أيلول/سبتمبر 07
   
مقدمة
    شاع استخدام مصطلح "الماركسية الغربية" قبل خمسين عامًا، وهذا بحث مختصر بمناسبة هذه الذكرى اليوبيلية لذا اقتضى التنويه. 
    نشأت ما أصطلح عليها بـ "مدرسة فرانكفورت"، كمدرسة فلسفية واجتماعية، من خلال معهد البحوث الاجتماعية في جامعة فرانكفورت العام 1923، وارتبطت بمجموعة من المفكرين الذين سعوا إلى تطوير الماركسية وإعادة قراءتها في ضوء علم الاجتماع، والفلسفة، وعلم النفس، والثقافة. وقام بتمويلها رأسمالي ثري. ومرت "المدرسة" بثلاث مراحل، الأولى من 1923 وحتى 1930 حيث كانت متوافقة نسبياً مع الماركسية الكلاسيكية، فاعتبرت الرأسمالية نظامًا قائمًا على الاستغلال، وأعطت للصراع الطبقي أهمية في تفسير المجتمع، ورفضت الليبرالية، وتبنت المنهج الجدلي. لكنها ابتعدت عن المادية التاريخية والصراع الطبقي عندما تولى ماكس هوركهايمر إدارتها في عام 1930، أي بعد صعود الفاشية والنازية، وتبنت ما يُعرف بـ "النظرية النقدية"، وسعت لتفسير أسباب فشل الثورة الاشتراكية في أوروبا الغربية، وصعود الفاشية، ونجاح الرأسمالية في احتواء الطبقة العاملة نسبيًا. ومنذ الخمسينات تغيرت علاقة "المدرسة" بالماركسية، وتبنت ما عرف بـ "الماركسية الغربية"، التي دعت لاستبدال النضال الطبقي بالماركسية الثقافية، ومنح الثقافة والاستقلال النسبي للأيديولوجيا وزنًا كبيرًا، بحيث تبدو البنية الفوقية منفصلة نسبيًا عن الأساس الاقتصادي. وقد تورط بعض اقطاب الماركسية الغربية بتقديم الهوية على الوحدة الطبقية، وبالتالي قسموا العمال الى أجناس وجنسيات وأعراق ودول ومجموعات دينية محددة. وأيّد هوركهايمر الحرب الأميركية في فيتنام، والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وابدى عدد من مفكريها ميولاً نحو تفوق الرجل الأبيض.
    وعموماً، لم تكن كلها شر، ولم يكن كل من جاءت اسماؤهم في هذا المقال منتمين اصلاء لهذه المدرسة، وبالتالي، يمكن الاستفادة اليوم من كل مراحل تطور هذه المدرسة. فالنظرية النقدية مدخل لفهم علاقات الهيمنة وكيف نحقق التحرر، والنظرية الثقافية تساهم في تطوير أدواتنا لمواجهة ثقافة الامتثال، واشاعة التفكير النقدي، الى جانب افكار غرامشي المعروفة حول الهيمنة وحرب المواقع. ومن الضروري الاشارة أيضا، الى عودة العديد من الأكاديميين والباحثين في الولايات المتحدة واروبا الى التركيز على التحليل الطبقي وتقديم قراءة موسعة للماركسية تقوم على ضرورة الترابط بين الطبقي والثقافي، بدلا من اعتماد التعارض بينهما. وفي الوقت نفسه مازالت أحزاب وتحالفات يسارية تخوض صراعا فكريا بشأن تحديد الاولوية بين الطبقي والثقافي، وعلى ضوء ذلك ينبغي قراءة هذا المقال. (المترجم).
الجزء الأول: هل المقصود من المصطلح المعنى الحرفي أم الجغرافي؟
    قبل خمسين عاماً، نُشر للمؤرخ التروتسكي بيري أندرسون في لندن، كتاب "حول الماركسية الغربية". قدّم اندرسون مدخلاً في فكر وعمل هذا التيار الماركسي بإيجاز أكثر من أي باحث آخر.
