نعود إلى آفة الفساد المالي والإداري والسياسي، التي كتبنا عنها الكثير، والتي وصلت إلى مديات لا يمكن تصورها في دولة عصرية، تريد أن تبني تجربة ديمقراطية، فسنجدها مروعة بكل المقاييس؛ لذلك أحتل العراق مراتب متأخرة في سلّم مكافحة الفساد بحسب منظمة الشفافية الدولية، على الرغم من إنشاء هيئة النزاهة الاتحادية المتخصصة في مكافحة الفساد وطاقمها الذي تنفق عليه الدولة الملايين، وتشكيل اللجان المتخصصة التي بقي عملها انتقائيا وطال بعض الحلقات الصغيرة لمنظومة الفساد دون أن يصل إلى تفكيك كامل هذه المنظومة التي تشابكت مصالحها الاقتصادية والمالية والتجارية والسياسية داخليا وخارجيا. أمّا الحملة الأخيرة التي تمثلت باعتقال موظفين كبار وبرلمانيين وسياسيين ورجال أعمال متهمين بالفساد وضبط أموال طائلة بحوزتهم، ورغم أهميتها الجزئية، ودون الانجرار إلى الصخب الإعلامي الذي رافقها وتهويل مدى فاعلية هكذا حملة، فسيبقى في تقديرنا أثرها محدودا إن جرت بصورة انتقائية وموسمية، في حين يفترض تبني آلية متكاملة تتضمن معالجات سياسية واقتصادية وأمنية وتقنية واشراك الرأي العام فيها، لتفكيك شبكات الفساد المعقدة في بنية الدولة ومجتمع الاعمال التي ارتبطت مصالحها مع المنظومة الحاكمة التي تبنت نهج المحاصصة الطائفية - الإثنية الذي يغذي الفساد ويديمه بمختلف أشكاله. والمدخل المطلوب هنا هو إحداث تغيير اساسي في النظام السياسي والتخلي عن هذا النهج المدمر سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وبناء نظام سياسي يؤمن بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية ويستند إلى مؤسسات دستورية تقوم على المساءلة والحساب تطال الكل مهما كان مُنحدَر من يشغل مواقع الدولة سياسيا أو طائفيا أو اثنيا.
ومدخل آخر في غاية الأهمية يرتبط بعملية مكافحة الفساد، هو حصر السلاح بيد الدولة فعليا لا كشعار يرفع لكسب الوقت وإيهام المواطنين والمحيط الإقليمي بذلك. وأن يكون قرار الحرب والسلم حصريا بيد المؤسسات الدستورية للدولة. والتطبيق الحازم لقانون الأحزاب الذي لا يسمح للأحزاب التي تمتلك أذرعاً مسلحة في الاشتراك في العملية السياسية وخوض الانتخابات والدخول إلى مجلس النواب والاستحواذ على مواقع الدولة التنفيذية المتقدمة، ومن ثم استغلال ذلك للانغماس في شبكات الفساد الداخلية والعابرة للحدود.
*****
وبمقابل ذلك تتواصل الاحتجاجات والوقفتات والتظاهرات في أغلب المحافظا العراقية من البصرة إلى أربيل؛ مطالبة بالخدمات الأساسية، المتمثلة في الكهرباء والماء الصالح للشرب والتعليم الجيد والصحة وتوفير الأدوية والسكن اللائق والأمن المجتمعي والحفاظ على البيئة، إضافة إلى مكافحة الفساد وإنصاف الفلاحين في تحديد سعر مناسب لمحاصيلهم الزراعية وتسديد مستحقاتهم دون تأخير، وتوفير فرص عمل تستوعب الخريجين القدامى والجدد وتطبيق الضمان الاجتماعي بشكل عادل. وباتت هذه الاحتجاجات من المظاهر اليومية في عراق اليوم. وهذا يعكس عمق الأزمات البنيوية التي طالت هذه المجالات دون أن تجد الحلول المناسبة لها من الحكومات المتعاقبة طيلة أكثر من عشرين عاما، عدا الوعود المعسولة التي تُطلق خصوصا قبل الانتخابات.
من المسلم به أن المشكلات التي لا يجري التصدي لحلها تتراكم وتولد مشكلات أخرى يمكن أن يكون حلها أكثر تعقيدا وتكلفة؛ فإذا أخذنا مشكلة الكهرباء والتي هي عصب الحياة في عالم اليوم، نجدها على الرغم من إنشاء وزارة خاصة بها وانفاق مليارات الدولارات عليها بعد عام 2003، إما في تراجع أو تراوح مكانها خصوصا في صيف العراق اللاهب. فإضافة إلى معاناة المواطنين من انقطاعاتها المتكررة، كيف يمكن الحديث عن تنمية اقتصادية - اجتماعية في ظل هكذا أوضاع متردية تمر بها الطاقة الكهربائية؟ هذا إن دل على شيء فهو يدل على غياب التخطيط والرؤية المستقبلية لدى جميع الحكومات المتعاقبة، التي قامت على نهج المحاصصة الطائفية - الإثنية الذي مهد الطريق وكرسه لاقتسام مواقع الدولة وموارد البلد وتعمق مظاهر الفساد، فيما بقي ملايين المواطنين يواجهون شظف العيش والحرمان والمعاناة.
أما مشكلة السكن التي تتفاقم مع استمرار النمو السكاني، وما يرتبط بها من سكن عشوائي امتد في جميع المحافظات، فهي تفاقم معاناة شرائح واسعة من المواطنين، وعلى الرغم من تنفيذ بعض المشاريع السكنية - التي نفذ قسما منها القطاع العقاري الخاص ـ، لكنها لا تتوفر دائما على مواصفات البناء السليمة، وتبقى عاجزة عن حل أزمة بهذه السعة. أما توزيع أراضي الدولة لبناء المساكن فيجري بصورة انتقائية وبعيدا عن عدالة التوزيع وموجباته دون النظر إلى من هم بحاجة فعلية إليها.