع النقدي التقليدي.
ففي التيارات الرئيسية لـ علم الاجتماع الاحترافي، يُفترض أن تعقيد المجتمعات الحديثة وتفرّعها يمنع في الأساس حدوث تغيّر جذري وسريع في النظام.
وقد تبنّى عدد من المفكرين البارزين في مدرسة فرانكفورت، كأحد أشكال علم الاجتماع النقدي، هذا الافتراض، إذ بات تصور تحسّن المجتمع لديهم ممكناً فقط كعملية ضمنية ومُستبطنة.
وقد لخص يورغن هابرماس مؤخراً هذا التنازل بشكل واضح وموجز:
» رغم خيبة الأمل من جميع الأهداف السياسية واسعة النطاق، تعلمنا أيضاً [… ] أن إعادة بناء المجتمعات التي دمرتها الحرب في الديمقراطيات الرأسمالية، في ظل المنافسة بين الأنظمة، كان بالإمكان ربطها ببناء دولة الرفاهية. ثم تعلمنا نهاية الحرب الباردة أن الرأسمالية التي سيطرت عالمياً لم تعد قابلة للثورة بمعنى ماركسي. بل يمكن ضبط قواها المدمرة فقط من الداخل. لقد ألغت هاتان التجربتان الزخم من فلسفات التاريخ الماركسية الحادة في القرن العشرين ـ ليس فقط من الدوغماتية العقيمة للماركسية السوفييتية، بل أيضاً من التصاميم الملهمة لليوتوبيات الإيجابية والسلبية على غرار بلوخ وبنجامين. «
وأنا أتفق تماماً مع التخلي عن اليقينيات الفلسفية التاريخية، لكن، وفقاً لفريق المؤلفين، لا نتخلى عن اليوتوبيات الاشتراكية الملموسة.
إن ديناميات النظام الرأسمالي العالمي ونظام تبريره هي التي توفر معايير مناسبة لإحداث تغيّر في النظام.
وبالنسبة لي، فإن الأهداف الـ17 للتنمية المستدامة (SDGs) للأمم المتحدة تصلح كـ أساس معياري للفكر اليوتوبي، رغم أن هذا الرأي يثير جدلاً ضمن فريق المشروع.
فهذه الأهداف تُتيح قياس واقع الرأسماليات المعاصرة وفق اتفاقيات وافقت عليها جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
وبدمج الاستدامة الاجتماعية والبيئية، فإن هذه الأهداف تنتقد ضمنياً مبدأ الملكية الرأسمالية التوسعي.
فإذا ما حاولت الرأسمالية التوسعية فرض نفسها في كل أشكالها ضمن عوالم التبرير التي تحث على الحد السريع من الانبعاثات والاستهلاك المفرط للموارد والطاقة، وتشدد على توزيع الثروة الاجتماعية بشكل يضمن استمرار توفرها للأجيال القادمة، فإن هذه الأهداف يمكن أن تكون سياسياً أدوات فرعية تمردية.
ونظراً لـ لغة النُخب المموّهة التي تمنح كل شيء صفة «الاستدامة»، يجب التوضيح أن الاستدامة، وفقاً لما اقترحه السوسيولوجي كارل هيرمان تيادن، تُعرّف كمضاد للعنف.
تظهر العلاقات العنيفة في المجتمع على شكل عدم مساواة بين الناس، وفي علاقات غير متكافئة بين الجنسين، وفي استغلال الطبيعة وكأنها مورد بلا قيمة، وكذلك في التقليل من شأن الأعمال الإنتاجية وأعمال الرعاية التي يقوم عليها استمرار المجتمع.
وباعتبارها بديلاً للعنف، تتجاوز الاستدامة مجرد التخلي عن الوسائل العسكرية في السياسة، فالأهداف الـ17 تتجاوز طرق الإنتاج وإعادة الإنتاج الرأسمالية.
وبالضبط بسبب الفجوة الكبيرة بين هذه الأهداف وتحقيقها على أرض الواقع، يجب ـ وفقاً للباحثة الاقتصادية ماريانا ماتسوكاتو ـ أن تشارك السياسات المستقبلية في الصراعات حول تعريف الاستدامة.
فمثل هذه المناقشات تُؤثر بشكل كبير على اتجاه التحوّل الاجتماعي. لذلك، سيكون من المدمّر، لو حاولنا، كما يقترح إنغولفور بلو هدورن، بدء تحوّل سوسيولوجي ينكر أو يتخلى عن مطالب الاستدامة.
