أيار 20
   

كُتب الكثير عن كارل ماركس، لكن القليل تناول علاقته بالديمقراطية المباشرة والاستراتيجية الناتجة عنها لتجاوز الرأسمالية. وهذا أمرٌ يصعب فهمه، إذ رأى ماركس في كومونة باريس نموذجًا لديكتاتورية البروليتاريا. وطالب الكثير من العمال في عام 1918 وما بعدها بتغيير جذري للنظام: كل السلطة للمجالس (إشارة لمطالبة الانتفاضات العمالية التي حدثت في بلدان اوربية بالشعار أعلاه – المترجم). في هذه المقالة، أحاول عرض بعض أفكار ماركس، وبالتالي توضيح أهمية الديمقراطية المباشرة في فكره وتعامله، ودورها السياسي التوجيهي لليسار.

 

أسس الديمقراطية عند ماركس

     لم يضع كارل ماركس نظرية شاملة للديمقراطية، لكن الديمقراطية المباشرة احتلت مكانة مركزية في كتاباته وسياساته العملية. وكان الأساس التاريخي لمفهومه للديمقراطية، ديمقراطية أثينا القديمة، حيث شارك الشعب الحر مباشرةً في القرارات السياسية الرئيسية. وقد تعرّف على هذا الشكل من الديمقراطية وقيمه من خلال دراساته للفلسفة القديمة، ونقده لنظرية هيغل عن الدولة والديمقراطية، وأطروحته للدكتوراه بعنوان: "الفرق بين فلسفة ديموقريطس وإبيقور في الطبيعة"، وتقاريره عن الظلم الاجتماعي القائم. حتى في شبابه، كان قلب ماركس ينبض حبًا للفقراء والمعدمين، وللديمقراطية الشعبية، ولتفكيك أنظمة الهيمنة والإقصاء والقمع. وقد شكّل هذا الموقف السياسي الإنساني "آراءه الديمقراطية" المبكرة والمتأخرة. (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع صـ 537).

في نقده لنظرية هيغل عن الدولة والديمقراطية، وتمجيد الملكية، دعا ماركس، وهو في الرابعة والعشرين من عمره، إلى حق الشعب في تقرير مصيره وحكمه الذاتي، وإلى السيادة الشعبية غير القابلة للتجزئة كضامن لحقوق الإنسان. جادل ماركس بأن حق الإنسان هو "وجود الحرية" (الأعمال الكاملة، المجلد الأول صـ 115)، وأن الشعور الذاتي للإنسان، أي الحرية، قادرٌ على "جعل المجتمع مرة أخرى جماعة إنسانية تسعى لتحقيق أسمى غاياتها، دولة ديمقراطية" (الأعمال الكاملة، المجلد الأول صـ 339). وأكد ماركس الشاب أن الشعب ينبغي أن يكون "الدولة الحقيقية" (الأعمال الكاملة، المجلد الأول صـ 229)، وأنه "في الديمقراطية فقط يُظهر الدستور نفسه حق الشعب في تقرير مصيره، كإبداعه الخاص" (الأعمال الكاملة، المجلد الأول صـ 231). ودعا ماركس إلى الفكرة المتطورة "للديمقراطية"، والتي اعتبرها "اللغز الذي تم حله لجميع الدساتير" لأنها تعود إلى "الإنسان الحقيقي، الشعب الحقيقي" (المصدر السابق).

ينبغي لأغلبية السكان، أي القاعدة المجتمعية، وليس لأقلية الطبقة الحاكمة، أن توجه وتراقب الدستور والتشريع وسلطة الدولة. وتوضح إنغيبورغ ماوس (أستاذة علوم سياسية ألمانية – المترجم) قائلة: "لن يقرر الشعب استمرار القانون القائم وتعديله بالنسق نفسه، إلا عندما يُعترف بسيادته، أي باعتباره مصدرًا للتشريع"(1).

على أساس مبادئه الديمقراطية، انتقد ماركس مفهوم هيغل الاستبدادي للدولة. كان موقف هيغل مبنيًا على رؤية أن الشكل الوحيد المعقول للحكم هو الملكية، وأن الشعب لا يفهم شيئًا، وأنه غير عقلاني ومتوحش، ولا يقدم إلا على السيئ(2). لهذا رفض هيغل بشكل قاطع فكرة السيادة الشعبية، وبالتالي الدستور الجمهوري الديمقراطي. أما بالنسبة لماركس الشاب، فقد كان الشعب هو صاحب السيادة. فالأنظمة التعسفية، كالحكم الاستبدادي والملكي، تحتقر الإنسانية وتُعدّ أشكالًا غير إنسانية للحكم. (قارن الأعمال الكاملة، المجلد الأول، صـ 340). وجد ماركس أن نزعة هيغل الاستبدادية "مقززة" (الأعمال الكاملة، المجلد الأول صـ 330). والديمقراطية عند ماركس تنطلق من الشعب من خلال "المشاركة المباشرة للجميع في المداولات واتخاذ القرارات بشأن شؤون الدولة العامة" (الأعمال الكاملة، المجلد الأول، صـ 321)، حيث تكون الدولة "شكلًا خاصًا لوجود الشعب"، "حق الشعب في تقرير مصيره" (الأعمال الكاملة، المجلد الأول، صـ 232)، وهو ما ينشئ "وعي الإنسان بذاته، وحريته، ومجتمعًا من الناس، ودولة ديمقراطية" (الأعمال الكاملة، المجلد الأول، صـ 339).

ينص البيان الشيوعي لعام 1848 على: "إن خطوة ثورة العمال الأولى هي الارتقاء بالبروليتاريا إلى طبقة حاكمة، وتحقيق الديمقراطية. ستستخدم البروليتاريا سيطرتها السياسية لانتزاع رأس المال من البرجوازية، على مراحل، لتركيز جميع أدوات الإنتاج في يد الدولة، أي في يد البروليتاريا المنظمة كطبقة حاكمة، ومضاعفة جموع القوى الإنتاجية بأسرع ما يمكن". (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع، صـ 481).