"الغربي" توصيف جغرافي. انحدر ماركس من بروسيا وانجلس من منطقة الراين الالمانيتين، وإن تتبع مسقط رأس ومكان نشاط الماركسيين الكلاسيكيين الذين استندوا إلى إرثهما يقود الى اوروبا الشرقية: فقد وُلدت الاشتراكية الديمقراطية الثورية والماركسية روزا لوكسمبورغ في زاموشج Zamość البولندية؛ وجاء فرانز ميرينغ من بوميرانيا في الساحل الجنوبي لبحر البلطيق؛ ومسقط رأس كارل كاوتسكي براغ؛ وتروتسكي من خيرسون، أوكرانيا؛ وبوخارين من موسكو؛ ولينين من منطقة الفولغا. وقد لعب معظمهم دورًا بارزًا في أحزابهم الوطنية.
    يرى أندرسون أن ما يجمعهم ليس فقط موقعهم الجغرافي ودورهم السياسي الثوري، بل إن جميع هؤلاء الماركسيين التقليديين كانوا يسعون لفهم قوانين التطور الرأسمالي. وكانت نقطة ارتكاز فكرهم دائماً هي الإلغاء الثوري لعلاقات الإنتاج الرأسمالية. ولتحقيق هذه الغاية، درسوا المسألة الزراعية، ووصفوا نزعات الاحتكار، واستكشفوا طموحات الرأسمالية التوسعية الإمبريالية في أوقات الأزمات.
بهذا التعريف، يستطيع أندرسون أيضاً إدراج هنريك غروسمان، المولود في كراكوف عام 1881 ابناً لمالك منجم غاليسي، ضمن الماركسيين الكلاسيكيين، نظراً لتقديمه عملاً ماركسياً تقليدياً حول "قانون تراكم وانهيار النظام الرأسمالي". كما يصنف أندرسون التروتسكي بول سويزي، صاحب "نظرية التطور الرأسمالي"، ضمن الماركسية الكلاسيكية، لا الغربية. ويشير ميلاد سويزي عام 1910 في مدينة نيويورك، ذات الطابع الغربي، إلى ضرورة عدم الأخذ بالتعريف الحرفي للماركسية.
    وبحسب أندرسون أن صعود الماركسية الغربية قد خلق "بنية جديدة كلياً". ويجادل بأن هذه الماركسية الأوروبية ظهرت في أوائل عشرينيات القرن العشرين نتيجةً لهزائم سابقة. ويشير أندرسون هنا إلى صعود الفاشية، دون ان يُسهب في شرحها. 
    يُحدد أندرسون مفهوما تيارا فكريا جديدا، يضم جورج لوكاتش، المولود في بودابست، وتلميذه لوسيان غولدمان، ووالتر بنيامين، وهربرت ماركوز، وماكس هوركهايمر، وثيودور دبليو أدورنو، وكارل كورش، وفغالفانو ديلا فولبي، وهنري لوفيفر، وجان بول سارتر، ولويس ألتوسير، وأنطونيو غرامشي. ما قد يكون محيرا هنا ذكر لوكاش وكورش وغرامشي، وهم قادة سياسيون مهمون لأحزابهم الشيوعية في المجر وألمانيا وإيطاليا على التوالي، وهم في نواحٍ عديدة أقرب إلى بوخارين وتروتسكي، على سبيل المثال، من الفيلسوف والفنان الأكاديمي أدورنو، الذي ينطبق عليه اتهام أندرسون الجدلي بـ "ضيق الأفق" بشكل أفضل.
    إنّ العدد الكبير من أسماء ممثلي ما يُسمى بالنظرية النقدية، التي عُرفت لاحقًا باسم "مدرسة فرانكفورت" في معهد البحوث الاجتماعية، أمرٌ لافتٌ للنظر. وفي الواقع، يُمكن وصف النظرية النقدية بأنها جوهر الماركسية الغربية. وفي هذا الصدد، ثمة نقطة انطلاق زمنية وجغرافية: ففي أيار 1923، عُقد "أسبوع العمل الماركسي" في غيرابيرغ الالمانية. وهناك، حاضر جورج لوكاش وكارل كورش؛ وفي العام نفسه، نشرا اثنين من أهم أعمال الماركسية الغربية: "التاريخ والوعي الطبقي" و"الماركسية والفلسفة".