ولا شك أن لهذه المطالب أساساً واقعياً، لكن طالما أن النضال من أجل كل جزء من درجة مئوية في التغير المناخي له قيمة، وطالما أن القضاء على جميع أشكال الفقر يفشل فقط بسبب غياب الإرادة السياسية لدى الفاعلين الرئيسيين، وأن مجتمعاً أفضل للجميع لا يزال ممكن التحقيق، فإن التحوّل المقترح سيكون مجرد توجه نحو شكل إيجابي ولكنه منفصل عن الواقع من التفكير الاجتماعي العلمي.
فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا: على ماذا يمكننا أن نتكيف إذاً؟
لا شك أنني أتفق مع بلوهدورن في أن تقييم منتصف الطريق لتحقيق الأهداف، المقرر في أيلول (سبتمبر) 2023، جاء مخيّباً للآمال.
فمعظم الأهداف التي حددتها الأمم المتحدة لعام 2030 بات من غير المُرجح تحقيقها.
وفيما يتعلق بالأهداف الأساسية مثل مكافحة تغير المناخ، والقضاء على الفقر والجوع، وتقليص عدم المساواة الاجتماعية، تسجل العديد من المناطق حول العالم تراجعاً ملحوظاً.
وبذلك، يصبح الهدف 13 من أهداف التنمية المستدامة: اتخاذ إجراءات عاجلة لمكافحة تغير المناخ وتأثيراته، للحفاظ على ارتفاع حرارة الأرض دون درجتين مئويتين، ويفضل أن يكون أقل من 1.5°م، أمراً بعيد المنال.
وحسب تقرير التقييم التراكمي للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، يتجه العالم حالياً، وفقاً للاتجاهات الراهنة وتنفيذ الإجراءات المتفق عليها، نحو سيناريو زيادة في الحرارة بمقدار 2.8 درجة مئوية على الأقل.
وقد لخص أنطونيو غوتيريش هذه التطورات الكارثية خلال مؤتمر المناخ العالمي COP-27 بقوله:
«نحن نخوض معركة حياتنا ـ ونحن في طريقنا للخسارة».
تُوضِّح شكوى الأمين العام للأمم المتحدة ما هو موضع النقص بالضبط. فبينما تُقاس قضايا الاستدامة بطرق كثيرة، ما تزال الاستراتيجيات السياسية التي تحدد الأهداف وتُطبّقها نادرة الوجود. ومع ذلك، أصبح من الجليّ أن الحلول المتمحورة حول السوق والتكنولوجيا، التي تقدمها النخب الرأسمالية المهيمنة، قد فشلت فشلاً ذريعاً.
يبقى أن نرى ما إذا كان النموذج الاشتراكي القائم على الدولة، الذي يتصوره توماس بيكيتي، وتبدو فيها أن ماريانا ماتزوكاتو أيضاً ميالة إليه، يُمكن أن يشكل بديلاً عملياً.
لديّ شكوكي في ذلك. إن إضافة ركـيزة بيئية إلى اليوتوبيا الاجتماعية - الديمقراطية التي تسعى إلى تحقيق توازن عادل بين رأس المال والعمل قد تبدو جذابة لكل أولئك الذين يقبلون الرأسمالية كشكل نهائي للتطور الاجتماعي.
غير أنني أرى هذه الاستراتيجية كخيار واحد من بين خيارات أخرى، يجب أن تعمل على الأقل بشكل غير مباشر معاً من أجل إحداث التحول الجذري في النظام، ذلك التحول الذي تطالب به قطاعات واسعة من حركة المناخ.
وقد يكون ما كتبه عالم الاجتماع إيمانويل والرشتاين عن الأنظمة الآفلة صحيحاً.
«المرحلة الأخيرة، أي مرحلة الانتقال، غير قابلة للتنبؤ على نحو خاص، لكنها منفتحة بشكل استثنائي على مساهمات الأفراد والجماعات ـ وهو ما أسميته زيادة عامل الإرادة الحرة. وإذا أردنا أن نستغلّ فرصتنا […] فعلينا أولاً أن ندرك ماهية هذه الفرصة وما تتضمنه.»
