يعيش العراق أزماتٍ بنيوية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية منذ عقود، ولكن اللافت أن هذه الأزمات تولّد أزمات أخرى مركبة ومتشابكة مع مرور الوقت، لأن الأوضاع في جانبيها الموضوعي والذاتي التي تنتج الأزمات وتغذيها ما زالت قائمة بل تتفاقم مع الوقت. فإذا أخذنا الانتخابات الأخيرة مثلا، والتي سلطنا الضوء على آليات أجرائها المختلة في العدد السابق، وبعد أن أعلنت النتائج دخلت الأحزاب والكتل المتنفذة في مساومات فئوية ضيّقة وانانية، استنادا إلى نهج المحاصصة الطائفية - الإثنية، بل وصل الأمر إلى حد التنافس الحاد داخل الكتل الرئيسة نفسها من أجل التوصل - في الظاهر - إلى اتفاقات بشأن الاستحقاقات الدستورية التي تلي الانتخابات، والتي جرى التجاوز على توقيتاتها، والمتمثلة على نحو رئيس بانتخاب الرئاسات الثلاث: رئيس مجلس النواب ورئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء. وعلى الرغم من أن الرئاسة الأولى قد حسمت وفق نهج الصفقات نفسه، لكن بدأ الوقت يضيق بالنسبة لباقي الاستحقاقات. ما يجري في واقع الأمر، هو اقتسام للدولة ومواقعها ومواردها على جميع الصُعد، بعيدا عن مصالح الشعب والوطن، بعد أن تحولت إلى غنيمة سهلة، في ظل استشراء الفساد المالي والإداري الذي يُغذيه نهج المحاصصة المقيت. هذا التنافس والمساومات ليس لها علاقة لا من قريب أو بعيد بالبرامج التي يفترض أن تنفذ بعد دورة الانتخابات الجديدة، حيث إن الانتخابات نفسها جرى خوضها دون الالتفات إلى أي برامج تتبناها الأحزاب والكتل المتنفذة، إن كانت لها برامج أصلا عدا عناوينها المكوناتية. في حين نرى في الديمقراطيات الراسخة، وفي البلدان التي يقوم نظامها السياسي على تشكيل الائتلافات الحاكمة التي تفرزها الانتخابات، قد يطول تشكيل الحكومات فيها، لكن الفارق أن سبب هذا التأخير يعود إلى المفاوضات التي تجري بين الأحزاب المؤلفة في الحكومة للاتفاق على البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي سيجري تنفيذها، لا لاقتسام منافع الدولة وموقعها وتحويلها إلى اقطاعيات تابعة للأحزاب. إنّ ما يجري في العراق على هذه الشاكلة من إعادة إنتاج المنظومة الحاكمة لنفسها وتزويقها بالشرعية الانتخابية، لم تكن آلياتها شأنا داخليا بحتا، بل أن هذه الأحزاب والكتل المتنفذة على اختلافها تتلقى الدعم الإقليمي والدولي، لتشابك مصالحها مع هذين البعدين، وهذا ما أضعف من سيادة البلاد واستقلالها إلى حد كبير.
ومثال آخر مهم وحساس يتعلق بمعيشة المواطنين؛ إذ نرى تكرر تأخر صرف الرواتب وإعانات الرعاية الاجتماعية، دون التفكير مليا أن قطاعات واسعة من المواطنين تعتمد على هذه الرواتب في الأساس، وتأخيرها يعني خلق العوز وتدني المستويات المعيشية. ونتيجة الضائقة المالية التي تمر بها الدولة والتي هي بالأساس نتاج لسوء التخطيط الاقتصادي والمالي المدروس، نرى أن حكومة تصريف الأعمال تلجأ في آخر عمرها لتبني توجهات لتقليص الانفاق العام ومراجعة سلم رواتب الرئاسات الثلاث. هذه التوجهات غير الجادة ليس من المؤكد أنه سيجري تنفيذها من قبل الحكومة الجديدة، إذا ما عرفنا أن الحكومة الحالية نفسها لم تنفذ أجزاء مهمة من برنامجها الحكومي الذي أقره مجلس النواب.