وحتى وفاته، كان ماركس ممثلًا ثابتًا للإنسانية والديمقراطية الشعبية، وناضل وفقًا لذلك:

  • من أجل إلغاء "جميع الظروف التي يكون فيها الإنسان كائنًا مُهانًا، مُستعبدًا، مهجورًا، ومُحتقرًا" (الأعمال الكاملة، المجلد الأول، صـ 385)،
  • من أجل القضاء على الاستغلال، والاستعباد، والقمع (قارن الأعمال الكاملة، المجلد 16، صـ 11، 56، جي آر، صـ 545، الأعمال الكاملة، المجلد الرابع، صـ 181)،
  • من أجل التطور الحر لكل فرد كشرط للتطور الحر للجميع (قارن، الأعمال الكاملة، المجلد الرابع، صـ 482)،
  • من أجل تحرر البشرية، والتنمية الكونية، وتقرير المصير للأفراد، وتحقيق ذواتهم، والتطور الحر للشخصية (قارن، جي آر، صـ 58، 231، 387، 505، 599، والصفحات التالية؛ الأعمال الكاملة، المجلد الأول، صـ 356، 361، 390، والصفحات التالية؛ الأعمال الكاملة، المجلد الأربعون، صـ 539، والصفحات التالية؛ الأعمال الكاملة، المجلد الثالث، صـ 37)،
  • للتغلب على الاغتراب عن الذات، وعن المحيط البشري، وعن المجتمع، وعن الطبيعة، وعن المنتج، وعن عملية الإنتاج (قارن الأعمال الكاملة، المجلد الأربعون، صـ 505 وما بعدها، 515، 536، وما بعدها؛ الأعمال الكاملة، المجلد الأول، صـ 233)،
  • لتحقيق الحقوق المدنية وحقوق الإنسان (الأعمال الكاملة، المجلد الأول، صـ 311، 362 وما بعدها)،
  • من أجل حرية الرأي، وحرية الصحافة، وحرية التجمع، وحرية تكوين الجمعيات، وحرية العمل، وحرية المعتقد والدين (قارن الأعمال الكاملة، المجلد الرابع والثلاثون، صـ 316، الأعمال الكاملة، المجلد السادس عشر، صـ 75 وما بعدها)،
  • من أجل نظام لتجميع المنتجين الأحرار والمتساوين (قارن الأعمال الكاملة، المجلد السادس عشر، صـ 195، الأعمال الكاملة، المجلد الرابع، صـ 48، 181، 482)،
  • من أجل مشاركة الجميع في صنع القرار الديمقراطي (قارن الأعمال الكاملة، المجلد الأول، صـ 321)،
  • من أجل إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج باعتبارها سببًا للسيطرة الأجنبية والاستغلال والاغتراب وعدم المساواة الاجتماعية (قارن الأعمال الكاملة، المجلد الأربعون، صـ 534، 565، وما بعدها 553؛ الأعمال الكاملة، المجلد الثالث، صـ 76؛ الأعمال الكاملة، المجلد الرابع، صـ 475)،
  • من أجل تحويل ملكية الشركات إلى ملكية جماعية (قارن الأعمال الكاملة، المجلد الأول، صـ 391؛ الأعمال الكاملة، المجلد الثالث والعشرون، صـ 789، 791؛ الأعمال الكاملة، المجلد الأربعون، صـ 540؛ الأعمال الكاملة، المجلد الرابع، صـ 476 وما بعدها)،
  • من أجل "التغلب على خداع الذات والاستسلام" (الأعمال الكاملة، المجلد الأول، صـ 381)،
  • من أجل إلغاء جميع الطبقات (قارن، الأعمال الكاملة، المجلد الثامن والعشرون، صـ 508).

أدرك ماركس أنه، بسبب قسرية النظام وعلاقات الملكية والهيمنة القائمة، لا يمكن تحقيق الحقوق والحريات المطلوبة في ظل الرأسمالية. لذا، كان التغلب على الرأسمالية لا غنى عنه.

كانت الحقوق الدستورية في هذا النظام شكلية فقط، لا تُحترم في الواقع، ولم تُستخدم إلا للتغطية على ظروف الاستغلال. أما حقوق الإنسان المُصاغة في ظل الرأسمالية فكانت حقوقًا فردية أنانية منفصلة عن المجتمع، ولم تُسهم في تعزيزه، بل أدت إلى العزلة عن الآخرين (الأعمال الكاملة، المجلد الأول، صـ 364 وما بعدها، 369).

فبدلًا من تعزيز المشاركة السياسية، يدفع النظام الرأسمالي نحو التهميش السياسي. يولد غالبية السكان أحرارًا، لكنهم يقيّدون في كل مكان بسلاسل نمط الإنتاج الرأسمالي. إن أهم سمات الإنسان المتحرر هي حريته وحقه في تقرير مصيره، وهما تحديدًا ما يُسلب منه في المجتمع الرأسمالي بسبب ظروف العمل والمعيشة اللاإنسانية. ورغم أن القانون الأساسي (الدستور – المترجم) الألماني ينص على وجوب احترام سلطة الدولة لكرامة الإنسان وحمايتها، إلا أن هذه مجرد كليشيهات وخداع.

 

الممارسة الديمقراطية عند ماركس

لقد مثّل ماركس الديمقراطية ودافع عنها ليس بالكلمات فقط، بل بالممارسة أيضًا. فخلال فترة إقامته في بروكسل (1845 -1848)، شغل منصب نائب رئيس الجمعية الديمقراطية. وفور عودته إلى ألمانيا، أسس صحيفة "نويه راينشه تسايتونغ" (الراينية الجديدة)، باعتبارها "منبر الديمقراطية"، التي اكتسبت أهمية وطنية ونشرت أفكار الديمقراطية.

في الوقت نفسه، كان عضوًا في الجمعية الديمقراطية في كولونيا (من نيسان 1848 حتى إبعاده في أيار 1849). وفي لندن، كان ماركس من أبرز مؤسسي "رابطة العمال العالمية" و"عصبة الشيوعيين" (1864 - 1872)، التي ناضلت من أجل الإصلاح الانتخابي، وتحرير العبيد، والتحرر الوطني، وتحرير الطبقة العاملة، التي كانت تمثل غالبية السكان.