- لماذا «الاشتراكية من الأسفل»؟ ولماذا البحث السوسيولوجي في الاشتراكية؟
التعرّف إلى الفرص التي تظهر عندما تبدأ أنظمةٌ كانت تبدو غير قابلة للتغيير في التآكل هو مطلب ينبغي على البحث الاجتماعي الاشتراكي المستقبلي أن يتبناه بجدية. غير أن علم الاجتماع كثيراً ما فشل في محاولاته لاستشراف المستقبل. ولتجنّب مثل هذا الإخفاق قدر الإمكان، يمارس فريق الكتّاب القائم على بحث الاشتراكية علمَ الاجتماع بالمعنى الذي أطلق عليه مايكل بوراوي اسم «علم الاجتماع العام».
يمكن شرح هذا الشكل من إنتاج المعرفة السوسيولوجية بأفضل طريقة من خلال نموذج رباعي الحقول الذي وضعه بوراوي. يقسّم هذا النموذج علم الاجتماع إلى أربعة أنواع من إنتاج المعرفة:
علم الاجتماع المهني وعلم الاجتماع التطبيقي ينتجان معرفةً أداتية، بينما علم الاجتماع النقدي وعلم الاجتماع العام ينتجان معرفةً تأملية تشكّك في الأسس التي يقوم عليها إنتاج المعرفة الأداتية.
يتوجه علم الاجتماع المهني والنقدي إلى جمهور أكاديمي، في حين يخاطب علم الاجتماع التطبيقي والعام المجتمع المدني غير الأكاديمي.
وعلى عكس ما تفترضه بعض الانتقادات، لا يهدف علم الاجتماع العام إلى تجاوز أو إلغاء الأشكال الأخرى من علم الاجتماع. بل على العكس، فإن علم الاجتماع المهني يشكّل الأساس لجميع أشكال إنتاج المعرفة السوسيولوجية الأخرى. ومع ذلك، فإنه ـ وخاصة في تطبيقاته العملية ـ غير مؤهَّل للتشكيك في الافتراضات الأساسية التي يقوم عليها. ولهذا الغرض تحديداً، تُعدّ السوسيولوجيا التأملية ضرورية.
على خلاف علم الاجتماع النقدي الكلاسيكي، الذي يمارس هذا النوع من التأمل داخل حدود التخصص الأكاديمي نفسه، فإن علم الاجتماع العام يسعى عمداً إلى التفاعل والتبادل مع الفاعلين والجماهير خارج الوسط العلمي. هدفه هو إطلاق نقاشات عامة حول قضايا ذات اهتمام مشترك.
فعلى سبيل المثال، يقيم علم الاجتماع العام العضوي علاقة وثيقة مع الحركات الاجتماعية والنقابات العمالية وسائر الفاعلين في المجتمع المدني. وقد طوّرت مجموعة من الكتّاب بقيادة المدير السابق لمعهد (SWOP)، كارل فون هولت، هذا المنهج لاحقاً تحت مسمّى «الانخراط النقدي» ووضعت له أسساً أكثر تحديداً وتطبيقاً.
وبحسب هذا المنظور، يجب على علماء الاجتماع أن يغادروا بُرجهم العاجي الأكاديمي وأن يوظّفوا أدواتهم العلمية في التعاون مع الفاعلين الاجتماعيين الذين جعلوا هدفهم الحفاظ على شروط بقاء الحياة على الكوكب.
بالنسبة للعلوم الاجتماعية التي تسلك هذا الطريق، تصبح الاشتراكية المستدامة موضوعاً للبحث ـ بوصفها فلسفة سياسية في طور التشكّل، وتنوعاً من الاستراتيجيات لبناء الفاعلية الاشتراكية، وأيضاً كملاحظةٍ لبذورٍ أولى لمجتمعاتٍ مستدامةٍ تنشأ وسط الخراب الرأسمالي.
يستند فريق مشروعنا إلى هذه الأفكار. فقد كانت اقتراحات إريك أولين رايت بشأن استراتيجيات الفاعلية الاشتراكية مصدرَ إلهامٍ لنا.
يقدّم رايت تعريفاً يجعل الاشتراكية في موقع مقابل لكلٍّ من الرأسمالية والدولتية. فالرأسمالية، والدولتية، والاشتراكية تُفهم بوصفها طرقاً بديلة لتوزيع الموارد الاجتماعية والاقتصادية والتحكم بها واستخدامها.
وبحسب هذا التعريف، تُشير الاشتراكية إلى بنيةٍ اقتصاديةٍ تكون فيها وسائل الإنتاج مملوكةً للمجتمع، بحيث يمكن أن تتأثر عمليات التخصيص واستخدام الموارد لأغراض اجتماعية متنوعة بممارسة السلطة الاجتماعية.
