قائمَة الخسارات تتكَاثر في هذا العام، 2026، أَيضا. وبينما نحن على أَعتابِ بدءِ الربيع امتدتْ يد الموت اللّئيم لتخطِف أَجمل زهرَة حمرَاء. . . ففي نهاية شباط ترَجل عن صَهوةِ مجد الحياة، مغادرا في رحلته الأَبديَّة الرفِيق العزيز حميد مجيد موسى (أَبو داود) ... في هذا اليوم توقف عن الخفقانِ وإِلى الأَبد قلبُ هذا المناضل الكبيرِ والقائد الشيوعي الأَصيل والشخصية الوطنية والاجتماعية والديمقراطية واليسارية العراقية، إِثرَ مَرَضٍ عضال.
رحل الرفيق العزِيز والصديق الصدوق وَالإِنسان... الإِنسان. رحل حميد مجيد موسى، السكرتير السابق للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، الذي قاده في أخطرِ مراحل مسيرته المعمدة بالدمِ والبسالة والصمود. وبرحيله ينكَّس النضال الوطني والطبَقي في بلادنا قامته، وبفقده نودع أحد المع النجوم المتلأْلئة في سماءِ السياسة والثقافة النضال، وبيرقا كبيرا من بيارق الماركسية واليسار والحداثة والدِيمقراطية.
لقد كانت حياة الرفيق العزيز (أَبو داود)، على امتدادِها الواسعِ، ولما يقارب الثمانية عقود ونصفٍ، درسا كبيرا لأَجيالٍ عديدة مِنْ رفاقه ورفيقاته وأَحبته، وعزاونا أَنَّ الفقيد الكبير ترك لهؤُلاء جميعا، وغيرهم أَيضا وهم كُثُرٌ، إِرثًا كبيرا من المواقف الأَصيلة والأُلفة الطاغية والذكريات الطيبة التي ستبقى تتحدّث عنهُ، وتذكَّر به، وتبقيهُ حيًّا دائم الحضور بينهم. إِضافة إِلَى السلوك الإِنساني الرفيع والرُّوحِ اَلشَّفيفَة، التي لا تساوم على القِيَمِ وَالمبادئِ الكبرى التي تربَّى عليها.
لقد عاشَ (أَبو داود) حَياةً خِصبة ثَريَّة في مضامينها ودروسِها، دفاعا عَنْ قضايا الكادحين وشغيلة اليَد والفِكْرِ وبسطاءِ النَّاس، وعن القضيَّة الكبرى الّتي وَهَبَ حَياتَهُ لها، وعنْ ماركسيّة أصيلة، عميقة برُوحِها الماديّة وجدليتها وتاريخيتها، بعيدةٍ عن الوصفات الجاهزة... لذا كانت حياته على امتدادِها الواسع درسا كبيرا لكي يعيش المناضل والانسانُ حياتهُ كما يجب أن تُعاش.
إِنَّ رحيل الرفيق العزيز (أَبو داود) خسارة مُوجِعَة لَنَا جميعا، ولقضيَّة شعبنا التي منحها الراحل الكبير كُلَّ ما يملِكُ من طاقاتٍ نضالية وبلا حدود.
مرَّةً، قالَ المفكِّر المصرىّ الرَّاحِل محمود أَمين العالِم ما معناه أَنَّ الذين يحتفظون بشموخ القَامة الإِنسانيّة في وجهِ العواصف والمحن، وينسجون الدِّفْءَ وَالطُّمأْنينة والاستمرار المضيء في تارِيخِ الإِنسان، بتَاضُعهِمْ ونزيفهم الصَّامت هؤلاءِ هُمْ صُنَّاع الحياة بحَقّ، بِهِمْ يتحرَّك المجتمع مُتطلعا إِلى العدالة والسعادة والمحبَّة والحريَّة والسَّلَام. ومن المؤكّد أَن هَذا الوصف ينطبقُ أَيضًا على فقيدنا الكبيرِ الرفيق حميد مجيد موسى. فهو أَحدُ القامات الأَصيلة التي لم تنحن أمام العواصف والمحن ولم تساوم.
إنْ (الثَّقَافَة الْجَدِيدَة) التي داهمها الخبر المُوجِع، خبر الرَّحيل الأَبدي للرفيق (أَبو داود) تعتز على الدوام بالاهتمام الذي كانت تَحظى به، وطيلة عقود عِدَّة، من الرَفيق العزيز سوَاء في المقالات التي كتبها خصيصا للمجَلَّة أَو في الحوارات التي كانت تجريها المجلة معهُ بين حين وآخر، لتسلِيط الضَّوءِ على التطورات السياسيَّة والِاقتصادية والاجتماعيّة والثقافيّة... إلخ. كما كان الرفيق حريصا على متابعة تطوُّر المجلّة وتقديم الملاحظات بهدف تطوير عملها والارتقاء به إلى ذرىً جديدة، كي تظلُّ أَمينةً لشعارها المركزي العتيد: فِكْرٌ عِلْمِي... ثَقَافَةٌ تَقَدَّمِيَّة، وأن تكون في مقدمة المنابر التنويرية في المشهد الثقافي والإِبداعي الْعِراقي عموما.
ختاما، صَادِق التَّعَازي القلبيَّة الحارَّة للعائلة الكريمة للفقيد الكبيرِ (أَبو داود)، وَإِلى أَهْلِه وكُلّ رفيقاتهِ ورفاقهِ ومحبيه، مقرونَةً بمشاعر التضامن الصادقة معهم جميعا في هذا المصاب الجلَل... ولهم ولنا جميعا الصبر والسلوان.
وداعا (أَبا داود)!... وسلاما على نخيل العراق وشطْيه وجباله الشَّامخة، وسلاما على الوطن الذي انجبكَ ولم يبارحك لحظةً! لَك مَجْدُ الشُّيُوعِيّ الأَصيل والوطني الصَّادِق والأُمَمِي الثَّابت وذكراه النَّبيلة. ستظَلّ حَاضرا على الدوام... فِكْرًا وممَارَسة وسلوكا أَخلاقيا ونضاليا رَفيعا... وَفَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَّاضلا رَاقِيَا ظلّ وَفِيًّا لأَفكارِه وَمُثلهِ، وَلَمْ ينحَنِ أَبَدا أمام العَوَاصِف وَمَا أَكْثَرَهَا!
(الثقافة الجديدة)
1/3/2026