 

ماركس حول الديمقراطية البرلمانية

على الرغم من أن ماركس كان من دعاة الديمقراطية المباشرة، إلا أنه دافع عن الديمقراطية البرلمانية في بعض الحالات أيضًا، منطلقًا من أن الديمقراطية البرلمانية تؤدي إلى فصل بين "كتل الطبقة الحاكمة" على الأقل (الأعمال الكاملة، المجلد السابع عشر، صـ 733)، وأنها، وفق ماركس، وسيلة أساسية للتغلب على الإقطاع، وباعتبارها شكلًا رأسماليًا للدولة، يمكنها أن تمثل مصالح العمال المأجورين كمكمل للنضال خارج البرلمان. وطالما بقي النظام البرلماني قائمًا، ينبغي، كما أكد إنجلز، استخدامه "لكسب تأييد جماهير العمال للاشتراكية الثورية" (إنجلز، الأعمال الكاملة، المجلد السادس والثلاثون، صـ 55).

وفق رؤية ماركس وإنجلز، فإن الديمقراطية البرلمانية ليست شكلًا ديمقراطيًا للدولة، بل هي مؤسسة برجوازية للحكم، وليست سوى "ماكينة للحكم الطبقي" (الأعمال الكاملة، المجلد السابع عشر، صـ 336)، و"شكل رأسمالي للحكم يُستبعد فيه أغلبية السكان من الحكم" (الأعمال الكاملة، المجلد السابع عشر، صـ 336، 545). وتُستخدم لتمثيل "المصالح المشتركة" (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث، صـ 347) للبرجوازية، ولحماية ممتلكاتها، ولإخفاء الحقائق الاجتماعية. وبينما يُمكن للسكان الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات، إلا أنهم مُلزمون عمومًا بالخضوع لقرارات الطبقة الحاكمة. وأن الديمقراطية الليبرالية لا تمت بصلة للديمقراطية، ففيها لا يحكم الشعب، بل تحكمه أقلية صغيرة. والاقتراع العام ليس إلا "لعبة في أيدي الطبقات الحاكمة، لا يمارسها الشعب إلا مرة كل عدة سنوات لإضفاء الشرعية على الحكم الطبقي البرلماني" (الأعمال الكاملة، المجلد السابع عشر، صـ 544).

"بدلًا من أن نقرر مرة كل ثلاث أو ست سنوات أي عضو من الطبقة الحاكمة يجب أن يمثل الشعب في البرلمان ويسحقه، يجب أن يخدم الاقتراع العام الشعب، المشكَّل في الكومونات" (الأعمال الكاملة، المجلد السابع عشر، صـ 340).

وفي الوقت نفسه، في حال اندلاع انتفاضة بروليتارية، كما حدث في كومونة باريس عام 1871 وفي ديمقراطية المجالس الألمانية في عامي 1918 و1919، ستستخدم الطبقة الحاكمة سلطة الدولة البرلمانية بلا رحمة كـ"سلاح رأسمالي" (الأعمال الكاملة، المجلد السابع عشر، صـ 337) لقمع الحركة العمالية الثورية. وبالمثل، فإن "الحملة الصليبية المستمرة ضد الجماهير المنتجة" ستجبر رأس المال على "تزويد السلطة التنفيذية (الحكومة والإدارة) بسلطة قمع متزايدة باستمرار" (المصدر السابق)، وكما يحدث حاليًا، سيُضعف البرلمان تدريجيًا لصالح السلطة التنفيذية. وفي اللحظات الحرجة، يخشى رأس المال السلطة الديمقراطية للشعب، ويُفضل دكتاتورية الأقلية على "جمهورية ديمقراطية واجتماعية" (الأعمال الكاملة، المجلد السابع، صـ 506).

استنتج ماركس أن مجتمعًا تحرريًا وإنسانيًا لا يمكن تحقيقه من خلال النظام البرلماني والوسائل البرلمانية السلمية. ونظرًا لعلاقات الملكية والهيمنة الرأسمالية السائدة، وقدرة رأس المال الهائلة في التلاعب، وعجز الدولة، فإن الديمقراطية البرلمانية تخدم حماية النظام الرأسمالي، لا إلغاءه. ومن خلالها، يسعى أصحاب رأس المال ومؤيدوهم إلى نشر أوهام حول الديمقراطية، وبالتالي إخفاء هياكل السلطة الحقيقية. لم يشارك ماركس الكينزيين المعاصرين قدرتهم المزعومة على معالجة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. فوفق ماركس، لا يمكن للدولة الرأسمالية، بسبب قسرية النظام، أن تحقق سوى نجاح محدود (قارن، الأعمال الكاملة، المجلد الثالث، صـ 348).

لن تسمح البرجوازية للدولة بالتدخل في مصالحها الخاصة، ولن تمنحها إلا القدر اللازم من السلطة لضمان أمنها والحفاظ على المنافسة (المصدر السابق، 339). إن اعتقاد البرجوازية الصغيرة بأن الدولة "تُشكّل ذاتيًا كقوة ثالثة في مواجهة الطبقة الحاكمة وتستحوذ على كل السلطة ضدها" (المصدر السابق) هو وهم. وهكذا، وفقًا لماركس، وخلافًا لما ذهب اليه الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي(3)، لا يمكن القضاء على التوزيع غير العادل للثروة في النظام الرأسمالي من خلال إصلاح النظام الضريبي، "إن هواية البرجوازية المتطرفة المفضلة، في أحسن الأحوال لا يمكن تعديلها إلا في نقاط ثانوية، ولكن لا يمكن تغيير أساسها أبدًا" (الأعمال الكاملة، المجلد السابع، صـ 285). تفشل الأولوية التي تمنحها الكينزية للسياسة أمام الظروف الواقعية، وتصبح "في نهاية المطاف مجرد منفذ للضرورات الاقتصادية" (الأعمال الكاملة، المجلد الثامن والثلاثون، صـ 365). "وسيُجبر التشريع دائمًا على التكيف معها" (الأعمال الكاملة، المجلد الثامن عشر، صـ 60).

وعلى الرغم من ذلك، ينبغي لممثلي الطبقة العاملة المشاركة في الانتخابات البرلمانية، والعمل في البرلمان "لمعرفة قواهم، ولإيصال موقفهم الثوري ومواقف حزبهم إلى الرأي العام" (الأعمال الكاملة، المجلد السابع، صـ 251)، ومحاولة فرض إصلاحات لصالح العمال.