تستند السلطة الاجتماعية إلى القدرة على حشد الأفراد للمشاركة في أفعال جماعية تعاونية وطوعية بمختلف أشكالها. وبهذا المعنى، لا يُنظر إلى المجتمع المدني ـ بما يتجاوز الدولة المركزية وأجهزتها القسرية ـ بوصفه مجرد ساحة للنشاط والتفاعل والتواصل الاجتماعي، بل باعتباره أيضاً مصدراً فعلياً لممارسة السلطة.
انطلاقاً من هذا الفهم، تغدو الاشتراكية مفهوماً تدريجياً، يقوم على تنوّع الاستراتيجيات الممكنة لتفعيل السلطة الاجتماعية في مجالات تخصيص الموارد، والتحكم في الإنتاج، وتوزيع السلع المنتَجة.
يربط هذا النموذج بين المجتمع المدني (السلطة الاجتماعية) والسلطة الاقتصادية والسلطة الحكومية داخل البنية الاقتصادية، حيث يجري تخصيص الموارد والتحكم في الإنتاج والتوزيع.
يُميز إريك أولين رايت بين سبعة مسارات للفاعلية الاجتماعية، هي:
الاشتراكية الدولتية التنظيم الاجتماعي ـ الديمقراطي الدولتي، الديمقراطية التعاونية الرأسمالية الاجتماعية، اقتصاد السوق التعاوني، الاقتصاد الاجتماعي.
غير أن رايت يوضح أن الرأسمالية والدولتية والمجتمع المدني الديمقراطي ليست كيانات متعارضة أو منفصلة عن بعضها البعض، بل تتداخل وتتقاطع لتشكّل ما يُعرف بـ الاقتصادات المختلطة. في داخل هذه الاقتصادات تظهر آثار إيجابية خارجية مثل المنظمات غير الربحية، والتعاونيات، والمشاعات المعرفية، وكلّها يمكن أن تكون نقاط انطلاق لتحولات اشتراكية بأشكال مختلفة.
ويستنتج رايت من هذا التعدد في الاستراتيجيات أن أياً من هذه المسارات لا يمكنه بمفرده أن يؤدي إلى ديمقراطية اقتصادية مستقرة. فجوهر فهم الاشتراكية، بحسب رايت، هو الديمقراطية الشاملة في مجال اتخاذ القرار الاقتصادي ـ أي السعي لتحقيق أقصى قدر ممكن من السيطرة المجتمعية على الإنتاج، وتخصيص الموارد، وتوزيع السلع.
- ما الذي تمثّله دراسات الحالة؟
يمكن أن تنشأ الفاعلية الاشتراكية داخل المجتمعات الرأسمالية ذات الاقتصاد السوقي بأشكال شديدة التنوّع. فقد تتخذ، مثلاً، شكل عمليات تنظيم اجتماعي - ديمقراطي متمركزة حول الدولة، تُفرض من خلالها إصلاحات من الأعلى بدفعٍ من مبادرات قاعدية من الأسفل، كما هو الحال في النهج السياسي للحزب الشيوعي النمساوي، الذي يضع قضية السكن والإيجارات في صميم ممارسته للاشتراكية.
بالقدر نفسه الذي يمكن أن تكون عليه أشكال التنظيم التعاوني للمؤسسات، أو الإنتاج التعاوني في قطاع الطاقة، أو منظمات المساعدة الذاتية التي تنشأ في هوامش المجتمع القديم.
مثل هذه المسارات نحو الفاعلية الاجتماعية يمكن أن تتكامل مع استراتيجيات أكثر راديكالية تهدف إلى كسر صريح مع الرأسمالية، عبر نزع الملكية وإضفاء الطابع الاجتماعي على رأس المال الإنتاجي.
من بين هذه الأمثلة:
حملة «مصادرة شركة السكن الألمانية»، ومبادرة «فولكسفاغن VWمن أجل التحول في النقل»، واحتلال مصنع سابق تابع لمورّد شركة "جي كاي إن" GKN في كامبي بيزينتسيو (في إيطاليا).
تُظهر هذه الأمثلة بوضوح أن الاشتراكية لا تُمارَس فقط كبديل شامل للرأسمالية، بل كطيف واسع من التجارب والابتكارات الاجتماعية التي تسعى إلى توسيع السيطرة المجتمعية على الاقتصاد بدرجات وأشكال متعددة.
يمكن أن تنشأ الفاعلية الاشتراكية في سياق النضالات النقابية حول حركة المستشفيات في شمال الراين - فستفاليا، وكذلك المساهمة حول التنظيم النقابي.