    مثّل هذان الكتابان استفزازا، أكثر من كونهما هجوما على التفكير الموضوعي بقوانين تحديد وتوقع تطور الرأسمالية. هذا النمط من التفكير، الذي نُقد لاحقا باعتباره موضوعيا، كان سائدا بالفعل في الأمميتين الثانية والثالثة. فبدلًا من مجرد الاعتراف بديكتاتورية هورثي في المجر والفاشية التي وصلت إلى السلطة في إيطاليا عام 1922 كمشكلتين، حدد النقاد الماركسيون "أزمة ماركسية"، زعموا أنها لم تعد قادرة على الإجابة عن جميع تساؤلات الممارسة الثورية للبروليتاريا. وحتى وجود الاتحاد السوفيتي، الذي أسسه البلاشفة في 30 كانون الأول 1922 - "الاشتراكية في بلد واحد" - لم يبدُ لهم دليلًا قاطعًا ومبشرًا على وجود نزعة موضوعية نحو إلغاء نمط الإنتاج الرأسمالي.
    في عهد فيليكس ويل، مؤسس معهد البحوث الاجتماعية في شباط 1923، كان الهدف من "أسبوع العمل الماركسي" استكشاف القضايا الملحة للحركة العمالية والمسائل النظرية للماركسية العلمية. كان العديد من العاملين في المعهد أعضاءً في الحزب الشيوعي في المانيا أو متعاطفين معه. مع ذلك، كان معظمهم يتمتعون باستقلالية كبيرة حالت دون تجنبهم معارضة خط الحزب، الذي كانت موسكو تمليه عليهم بشكل متزايد وبطريقة مركزية. وقد أثر ذلك أيضاً على ممثلين آخرين للماركسية الغربية: إذ تناقضت تصريحات لوكاش حول طبيعة "ديكتاتورية البروليتاريا" مع خط الحزب الشيوعي المجري. وأدى ذلك إلى تعرضه لهجمات الكومنترن واجبر على تقديم "النقد الذاتي". ولكن، وبصفته مفكراً ماركسياً، ظل لوكاش مرتبطاً بالحزب الشيوعي، بل أصبح في بعض الأحيان من المتشددين الستالينيين. لكن آخرين عرّفوا أنفسهم كمثقفين أحرار خارج أي تنظيم حزبي في ضوء تزايد نزعة الستالينية في الأحزاب الشيوعية. وانتقد أندرسون هذا التوجه، معتبراً إياه خطوة تعني أن هؤلاء الماركسيين يفتقرون أيضاً إلى "الانتماء الطبقي، الشيء الوحيد الذي يجعل العمل النظري حول الماركسية في نهاية المطاف ذا معنى".
    ربما يشير هنا إلى ماكس هوركهايمر، الذي عُيّن مديرًا لمعهد فرانكفورت عام 1930، الذي تُشير كتاباته وملاحظاته المبكرة إلى أنه ماركسي ثوري ومقاوم غير تقليدي. وبصفته المدير الأكاديمي للمعهد، قدّم إطارًا نظريًا للفكر النقدي، مُميّزًا بين النظرية النقدية والنظرية التقليدية، وهو فك ارتباط حقيقي بالماركسية الكلاسيكية.
    أوضح هوركهايمر أن دور البروليتاريا في المجتمع الرأسمالي بمفرده، لا يضمن المعرفة الصحيحة. فالتساؤل حول النظام، أي تجاوز الرأسمالية، يتطلب أيضاً نقد أفكار ومشاعر الجماهير نفسها، بل وحتى داخل البروليتاريا أحياناً، لأنها تتشكل بفعل أنماط التفكير الرأسمالية ذاتها. وهكذا، "يوجد توتر بين المنظِّر والطبقة التي يوجه إليها فكره".