لحظة وعي كاشفة للتيار المدني الديمقراطي
ما أفرزته الانتخابات الأخيرة من عدم حصول التيار المدني الديمقراطي، لأول مرة، على مقاعد برلمانية تتناسب مع تاريخه وبرامجه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واصطفافه الدائم إلى جانب الجماهير الكادحة وشغيلة اليد والفكر والتعبير عن مصالحها، إلى جانب عمق تجربته النضالية منذ تأسيس الدولة العراقية إلى الوقت الحاضر، يمثّل لحظة وعي كاشفة تستدعي مراجعة جذرية لأساليب عمل هذا التيار وبرامجه وشعاراته والتي على الرغم من صدقها، لكنها على ما يبدو لا تصل إلى الجماهير في مناحي حياتها ولا تتلمسها، وكأن ثمة هوة بينها وبين قوى التيار. دون أن نغفل في التحليل التحولات الاجتماعية والدينية والطائفية والثقافية التي حدثت في المجتمع العراقي في العقود الماضية، نتيجة سياسات النظام الدكتاتوري السابق وحروبه العبثية التي انتهت باحتلال العراق عام 2003 وزرع ديمقراطية مشوهة، وعمل الأحزاب والكتل التي حكمت بعد ذلك التاريخ على تسييس المكونات الدينية والمذهبية والإثنية، لكي تضمن مصالحها السياسية والاقتصادية والاجتماعية الضيّقة، وتحكم باسم "تمثيل المكونات". وبما أن المنظومة الحاكمة باتت تجيد انتاج نفسها عبر الانتخابات من خلال علاقاتها الزبائنية النفعية مع جمهورها، وتتصدى لأي محاولة لإصلاح النظام؛ لذا بات المعول الأساس للتغيير هو ممارسة الضغط من خارج هذه المنظومة، بواسطة الاحتجاجات والاعتصامات والإضرابات السلمية والتي قد تتطور إلى انتفاضات في منعطفات معينة، وإجادة استخدام الاعلام خصوصا الرقمي منه، لتوعية الجماهير بأسباب معاناتها وبأساليب النضال المناسبة لأخذ حقوقها المستحقة. وهذا يتطلب أكثر من أي وقت مضى اتفاقا سياسيا عريضا يمثّل المشتركات بين جميع الفعاليات المدنية والديمقراطية والشعبية لخوض النضال السياسي والفكري القائم على برنامج ملموس، يسهل وصوله إلى الجماهير وتعبئتها لتغيير معادلة الحكم الحالية، ولبناء دولة مدنية ديمقراطية، دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية التي تمثّل تطلعات جميع المواطنين.
قرصنة أمريكية جديدة أكثر عدوانية
أقدمت الولايات المتحدة فجر 3 كانون الثاني 2026 ، على عدوان جديد يتنافى كليا مع القانون الدولي الذي يقر بسيادة الدول واستقلالها ويمنع انتهاكها، وذلك بمهاجمة فنزويلا عسكريا واختطاف رئيسها مادورو وزوجته، تحت ذرائع واهية، ولكن بنية صريحة للسيطرة على احتياطيات النفط الضخمة وموارد البلاد الأخرى. هذا العدوان يمثل مرحلة جديدة في جهود الولايات المتحدة المستمرة لإخضاع الدول المستقلة التي لا تتماشى سياساتها الاقتصادية خصوصا مع الشركات الاحتكارية الأمريكية. وقد جوبه بالإدانة على مستوى العالم ويتطلب مزيدا من العمل لحشد الجهود العالمية على المستوى الرسمي والشعبي لمعاقبة الولايات المتحدة على فعلها المشين هذا، كي لا يتكرر.