كما يمكن أن تتجسّد في تحالفات وتكتلات جديدة، مثلما توضح حركة ("نحن ذاهبون معاً") التي جمعت بين حركة المناخ والنقابات، والتي ركّزت على دور اليسار المناخي الإيكولوجي - الاجتماعي في هذا التحالف.
يمكن أن يُستعاد التحفيز للفاعلية الاشتراكية أيضاً داخل منظمات كانت تبدو جزءاً من اليسار التقليدي الذي على وشك الانقراض، كما يوضح مثال الحزب الشيوعي النمساوي. وفي الوقت نفسه، يمكن أن تتبلور هذه الفاعلية في تشكيلات جديدة تنشأ أثناء إعادة تنظيم اليسار السياسي، مثلما يوضح مثال "حركة الشرارة" Szikra في المجر.
والأهم من ذلك، أن الفاعلين الاشتراكيين يمكنهم التعلم من بعضهم البعض، كما يظهر في المقابلة مع سارة- لي هاينريش ومارلين بورشاردت، التي تتناول من بين أمور أخرى تجارب الشيوعي النمساوي في مدينتي غراتس وسالزبورغ.
كما تثبت دراسات الحالة، فإن استراتيجية واحدة للفاعلية الاشتراكية لا تستبعد غيرها. على العكس، فإن تطورا ملموسا في جميع هذه المسارات، مع إمكانية إضافة مسارات أخرى، هو وحده القادر على إحداث «تحول جذري في العلاقات الطبقية الرأسمالية وهياكل السلطة المرتبطة بها».
في ظل التشرذم والصراعات الداخلية الحالية داخل التيارات اليسارية، يبدو الفهم التعددي للفاعلية الاشتراكية عند رايت ابتكاراً مميزاً وملهِماً. وهذا المنظور يشكّل إطاراً توجيهياً لفريق بحثنا.
ومع ذلك، فإن مراقبة تجديد الفاعلية الاشتراكية «من الأسفل» لا تعني المبالغة في اعتباره منظوراً مطلقاً. فمن البديهي أن تجديد الفكر والسلوك التحرري لا يمكن أن ينشأ فقط من المستوى الجزئي للفعل الاجتماعي ومن المجتمع المدني خارج الدولة المركزية. فالاشتراكية، بوصفها فلسفة سياسية وبرنامج توعوي، هي موضوع صراعات فكرية غالباً ما تُخاض «من الأعلى» في المجال العلمي.
لكن الصراعات الفكرية تصبح استراتيجيات قوية فقط عندما ترتبط بالفاعلين الاجتماعيين والسياسيين، بما في ذلك الأحزاب، والنقابات، والمنظمات غير الحكومية، والحركات الاجتماعية.
يكمل هذا المستوى مستوى ثالث، يمكننا أيضاً تقديم رؤى واضحة عنه، ويُقصد به طرق التفكير والسلوك اليومي للأفراد الأحياء. فلا الطبقات ولا المنظمات هي الفاعلة هنا، بل الأفراد الأحياء هم الفاعلون في عملية التحول المجتمعي، رغم أن أصول وأسباب هذا التحول تقع بعيداً عن حياتهم اليومية.
يعتبر الأشخاص العاديون في حياتهم اليومية وفي أماكن عملهم خبراء في النقد العملي للمجتمع. ولذلك، فإن بحث اشتراكي تجريبي يُجرى بمعزل عن اهتمامات ومشاغل الأفراد الذين يتكون منهم المجتمع سيكون «نشاطاً فارغاً وعديم المعنى».
هذا بالضبط ما نعنيه عندما نتتبع تجديد الفاعلية الاشتراكية «من الأسفل». إن نهجنا يشبه «بحث التحولات من الأسفل»، مع الفارق أننا نقوم بدراسة حالات الأمثلة الميدانية بشكل تجريبي مباشر.
تشمل عينتنا ما يقرب من مئة مقابلة مع نشطاء من مختلف السياقات العملية وخبراء متخصصين. وقد قمنا بتفريغ التسجيلات، وترميزها، وتحليل محتواها وفق منهجية تحليلية.
وبالرغم من الخصائص المتعددة والفريدة لحالاتنا، نعلم أنه لا بد من جميع مستويات الفعل المذكورة لتشكيل كتلة اشتراكية جديدة للقرن الحادي والعشرين. ومع تراجع العديد من التيارات، بما فيها اليسار الاشتراكي، فإن من المنطقي تتبع تجديد السياسة التحررية وسط الأنقاض التي تركتها أشكال الاشتراكية المختلفة في القرنين التاسع عشر والعشرين.