مع ذلك، فإن أي يساري يؤمن بالنهج البرلماني يعاني من داءٍ عضال: "العوق البرلماني، الذي يحاصر المصابين به في عالمٍ وهمي ويسلبهم كل حواسهم، وكل فهمٍ للعالم الخارجي القاسي" (الأعمال الكاملة، المجلد الثامن، صـ 173). هذا الداء، وفق إنجلز، هو "مصيبةٌ تملأ ضحاياها التعساء بقناعةٍ ساميةٍ بأن العالم بأسره، ماضيه ومستقبله، يُوجَّه ويُحدَّد بتصويت أغلبية الهيئة التمثيلية التي تتشرف بضمهم إلى عضويتها" (إنجلز، الأعمال الكاملة، المجلد الثامن، صـ 87). وبدلًا من "اتخاذ موقف خارج البرلمان" (الأعمال الكاملة، المجلد السادس، صـ 373)، فإن أعضاء اليسار المصممين سيقدمون تنازلًا تلو آخر، وبالضد من كل التجارب، لن يتخلوا عن الأمل في تحقيق الأغلبية في البرلمان.

يتوافق نقد ماركس للنظام البرلماني مع تقييم عالم النفس المعرفي راينر ماوسفيلد، الذي يرى أن الديمقراطية التمثيلية تتعارض مع المبدأ التوجيهي للديمقراطية(4): حكم الشعب. وأكد ماوسفيلد أن الديمقراطية التمثيلية تقلب الديمقراطية الحقيقية رأسًا على عقب، ولا تمثل سوى حكم النخب السياسية والاقتصادية. ووفقًا لماوسفيلد، وخلافًا لرأي الديمقراطيين الليبراليين، فإن الرأسمالية تتعارض مع الديمقراطية(5). يتطلب النظام الرأسمالي "الخضوع لعلاقات السلطة التي تمارس فيها أقلية من المالكين، في الرأسمالية، سلطة على أغلبية من غير المالكين"(6). يخضع الشعب لقيادة هياكل الشركات وشروط استغلال رأس المال، ولقيود النظام. تسود السيطرة الأجنبية على الشركات، وتسيطر سلطة المال على الأسواق. كلتا العلاقتين غير ديمقراطيتين. "لا تلعب الانتخابات البرلمانية أي دور في القرارات السياسية الجوهرية في الديمقراطيات الرأسمالية، ولا يملك النصف الأدنى من سلم الدخل سوى تأثير ضئيل للغاية، يكاد يكون معدومًا، على القرارات السياسية(7).

ما جدوى الانتخابات البرلمانية إذن، إذا كانت الجماهير عاجزة؟ وفقًا لعالم السياسة يوهانس أنيولي، فإنها تؤدي وظيفة ترويض ودمج وتوجيه واستقرار، وتحافظ على مظهر المشاركة، وهي مناسبة بشكل خاص "لإيصال الشعور بالرضا إلى المواطن الفردي المعزول والمجرد، لحاجته إلى اتخاذ القرارات"(8).

على غرار ماوسفيلد، يرى عالم الاجتماع البريطاني كولن كراوتش أن الدولة في ظل الرأسمالية يجب أن تخضع لمنطق رأس المال والسوق. فهي تقف تحت هيمنة الشركات، والانتخابات مجرد استعراض، والسياسة في ظل الرأسمالية شأن يخص النخبة الاقتصادية(9). يرى أولريش ميس أيضًا أن الديمقراطية البرلمانية ليست سوى ديمقراطية زائفة يتم فيها مضايقة "صاحب السيادة" وتهدئته وتهميشه والسيطرة عليه من قبل دكتاتورية رأس المال.

يكتب فولفغانغ كوشنيك(10) "يفعل البرلمانيون ما يريدون بمجرد وصولهم إلى مناصبهم"، ونظام الديمقراطية التمثيلية "لا يخدم الصالح العام، بل المصالح الخاصة" (ص 51)، والديمقراطية البرلمانية هي "ديمقراطية زائفة مليئة بالأسطوانات الفارغة" (ص 111)، و"لا يلعب الناخبون، إن لعبوا على الإطلاق، سوى دور ثانوي" (ص 115)، و"إن إشراك السكان في الانتخابات لا يخدم إلا الحفاظ على ولاء الجماهير، للحفاظ على الواجهة الديمقراطية" (ص 116).

 

ماركس حول ديمقراطية المجالس

ظل تقدير كارل ماركس للديمقراطية المباشرة راسخًا، على مر الزمن، حتى في مواجهة خيبات الأمل والتحليلات السياسية. ولأن بؤس واغتراب غالبية السكان ناتجان بالدرجة الأولى عن نمط الإنتاج الرأسمالي، فإن حل هذه المشكلات لا يكون إلا في مجتمع شيوعي. ويرى ماركس أن أي شيء آخر ليس سوى سياسة شكلية ورمزية، تؤدي في نهاية المطاف إلى تفاقم الوضع الاجتماعي.

عندما انتصر عمال كومونة باريس في عام 1871، أدرك ماركس على الفور الأهمية السياسية لديمقراطية المجالس، وبالتالي الديمقراطية المباشرة.

وفق ماركس، كانت الكومونة "استعادة لسلطة الدولة من قِبل الجماهير" (الأعمال الكاملة، المجلد 17، ص 543)، "ثورة ضد الدولة نفسها، ضد الإجهاض غير الطبيعي للمجتمع؛ لقد كانت إلغاءً للحياة الاجتماعية للشعب من قِبل الشعب ولأجل الشعب" (الأعمال الكاملة، المجلد 17، صـ 541). "لقد كانت في جوهرها حكومة الطبقة العاملة، نتيجة نضال الطبقة المنتجة ضد الطبقة المستحوذة، الشكل السياسي الذي تم اكتشافه أخيرًا والذي يمكن في ظله تحقيق التحرر الاقتصادي للعمال" (الأعمال الكاملة، المجلد 17، ص 342). ومن شأنها أن "تعيد إلى الجسد المجتمعي جميع القوى التي استهلكتها الدولة، هذا النمو الطفيلي حتى الآن" (الأعمال الكاملة، المجلد 17، صـ 341). وكانت كومونة باريس "انبعاث بواسطة الشعب وحياته المجتمعية. لم تكن ثورةً لنقل سلطة الدولة من فصيلٍ من الطبقات الحاكمة إلى آخر، بل ثورة لكسر هذه الآلة البغيضة للحكم الطبقي" (الاعمال الكاملة، المجلد 17، صـ 541 وما بعدها). "إذا كانت الكومونة، بالتالي، الممثل الحقيقي لجميع العناصر السليمة في المجتمع، وبالتالي الحكومة الوطنية الحقيقية، فقد كانت في الوقت نفسه، كحكومة عمالية، وطليعة شجاعة لتحرير العمل، وأممية بكل ما تحمله الكلمة من معنى" (الاعمال الكاملة، المجلد 17، صـ 346).

