يعود العراق من جديد ليكون في قلب أحداث إقليمية ودولية عاصفة، يمكن أن تؤثر بشكل كبير على أمنه واستقراره واستقلاله وسيادته وعلى نظامه السياسي والاقتصادي. فالعدوان العسكري الأمريكي-الإسرائيلي الغادر على إيران والذي وقع - كما في المرة السابقة - في أثناء المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بشأن برنامجها النووي؛ يدلل بشكل قاطع على أن الولايات المتحدة بمواقفها المتعنتة لا تُعير أي اهتمام لسيادة الدول واستقلالها، وتنتهك بشكل صارخ القانون الدولي. وهي تريد من ذلك فرض شروطها على إيران إلى حد الاستسلام. ويأتي الهجوم هذا ضمن مخططاتها الأوسع لتعزيز هيمنتها السياسية والاقتصادية والعسكرية على دول الشرق الأوسط، بتنسيق وتعاون وثيقين مع إسرائيل، وبما يخدم المصالح الجيوسياسية للأخيرة. وهو يأتي ضمن ما يسمى بـمشروع "الشرق الأوسط الجديد" الذي يهدف إلى إحكام السيطرة على المنطقة وتصفية القضية الفلسطينية. إن رد إيران على هذا الهجوم وتوسيعه ليشمل أهدافا مدنية واقتصادية في العديد من الدول العربية في منطقتنا ومن ضمنها العراق، ينذر بعواقب وخيمة على أمن واستقرار دول المنطقة برمتها، ويدخلها في نزاع يصعب التكهن بمدياته ونتائجه. إن محاولات زج العراق في هذا الصراع ناتجة في الأساس من فشل المنظومة الحاكمة في بناء نظام سياسي مستقل يعتمد على قدرات الشعب لا على الدعم الإقليمي والدولي، والذي تسخره في خدمة مصالحها السياسية والاقتصادية الأنانية، ومن ثم تعزيز قبضتها على الحكم. وفي هذا السياق يجب على الحكومة أن لا تسمح للمليشيات أن تصادر قرار الحرب والسلم الذي يفترض أن يبقى حصريا بيد الدولة، وأن لا تسمح لها أن تلعب أدوارا خطرة خارج سلطة الدولة ومؤسساتها تنفيذا لأجندات خارجية تتقاطع مع مصالح العراق وشعبه. وعليها كذلك أن تصون سيادة العراق بأن لا تسمح لأي جهة أن تنتهك أرضه وسماءه ومياهه تحت أي مبرر كان.
الانسداد السياسي والفراغ الدستوري
يعيش العراق حالة عصية من الانسداد السياسي والفراغ الدستوري، تؤثر على أوضاعه السياسية والاقتصادية والخدمية في ظل استمرار حكومة تصريف الأعمال والتي يفترض أن تكون صلاحياتها محدودة. وهذه الحالة لم تكن جديدة، فهي تواجه المنظومة الحاكمة بعد كل انتخابات، لكن هذه المرة بدت أكثر تعقيدا عندما تدخل القرار الأمريكي فيها على نحو علني بعد أن كان يتم في الكواليس. فلحد الآن لم يجر اختيار رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، في انتهاك صارخ للدستور الذي تلجأ له المنظومة الحاكمة عندما تحتاجه وتتجاهله عندما لا يتوافق مع مصالحها. والغريب في الأمر أن بعض أطراف المنظومة الحاكمة يتفاخر بأخذ موافقة إيران على ترشيح رئيس الوزراء لدعم شرعية اختياره، والتي يفترض أن تستند إلى إرادة الشعب وما تفرزه نتائج الانتخابات، وكأن هذا المنصب مصمم لشخص بعينه دون سواه. هذه الحالة نتيجة منطقية لنهج المحاصصة الطائفية-الإثنية الذي من خلاله تبحث الأحزاب والكتل المتنفذة عن اقتسام غنيمة الدولة عبر الصفقات لا غير، متناسية تماما مصالح الشعب والوطن، ومستعدة للدخول في مغامرات غير محسوبة العواقب في حالة الاصرار على اختيار شخص بعينه لهذا المنصب.
وبالمقابل ولأن العدد هذا يصدر في آذار، فإن هناك مناسبات عديدة في هذا الشهر لا بد من التوقف عندها.
اولى هذه المناسبات هي يوم الثامن من آذار عيد المرأة العالمي. فمن معين الحياة نروي زهور الربيع ونقدمها إضمامات عاطرة الى المرأة العراقية، وكل نساء العالم في يومهن العالمي من اجل المساواة والعدالة والكرامة.
ومن المعين نفسه، ينبع الاحتفال في نوروز، تمجيدا لانتصار الشعب الكردي على الاستبداد. ففي الحادي والعشرين من آذار من كل عام تتوهج النيران على ذرى جبال كردستان، مبشرة بالربيع، ومضيئة دروب الكفاح ضد كل اشكال الجور والظلم.
مجدا للذكرى الثانية والتسعين لميلاد الحزب الشيوعي العراقي
وفي هذا العام، كما الاعوام السابقة ايضا يوقد الشيوعيون العراقيون وأصدقاؤهم وكل انصار الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية في بلادنا ، شمعة جديدة في تاريخ الحزب، وها هو في هذا العام يحتفي بذكراه الثانية والتسعين، عمر النضج والحكمة. ويحق للشيوعيين العراقيين وأصدقائهم الاعتزاز بما اجترحه الحزب من مآثر نضالية طيلة أكثر من تسعة عقود على تأسيسه. فقد انبثق الحزب كضرورة موضوعية من أرض العراق، ليمثل مصالح جماهير عريضة من أبناء شعبنا من شغيلة اليد والفكر. وليقارع الأنظمة المستبدة بمختلف تلاوينها من أجل استقلال العراق وسيادته وبناء نظام ديمقراطي يستند إلى المواطنة والعدالة الاجتماعية والمؤسسات الدستورية، والتصدي لجميع النعرات الطائفية والإثنية التي تهدف إلى تمزيق نسيج المجتمع العراقي. وعلى هذا الدرب الطويل والشاق قدم الحزب قوافل من الشهداء، بدءا من اعدام قادته فهد وحازم وصارم عام 1949، في سبيل مصالح الشعب والوطن. ويواصل الحزب نضاله في المرحلة الحالية التي تتميز بتعقيداتها من أجل بناء جبهة شعبية عريضة تضم القوى الوطنية والديمقراطية والنقابات والاتحادات وشرائح الجماهير التواقة للتغيير، من أجل ممارسة اشكال نضالية متنوعة منها الوقفات المطلبية والاحتجاجات والتظاهرات والتي يمكن أن تتحول إلى هبّات أو انتفاضات في منعطفات معينة للضغط على المنظومة الحاكمة لتستجيب لمطالب الشعب في تحقيق قدر من العدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد المالي والإداري، وتعديل قانون الانتخابات، واختيار مفوضية للانتخابات مستقلة فعلا لا شكلا، ويبدأ ذلك بإلغاء نهج المحاصصة الطائفية-الإثنية المولِّد للأزمات المستمرة والمعمق لها والمفتت لوحدة المجتمع العراقي وتماسكه، والشروع في بناء نظام مدني ديمقراطي قائم على المواطنة الحرة والمؤسسات الدستورية.