مع هذا الإدراك، لم يكن على فريق المشروع الاتفاق على تعريف واحد للاشتراكية يكون ملزماً للجميع. فمعنى الفاعلية الاشتراكية يُستكشف من خلال دراسة الحالات الميدانية نفسها.
في هذا السياق، نستخدم «طريقة الحالة الموسعة» التي طوّرها أيضاً مايكل بوراوي، والتي تهدف إلى استخلاص استنتاجات قابلة للتعميم من بحوث حالة مفصلة ودقيقة.
تُضاف هنا ملاحظة منهجية مختصرة.
في الأصل، كان مخططنا أن نقدم دراسة مستوحاة من كتاب بيير بورديو «بؤس العالم» تجمع محاولات التغلب على هذا البؤس. بالطبع، كان ذلك أكثر من طموحنا الفعلي، وهناك، إلى جانب أمور أخرى، فارق منهجي مهم.
فريق البحث بقيادة بورديو يصف البنية الاجتماعية للمجتمع الطبقي الفرنسي بقدر من المسافة الموضوعية ومن موقع خارجي متأمل. أما وجهة نظر النشطاء في الحركات الاجتماعية، فإن الباحثين أنفسهم لا يتبنّونها.
في دراسات الحالة لدينا الوضع مختلف. فبعض الباحثين يشاركون فعلياً في السياقات العملية التي يدرسونها، وفي جميع الحالات يتعاملون مع هذه السياقات بدرجة من التعاطف والتفهم. وهذا يظهر بوضوح في نتائج دراسات الحالة.
تأتي وجهات النظر والتقييمات الخاصة بالنشطاء في المقدمة. لم نقم بتعديل هذه التقييمات عمداً، ومع ذلك نود توضيحاً مسبقاً، أن فرق الكتّاب تتحمل مسؤولية التقييم والكتابة بشكل مستقل. فهم يقرّرون ما يمثل، في كل حالة مدروسة، نجاحاً في تجديد السياسة التحررية. نأمل أن يقدّم هذا النهج حافزاً كافياً للقارئ لتكوين رأيه الخاص.
وعلى الرغم من التنوع الكبير للحالات المدروسة، هناك خيط أحمر يربط الدراسات، وهو ينبع أساساً من الأسئلة البحثية المشتركة.
كإطار مشترك للمشروع، نستند إلى ثلاثة أسئلة رئيسية تربط بين دراسات الحالات الفردية.
ينبثق السؤال البحثي الأول من اضطراب العلاقة بين المجتمع والطبيعة، وهو جانب لم يتناوله إريك أولين رايت بشكل منهجي. وفقاً لمفهوم أزمة الكماشة الاقتصادية - البيئية، لا يمكن تصور الاشتراكية اليوم إلاّ بوصفها اشتراكية بيئية، أو كما أرى، اشتراكية مُستدامة.
ينتج عن ذلك السؤال الشامل حول العلاقة بين الاستدامة الاجتماعية والاستدامة البيئية، وهو ما نتتبعه في دراسات الحالة. ومن غير المفاجئ أن القضية الاجتماعية (الطبقية) تقع حالياً في قلب معظم الحالات. ومع ذلك، يظهر بوضوح أن حتى أكثر المجتمعات عدلاً اجتماعياً لا يمكن أن تكون بالضرورة مستدامة بيئياً.
ومن هنا تكمن أهمية الأمثلة التي تربط بين معالجة القضايا الطبقية والنزاعات البيئية بطريقة منتجة، كما هو الحال في حركة "نحن ذاهبون معاً".
في هذا السياق، يبرز السؤال البحثي الثاني، المستلهم من ماركس وصاغه أولاً الفيلسوف غونتر أندرس. في الرأسمالية المعاصرة، مجموعة صغيرة جداً ضمن الطبقات الحاكمة هي من تقرر بشأن نماذج الأعمال والاستثمارات، وبالتالي عن الانبعاثات الضارة بالمناخ، على سبيل المثال. حتى في الشركات التي تتمتع بأفضل مشاركة للموظفين في صنع القرار، تُستبعد الطبقات العاملة من هذه القرارات، مما يولّد قدراً من اللامبالاة تجاه ما يُنتجه العمال.