كانت الكومونة، بالنسبة لماركس، شكلاً من أشكال الحكم الديمقراطي المباشر، "الشكل السياسي للتحرر الاجتماعي، وتحرير العمل من عبودية محتكري وسائل الإنتاج، التي يخلقها العمال أنفسهم أو هي هبات من الطبيعة. لا تنهي الكومونة الصراع الطبقي، الذي تسعى من خلاله الطبقات العاملة إلى تحقيق إلغاء جميع الطبقات. إنها تمثل تحرير العمل، وتخلق المرحلة الوسيطة العقلانية التي يمكن لهذا الصراع الطبقي أن يمر فيها عبر مراحله المختلفة بأكثر الطرق عقلانية وإنسانية" (الأعمال الكاملة، المجلد 17، صـ 545 وما بعدها). على طريق الديمقراطية المباشرة.

لقد برهنت الكومونة على كيفية استيلاء الطبقة العاملة على سلطة الدولة وممارستها. لقد كانت، في جوهرها، نموذجًا للدولة البروليتارية، إذ ألغت الديمقراطية المباشرة "الطابع القمعي لسلطة الدولة" (الأعمال الكاملة، المجلد 17، صـ 336) واستبدلت حكم الأقلية بحكم الأغلبية. لقد كان ماركس واضحًا في هذا الشأن: "لم تطلب الطبقة العاملة معجزات من الكومونة".  لقد خاضت "نضالات طويلة، وسلسلة كاملة من العمليات التاريخية، التي تحوّل الناس والظروف من خلالها تحولًا جذريًا. ليس لديها مُثُل عليا لتحقيقها؛ كل ما عليها فعله هو تحرير عناصر المجتمع الجديد التي تطورت بالفعل في رحم المجتمع البرجوازي المنهار" (الأعمال الكاملة، المجلد 17، صـ 343). وأكد ماركس قائلًا: "ستُخلّد باريس العمال، بكومونتها، إلى الأبد باعتبارها البشارة المجيدة لمجتمع جديد" (الأعمال الكاملة، المجلد 17، صـ 362).

 

تحقيق ​​الحكم السياسي للبروليتاريا

انطلق كارل ماركس من ضرورة التغلب على الرأسمالية واستيلاء البروليتاريا على السلطة السياسية. ثم برز السؤال، وما يزال قائماً، حول شكل عملية التحول الثوري هذه. وبصفته ديمقراطياً شعبياً، لم يكن لدى ماركس أدنى شك. فبالنسبة له، كانت "الخطوة الأولى في ثورة العمال" هي "ارتقاء البروليتاريا إلى طبقة حاكمة، والنضال من أجل الديمقراطية (الاعمال الكاملة، المجلد الرابع، صـ 481). وأشار انجلس أيضًا إلى: "إن الديمقراطية في جميع البلدان المتحضرة لها نتيجة حتمية تتمثل في الحكم السياسي للبروليتاريا، والحكم السياسي للبروليتاريا هو الشرط الأول لجميع التدابير الشيوعية" (انجلس، الاعمال الكاملة، المجلد الرابع، 317)(11). "الديمقراطية هي اليوم الشيوعية"، كما يقول انجلس، و"مبدأ البروليتاريا، هو مبدأ الجماهير" (الاعمال الكاملة، المجلد الثاني، صـ 613).

وفق ماركس وانجلس، لا يكمن الحل في الإطاحة بالحكومة من قِبل أقلية صغيرة منظمة، ولا في إلغاء الرأسمالية عبر تفكيك مؤسسات الدولة، ولا في النضال الاشتراكي من أجل أغلبية برلمانية، ولا في انتظار المستقبل البعيد؛ بل يكمن الحل، بروح كومونة باريس، بخطوات تحول ديمقراطية مباشرة تهدف إلى تجاوز الرأسمالية والوصول إلى نمط الإنتاج الشيوعي(12).

 

ماذا يعني هذا عملياً؟

أولًا: يجب توسيع نطاق المجالس/ الديمقراطية المباشرة لتشمل جميع مجالات العمل والحياة في المجتمع، وصولًا إلى الاستيلاء على السلطة. يجب إنشاء هياكل ديمقراطية مباشرة في المصانع والشركات ومراكز رعاية الأطفال والمدارس والجامعات ووسائل الإعلام والجيش، وحتى دور رعاية المسنين، لاستبدال سيطرة الحكومة الخارجية بالحكم الذاتي الديمقراطي من قبل كل من السكان العاملين وغير العاملين. إن مسار التحول نحو الديمقراطية المباشرة يستلزم التخلي عن الديمقراطية البرلمانية والسعي نحو أشكال ديمقراطية مباشرة شاملة للعمل والحياة(13).

من خلال النضال الديمقراطي المباشر، ستتمكن أغلبية السكان من:

  • التحرر من طاعتها العمياء،
  • التخلي عن موقفها السياسي السلبي،
  • تنمية المعرفة والمهارات الديمقراطية، وكذلك الثقة بالنفس وحق تقرير المصير،
  • إدراك أن إصلاح النظام وحده لا يكفي،
  • التغلب على علاقات الإنتاج الرأسمالية وهيمنة رأس المال،
  • القضاء على العمل المغترب،
  • الاستيلاء على السلطة السياسية.