وقد وصف غونتر أندرس (2018) ذلك بـ الانفصال بين الإنتاج والضمير، وهو انفصال يمارس باستمرار في العمليات اليومية للعمل. هذا الانفصال يخلق عمى نهاية العالم، فالشخص الذي يكسب رزقه اليومي في مصنع سيارات أو شركة أسلحة لا يستطيع التفكير باستمرار في أن المركبات أو أنظمة الأسلحة التي تُنتج تسهم في ارتفاع حرارة الأرض أو تدمير الأرواح.
للحد من عمى نهاية العالم، لا يوجد حل فعّال سوى ديمقراطية جذرية في قرارات الإنتاج. على عكس الرأي الشائع في مجال السوسيولوجيا المهنية، القائل بأن التدخلات في نظام الملكية غير قابلة للقبول شعبياً، فإن هذه التدخلات تحدث بالفعل ـ غالباً من الأعلى وفق مصالح النخب الرأسمالية، لكن يمكن أن تكون ناجحة أيضاً من الأسفل بشكل نموذجي ومحدود، بما يتماشى مع السياسة التحررية والفاعلية الاشتراكية.
يجسّد احتلالُ مصنع GKN في كامبي بيزينزيو مثالاً عملياً للصراع الاجتماعي المعاصر، تماماً كما فعل الاستفتاء الشعبي الناجح بشأن مصادرة شركة الإسكان الألمانية الخاصة. كذلك أظهرت أنشطة «فولكسفاغن من أجل التحوّل في أنماط النقل»، المطالِبة بتأميم الشركة وتحويلها إلى إنتاج بيئي مستدام، قدرتها على إحداث أثر ملموس.
ما بدا في البداية نشاطاً ميؤوساً منه لأقلية صغيرة اكتسب أهمية كبيرة مع أزمة (فولكس فاغن ( فأصبح رئيس مجلس العمل في أحد المصانع الكبيرة التابعة للمجموعة هو من يطرح مسألة الملكية وتحويل المنتجات، قائلاً بوضوح واستفزازية: «يجب أن يصبح الموظفون شركاء مالكين في المصانع».
تتعلق الإشكالية الثالثة بـ أشكال التنظيم المستقبلية لليسار الاشتراكي وبـ الدلالة المرتبطة بمفهوم الاشتراكية ضمن هذه الأشكال. في هذا السياق، تبرز الحالة اللافتة للحزب الشيوعي النمساوي بوصفها حالة مثيرة للاهتمام بشكل خاص. لقد قمنا بدراسة تجربته بعمق في مدينتي غراتس وسالزبورغ.
في بداية عام 2024، حقق الحزب الشيوعي النمساوي في سالزبورغ ـ وهي مدينة محافظة نسبياً تُعرف بـ مهرجاناتها الثقافية التي تمثل رمزاً للثقافة الرفيعة عالمياً ـ فوزاً انتخابياً مذهلاً. قاد الحزب في هذه الانتخابات كاي- مايكل دانكل، الذي ينحدر من منظمة الشباب الخضر وانتقل منها إلى الحزب الذي كان يُعتبر في السابق شبه ميت سياسياً.
لم يكن هذا الفوز نتيجة تحول أصوات داخل المعسكر اليساري فحسب، بل استند بالأساس إلى تعبئة واسعة للناخبين الذين لم يصوتوا سابقاً. ورغم خسارة طفيفة، تمكن الحزب الاشتراكي الديمقراطي بعد سنوات من الهزائم من استعادة موقعه كأقوى حزب بحصوله على نحو 26٪ من الأصوات.
أما المنافس اليساري ـ أي الحزب الشيوعي النمساوي ـ فقد حقق زيادة مذهلة تقارب 20٪ من الأصوات، ليقترب من الاشتراكيين الديمقراطيين بفارق ضئيل. وبمشاركة حزب الخضر، أصبح هناك أغلبية يسارية تصل إلى نحو 62٪.
في المقابل، كان الخاسرون الرئيسيون المحافظين، الذين تراجعوا بـ 16 نقطة مئوية ليحلوا في المركز الثالث بفارق كبير. أما اليمين الشعبوي فقد سجل زيادة طفيفة، لكنه مع أقل من 11٪ من الأصوات ولم يعد يمتلك أي تأثير على تشكيل الأغلبية السياسية.
ومع أن لهذه النتيجة طابعاً محلياً خاصاً، إلا أنها تمنع التعميم السريع على المستوى الأوسع.