إن حكم الشعب السياسي لنفسه ذاتيا، الذي يتحقق من خلال الديمقراطية المباشرة، يُهيئ الإمكانيات لإلغاء العمل المأجور، ودافع الربح، واقتصاد السوق، والملكية الخاصة؛ وجعل ملكية وسائل الإنتاج عامة؛ ولتطبيق اقتصاد مخطط ديمقراطياً؛ وللتقليص الجذري للعمل المأجور؛ ولتشكيل الاقتصاد ونمط الحياة بطريقة سلمية، قائمة على التضامن، ومستدامة. ولا ينبغي أن تقتصر الديمقراطية المباشرة للمجتمع اليوم على الشركات فقط. فبينما يُعدّ إرساء الإدارة الذاتية للعاملين في أماكن العمل أمراً محورياً، إلا أنه لا يمكن ولا يجب أن يتوقف عند هذا الحد. إن تحرير العمال من هيمنة رأس المال ومن تقديسهم الخرافي للدولة البرجوازية يتطلب ديمقراطية شعبية شاملة على مستوى المجتمع. وبهذه الطريقة فقط يمكن تحقيق نمط حياة يُحدد فيه الجميع مصيره، حيث يصبح كل فرد من أفراد الشعب مشاركاً متساوياً في السيادة الشعبية (الاعمال الكاملة، المجلد الأول، صـ 354). الديمقراطية هي حكم الشعب، بواسطة الشعب، وللشعب، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال إضفاء الطابع الديمقراطي المباشر والشامل على جميع مجالات الحياة والعمل. ويجب إزالة أي غموض يتعلق بهيكل المجالس المجتمعية/ منظمة الديمقراطية المباشرة خلال عملية التحول الديمقراطي.

على النقيض من الأفكار الانقلابية واليسارية المتطرفة والفوضوية، لا يعني المسار الديمقراطي المباشر الانسحاب من العمل البرلماني. فالأنشطة البرلمانية تُسهم في تثقيف الجمهور، وتنفيذ تحسينات طفيفة لعامة السكان، ودعم النضالات خارج البرلمان. مع ذلك، فإن المشاركة في البرلمان تستبعد المشاركة في الحكومة، فموضوعيا لا يملك اليسار الثوري في الحكومة خيارًا سوى الدفاع عن الرأسمالية، وبالتالي التخلي عن هدف تجاوزها.

ثانيًا: لا ينبغي أن يكون الهدف اشتراكية السوق الخضراء، بل تحجيم قوى السوق من خلال زيادة المعروض من السلع المجانية وتوسيع نطاق التخطيط الاقتصادي الكلي. لقد رأى كارل ماركس أن التخطيط الكلي الديمقراطي عنصر لا غنى عنه في مجتمع ما بعد الرأسمالية، لأنه السبيل الوحيد للتغلب على فوضى السوق وأزماتها الاقتصادية والمالية، وإدارة الاقتصاد بما يتوافق مع احتياجات السكان(14). وانطلاقًا من مبدأ "التخطيط قدر الإمكان، والسوق بقدر الضرورة"، ينبغي تشجيع أنظمة التخطيط الرقمي، وتجربتها عمليًا، وتطبيقها خلال المرحلة الانتقالية. لا يمكن إلغاء السوق بين عشية وضحاها بتسرع، بل يجب تقليصه من حيث المعروض من السلع المجانية وتوسيع نطاق التخطيط الاقتصادي الكلي.

بالاستناد إلى الاقتصاد البرجوازي، ينتقد الكثير من اليسار الاقتصاد المخطط، بحجة عدم فعاليته، وانه يؤدي إلى نقص اقتصادي، ويفضي إلى المركزية. مع ذلك، وبالنظر إلى الإمكانيات التكنولوجية والسياسية المتاحة اليوم، فإن التخطيط الكلي المنظم ديمقراطياً والقائم على تكنولوجيا المعلومات الحديثة يتفوق على آلية السوق الفوضوية(15). فهو أكثر عدلاً، ويلبي الاحتياجات، وأكثر مراعاة للبيئة، وأكثر ابتكاراً، ويحسن العرض، ويؤدي إلى توسيع نطاق عمليات صنع القرار الديمقراطية. وحده الاقتصاد المخطط الديمقراطي يمكّن الجميع من المشاركة في تشكيل الاقتصاد، والتغلب على الأزمات والبطالة، ومنع الكوارث المناخية، وخلق سبل مستدامة وسلمية وعادلة للعمل والمعيشة(16).

أما الذين ما زالوا يؤمنون بقدرات السوق العلاجية (كالاقتصاديين الكلاسيكيين الجدد) و/ أو قدرات الدولة الرأسمالية العلاجية (كالكينزيين) فهم يسيرون في طريق خاطئ، وعاجزين عن التغلب على نمط الإنتاج الرأسمالي وآثاره المدمرة.

ثالثا: يجب تقليص ساعات العمل بشكل جذري. فالتقليص التدريجي لساعات العمل يُمكّن العاملين من زيادة وقت فراغهم، ويسمح ذلك لهم بتشكيل حياتهم بشكل متزايد وفقًا لاحتياجاتهم الخاصة وعيش حياة ممتعة. وإذا ما ارتبط اتساع وقت الفراغ بشكل متزايد بالسلع والخدمات المتاحة مجانًا، فسينشأ مجتمعٌ لا تُحدد فيه الحرية الفردية وتقرير المصير بالمال، يل بالرفاه الناتج عن التضامن.

رابعًا: ستؤدي الملكية الجماعية للشركات إلى القضاء على الدخل المُستمد من الثروة والسلطة، مما سيُقلل من التفاوت في الدخل إلى أدنى حد. وسيتم تحديد الدخل من خلال التفاوض الجماعي بمشاركة النقابات في قطاع الإنتاج المعين. وسيحصل العاجزون عن العمل لأسباب صحية أو من أنهوا حياتهم العملية على استحقاقات الضمان الاجتماعي الكافية.

خامساً: تتطلب الكوارث المناخية والبيئية التخلي عن النمو الاقتصادي وإعادة هيكلة الاقتصاد وفقاً لمبدأ الدورة الاقتصادية بطريقة مستدامة مناخياً وبيئياً. ولأن أياً من هذين الأمرين غير ممكن في ظل النظام الرأسمالي، فإن السياسة المناخية والبيئية الفعالة تفترض وجود مجتمع شيوعي ديمقراطي مباشر.

إن بناء مجتمع شيوعي ديمقراطي مباشر لن يكون طريقا سهلا. يخشى الرأسماليون الديمقراطية المباشرة كما يخشى الشيطان الماء المقدس. فالديمقراطية الشعبية تهدد امتيازاتهم، ولذلك سيبذلون قصارى جهدهم للدفاع عن نظام حكمهم الرأسمالي. مع ذلك، لن تفشل عملية التحول الديمقراطي المباشر بسبب مقاومة رأس المال عندما تكون مرغوبة ومدعومة من أوساط واسعة من السكان. لقد كان أحد الأسباب الرئيسية لهزيمة مجالس العمال الألمان عام 1918، هو أن غالبية السكان لم تؤيد ديمقراطية المجالس، وبالتالي انخدعت بالوعود البرلمانية للأكثرية في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني. إن إرساء الديمقراطية المباشرة والشاملة في المجتمع يُمكّن من كسب تأييد قطاعات واسعة من السكان للديمقراطية الشعبية، وبالتالي مقاومة إجراءات الرأسمال المضادة للثورة. ويُعدّ هذا سببًا رئيسيًا للانتفاضة الألمانية عام 1918. فالنضال الديمقراطي المباشر وسيلة ضرورية وناجحة لاستبدال الحكم الرأسمالي بحكم الشعب (ديكتاتورية الطبقة العاملة). وينبغي أن يكون هذا النضال نقطة انطلاق لمشروع جديد وشامل ومُغيّر للنظام، يتبنّاه اليسار، حيث تُطبّق فيه تدابير انتقالية "مناسبة لإحداث تغيير جذري في المجتمع" (الاعمال الكاملة، المجلد السادس عشر، ص 369).

من يتخلى اليوم عن مسار الديمقراطية المباشرة، باحثاً عن الخلاص في العمل البرلماني والإصلاحات الرمزية، ينتهي به المطاف حتماً إلى بيرنشتاين وكينز وسياساتهما في تطوير الرأسمالية وترويضها. ولا سبيل لتفكيك الرأسمالية وبناء مجتمع جديد سلمي، عادل، متناغم، صديق للبيئة، ومُلبي للاحتياجات، إلا من خلال التطبيق العملي للمبادئ الديمقراطية الشيوعية المباشرة.

 

خلاصة:

تناولت مقالة ألفريد مولر "ماركس والديمقراطية المباشرة" علاقة كارل ماركس بالديمقراطية المباشرة وآرائه حول تجاوز الرأسمالية. ويشير مولر إلى أن ماركس اعتبر كومونة باريس عام 1871 نموذجًا لديكتاتورية البروليتاريا، وبالتالي، اعتبر الديمقراطية المباشرة عنصرًا أساسيًا في النظرية والممارسة السياسية للعاملين بأجر. وانتقد ماركس مفهوم هيغل الاستبدادي للدولة، ودعا بدلًا من ذلك إلى سيادة شعبية غير قابلة للتجزئة. وكان يعتقد أن الديمقراطية الحقيقية ستمكّن الشعب من اتخاذ القرارات مباشرة بشأن شؤون الدولة المهمة، وممارسة سلطة الدولة بما يخدم مصلحة أغلبية السكان.

بالنسبة لماركس، كانت الديمقراطية البرلمانية وما تزال شكلاً من أشكال الحكم البرجوازي، الذي يُستخدم لضمان نمط الإنتاج الرأسمالي وامتيازاته. ومع ذلك، فقد أيّد الديمقراطية البرلمانية في ظروف معينة: كوسيلة للتغلب على الإقطاع وكوسيلة لتعزيز مصالح العمال والنضال الثوري. ووفقًا لماركس، كان تطبيق الديمقراطية المباشرة رافعة أساسية لتفكيك الرأسمالية. ودعا إلى خفض جذري لساعات العمل وجعل وسائل الإنتاج ملكية جماعية، كخطوات نحو تحقيق مجتمع شيوعي حرّ وعادل قائم على مبادئ الديمقراطية المباشرة. واليوم، يتطلب التحول إلى الديمقراطية المباشرة ديمقراطية شعبية شاملة في جميع مجالات الحياة والعمل.

 

من هو ألفريد مولر (Alfred Müller)

هو باحث واقتصادي ماركسي ألماني معاصر (1946) حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الطبيعية والسياسية، درس الاقتصاد الزراعي والاقتصاد في جامعات برلين وغوتينغن وبيركلي ويعيش كأستاذ وكاتب سياسي في مدينة هيلدسهايم، تخصص بشكل دقيق في دراسة النظريات الاقتصادية لكارل ماركس، وتحديداً ما يتعلق بالدورة الاقتصادية والأزمات. اشتهر مولر بكونه أحد أبرز المنظرين الذين أعادوا قراءة "رأس المال" لماركس من زاوية نظرية الدورات الاقتصادية. وتعد دراسته المعمقة محاولة لسد "الفجوة" في الفكر الماركسي التقليدي الذي ركز غالباً على الانهيار النهائي للرأسمالية، بينما ركز مولر على فهم التقلبات الدورية وكيفية حدوث الأزمات وتجاوزها داخل النظام.

من أهم مؤلفاته كتاب: "نظرية ماركس في الدورات الاقتصادية: تفسير قائم على نظرية التراكم المفرط" (Die Marxsche Konjunkturtheorie: Eine überakkumulationstheoretische Interpretation)، والذي نُشر في طبعته الأحدث عام 2009 عن دار "PapyRossa" الالمانية. في هذا الكتاب، يقدم مولر أطروحة مفادها أن الأزمات الرأسمالية ليست مجرد حوادث عارضة، بل هي نتيجة حتمية لـ "التراكم المفرط" لرأس المال، حيث تصل الرأسمالية لمرحلة لا يعود فيها الاستثمار مربحاً بما يكفي، مما يؤدي للركود.

خلاصة القول، يمثل ألفريد مولر في الأوساط الأكاديمية الألمانية تيار "إعادة بناء نظرية ماركس"، حيث يسعى لتحويل الملاحظات المتفرقة في مسودات ماركس إلى نظرية اقتصادية متماسكة قادرة على تفسير الأزمات المالية والاقتصادية في العصر الحديث. شارك مولر من خلال أبحاثه في تقديم إجابات ماركسية على الأزمات المالية العالمية، مثل أزمة 2008، حيث استُخدمت نظريته لشرح كيف تؤدي فوائض رأس المال إلى فقاعات مالية ثم انهيار.