على الصعيد الوطني، لم يتمكّن الحزب الشيوعي النمساوي من تكرار نجاحاته الانتخابية المذهلة كما هو على المستوى المحلي. ومع ذلك، فإن التحولات في موازين القوى في الانتخابات البلدية والإقليمية تشير إلى أن «السياسة اليسارية قادرة على تحقيق الأغلبية»، إذا تم التعبير عنها من قِبل أشخاص يتمتعون بالمصداقية والجاذبية. كما تُظهر هذه التجارب أن القضايا الاجتماعية يمكن أن تكون حاسمة في تحديد نتائج الانتخابات، حتى لو تم تجاهلها إعلامياً لصالح المواضيع المثيرة التي يطرحها اليمين الشعبوي.
لذلك، يُقدّم مثال سالزبورغ إشارات مهمة حول كيفية تنظيم سياسة اشتراكية ناجحة "من الأسفل" تؤثر فعلياً في النظام السياسي.
الخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي استعادة المصداقية السياسية. فالسياسيون الشباب في الحزب الشيوعي النمساوي لا يستخدمون في ممارستهم السياسية اليومية مصطلح "الاشتراكية"، ولا المفهوم الأصعب منه ـ "الشيوعية". بدلاً من ذلك، يختارون من بين المشكلات البنيوية العديدة أكثرها إلحاحاً، وهو في كل من سالزبورغ وغراتس "قضية السكن"، التي جعلها الحزب الموضوع السياسي المركزي.
بطبيعة الحال، لا يهمل الحزب بقية القضايا السياسية ذات الصلة بالأزمة، بل يتناولها في النقاشات العامة ومن خلال الفعاليات المناسبة. ومع ذلك، يلتزم الحزب بمبدأ أساسي في عمله السياسي:
تقديم ما يوحّد الناس إلى الواجهة، وتأجيل ما يفرّقهم إلى الخلف.
يُنظر إلى ممثلي الشيوعي النمساوي على أنهم صادقون وجديرون بالثقة لأنهم يتصرفون بطريقة مختلفة تماماً عن السياسيين التقليديين.
ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في تقدير تجربة سالزبورغ وغراتس أو تحويلها إلى نموذج أسطوري. فحتى السياسيون في الحزب الشيوعي النمساوي أنفسهم يرفضون أي نوع من التهويل أو التمجيد الإعلامي لما حققوه.
يبقى السؤال مفتوحاً عمّا إذا كانت إعادة إحياء الاشتراكية ممكنة، وهل يمكن لهذه الاشتراكية ـ رغم الضغوط الزمنية الهائلة المرتبطة بالتحول الاجتماعي - البيئي أن تصبح قوة دافعة نحو ثورة في مجال الاستدامة. لا يوجد اتجاه حتمي في التاريخ يقود بالضرورة إلى هذا الهدف.
ورغم أن فرص النجاح تظل غامضة في أحسن الأحوال، إلاّ أن ما هو واضح أن اشتراكية القرن الحادي والعشرين يجب أن تُصاغ كمشروع للتحرر. وهذا التحرر يجب أن ينطلق مجدداً من ميدان الإنتاج، من عمليات العمل اليومية، لأن مكان العمل هو في النهاية "مهد التوافقية والخضوع".
إن استعادة الوحدة بين الإنتاج والضمير ستكون هي المكسب الحقيقي للحرية:
«فنحن لا نكون أحراراً حقاً إلاّ عندما نشارك في تقرير ما نُنتج، وما سيؤول إليه العالم من خلاله، فقط حينها نتحمّل المسؤولية عمّا نُنتجه».
من هذا المنطلق، فإن التفكير في اشتراكية للقرن الحادي والعشرين هي الغاية الأساسية. فإذا نجح في إثارة النقاش والجدل، أو تقديم مقترحات أفضل، أو حتى تشجيع التجريب العملي للأفكار الاشتراكية، فإنه يكون قد حقق هدفه.
ويمكننا أن نخلص مؤقتاً إلى ما يلي:
إن الاشتراكية لا تزال حيّة، تتجسّد في ممارسة متمردة، وتمنح معنىً شخصياً للحياة، وهي بالفعل، يوتوبيا مُعاشة في الحاضر.
* المقال المترجم هو واحد من عدة مقالات، لمجموعة من الباحثات والباحثين في كتاب عنوانه الرئيسي (الاشتراكية من الأسفل)، عدد الصفحات 280.
** البروفيسور الدكتور كلاوس دورّه: عالم اجتماع ألماني، مختصّ في صراعات الاستدامة الاجتماعية ـ البيئية.
عنوان الكتاب بالألمانية: Klaus Dörre, Sozialismus von unten, 2025.