تظل التفاصيل الدقيقة لحياة ألفريد مولر الشخصية (مثل تاريخ ومكان الولادة بالتحديد) غير منتشرة في السير الذاتية العامة، حيث يُعرف في الأوساط الأكاديمية من خلال نتاجه الفكري أكثر من حياته الخاصة. وهو غير ألفريد مولر-أرماك (1901-1978): واضع أسس "اقتصاد السوق الاجتماعي" في ألمانيا الغربية، والنقيض لماركسية الأول.

الترجمة لمقالته المنشورة في جريدة Unsere Zeit (عصرنا) النمساوية في 15 نيسان 2024

 

الهوامش:

  1. ماوس، إنغبورغ (2019)، ص 340
  2. قارن: هيغل، GWF: "اصول فلسفة الحق": صـ301، 303، 316، 317، 318، 544

 

  1. توماس بيكيتي، (2022)، صـ 171 وما بعدها
  2. قارن فيث سيلك، (2023)، صـ 65 وما يليها.
  3. قارن راينر موسفيلد، (2023)، صـ 431؛ راينر موسفيلد، (2018)، صـ 193
  4. راينر موسفيلد (2023)، صـ 430
  5. راينر موسفيلد (2024): الديمقراطية على حافة الهاوية؟ محاضرة https://www.youtube.com/watch?v=8YYycaOx51s
  6. أنولي، يوهانس (2004)، صـ 103
  7. قارن كولن كراوتش (2008)، الصفحات 9، 10، 30 وما بعدها، 128 وما بعدها؛ كولن كراوتش، (2022)، الصفحات 9 وما بعدها، 42، 48 وما بعدها، 61، 68 وما بعدها.
  8. فولفغانغ كوشنيك، (2016) ص 7
  9. قارن الاعمال الكاملة، المجلد الرابع4، صـ 378 وما بعدها، 392؛ الاعمال
  10. اقارن ألفريد مولر (2023): التغلب الديمقراطي المباشر على الرأسمالية، في: https://alfmueller.wordpress.com/category/direkte-demokratie/)
  11. قارن ألفريد مولر، (2019)، صـ 190 وما بعدها.
  12. قارن الاعمال الكاملة المجلد الرابع، صـ 370 و375 وما بعدها؛ المجلد السابع عشر، صـ 343، 551،543، 545، 18، ص 62، المجلد التاسع عشر، صـ 19؛ المجلد الثالث والعشرين، الصفحات 93، 193؛ المجلد 24، صـ316 وما بعدها، 358؛ المجلد السادس والعشرين، الجزء الثاني، الصفحة 509.
  13. قارن، حسام حمادة وكريستوف سورغ، (2023): الاقتصاد المخطط الذكي، في: https://www.zeit.de/kultur/2023-06/wirtschaftsplanung-ki-smarte-planwirtschaft-big-data/komplettansicht
  14. يتبنى ألبرت مايكل في كتابه "Parecon"، صـ 120 وما بعدها، و دونكهاس هيلموت في كتابه "Plea for Planned Economy" الرأي ذاته

 

مراجع:

Agnoli, Johannes (2003): Die Transformation der Demokratie und verwandte Schriften, Konkret Literatur Verlag, Hamburg

Albert, Michael (2003): Parecon, Leben nach dem Kapitalismus, Trotzdem Verlag, Frankfurt/Main

Colin, Crouch (2008): Postdemokratie, Bundeszentrale für politische Bildung, Bonn

Colin, Crouch (2022): Postdemokratie revisted, Bundeszentrale für politische Bildung, Bonn

Dunkhase, Helmut (2022): Plädoyer für Planwirtschaft. Vom Umgang mit Widersprüchen in DDR, Sowjetunion und VR China, PapyRossa Verlag, Köln

Hegel, G.W.F. (1970): Grundlinien der Philosophie des Rechts, Reclam Verlag, Stuttgart.

Hamade, Houssam und Sorg, Christoph (2023): Die smarte Planwirtschaft, in: https://www.zeit.de/kultur/2023-06/wirtschaftsplanung-ki-smarte-planwirtschaft-big-data/komplettansicht

Koschnick, Wolfgang (2016): Eine Demokratie haben wir schon lange nicht mehr. Abschied von einer Illusion, Westend Verlag, Frankfurt/Main

Marx, Karl:

  • Marx Engels Werke (MEW) , Dietz Verlag, Berlin
  • Grundrisse (GR), Europäische Verlagsanstalt Frankfurt

Maus, Ingeborg (2019): Über Volkssouveränität. Elemente einer Demokratietheorie, Suhrkamp Verlag, Berlin

Mausfeld, Rainer (2018): Warum schweigen die Lämmer. Wie Elitendemokratie und Neoliberalismus unsere Gesellschaft und unsere Lebensgrundlagen zerstören, Westend Verlag, Neu-Isenburg, 3. Auflage

Mausfeld, Rainer (2023): Hybris und Nemesis. Wie uns die Entzivilisierung von Macht in den Abgrund führt – Einsichten aus 5.000 Jahren, Westend Verlag, Neu – Isenburg

Mausfeld, Rainer (2024): Demokratie am Abgrund? Vortrag, in: https://www.youtube.com/watch?v=8YYycaOx51s

Mies, Ullrich (2017): Demokratie als Fiktion – Oligarchenherrschaft als Realität, in: Mies, Ullrich/Wernicke, Jens (Hrsg.): Fassadendemokratie und tiefer Staat. Auf dem Weg in ein autoritäres Zeitalter, Promedia Verlag, Wien

Müller, Alfred (2019): Eine Wirtschaft, die tötet. Über den Kapitalismus, seine Überwindung und die Zeit danach, PapyRossa Verlag, Köln

Müller, Alfred (2023): Die direktdemokratische Überwindung des Kapitalismus, in: https://alfmueller.wordpress.com/category/direkte-demokratie/)

Piketty, Thomas (2022): Eine kurze Geschichte der Gleichheit, Bundeszentrale für politische Bildung, Bonn

Selk, Veith (2023): Demokratiedämmerung. Eine Kritik der Demokratietheorie, Suhrkamp Verlag, Berlin