    في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، انفتح المعهد على علم النفس الاجتماعي والتحليل النفسي لسيغموند فرويد، انطلاقًا من هذا المبدأ وهذه النية. وقد لعب إريك فروم، أحد أبرز علماء النفس الفرويديين اليساريين، دورًا محوريًا في هذا السياق، إذ عمل مع فيلهلم رايش وسيغفريد بيرنفيلد على دمج النقد الاجتماعي الماركسي مع نظرية الدوافع الفرويدية. وبلغة الماركسية الكلاسيكية، كان هذا يعني الانفتاح على "الأيديولوجية البرجوازية".
    في أوساط الشيوعيين المنتمين للمجالس (المقصود إقامة جمهوريات مجالس شيوعية في المجر وميونخ -المترجم))، كان أوتو رول قد حاول بالفعل التوفيق بين علم النفس الفردي لألفريد أدلر وعقلية الصراع الطبقي المناهضة للسلطوية، في مواجهة مقاومة شرسة من رفاقه. وبالنظر إلى هذه الجهود النظرية، يمكن اعتبار رول، الذي انخرط لاحقًا في نقاشات حيوية مع تروتسكي خلال سنوات منفاه في المكسيك، جزءًا من الماركسية الغربية.
    أدت دراسات إريك فروم المبكرة حول "العمال والموظفين عشية الرايخ الثالث" إلى توسيع التحليل الطبقي الماركسي، وكشفت عن مفهوم "الشخصية السلطوية" أو "الطابع السلطوي"، الذي عززه التحليل الذي ساد في الحركة الشيوعية حينها، بدلًا من مكافحته. هذا هو الإنجاز الحقيقي والتحدي الأكبر للماركسية الغربية: فقد أنقذت الماركسية كمنهج نقدي من أن تستحوذ عليها ماركسية لينينية مُجسّدة، لم تعد سوى أيديولوجية شرعية سلطوية للاتحاد السوفيتي الستاليني. في هذا السياق، حتى أندرسون، وهو ناقد للماركسية الغربية، يخلص إلى أنه على الرغم من أن الماركسية الغربية وُلدت من رحم الهزيمة وتتسم بتشاؤم عميق، إلا أنه يجب اعتبارها جزءًا لا يتجزأ من التراث النظري للحركة العمالية. 
الجزء الثاني: الأممية بدلًا من الاستبداد
    الشيء الجديد، بدأ بعض الماركسيين المعاصرين، الذين يقدمون أنفسهم على أنهم أرثودوكس، يلمحون الى تأثير الفكر الاستعماري الغربي داخل الماركسية الغربية. يرتبط هذا بالتأكيد بصعود جديد للأفكار الحمراء، والاستقبال المتأخر لماركسية ما بعد الاستعمار، واستذكار نظرية الاشتراكية الواقعية، والتي يتم الاهتمام بها في أماكن مختلفة.
    سبق أن وجّه بيري أندرسون، في عام 1976، اتهامًا للماركسية الغربية بالافتقار إلى النزعة الأممية، دون الدخول في تفاصيل وافية. وقد تناول العالم الإيطالي الموسوعي دومينيكو لوسوردو هذه النقطة في كتابه "الماركسية الغربية"، الذي نُشر باللغة الإيطالية عام 2017. ويهدف لوسوردو في كتابه إلى إثبات أن نزع إنسانية البشر العميقة، والهيكلية العنصرية، وأيديولوجية مالك العبيد التي تُصاحب الاستعمار الغربي كنظام، لم تحظَ بالاهتمام الكافي في النظريات ذات التوجه النقدي الاجتماعي، بدءًا من كتابات إرنست بلوخ ووالتر بنيامين، مرورًا بمفكرين نقديين مثل حنة أرندت، وصولًا إلى باحثين ماركسيين وما بعد ماركسيين معاصرين.
    يريد لوسوردو تجديد الماركسية لتهيئتها، كما يعترف هو نفسه، للوضع الدولي الجديد الذي يبدو فيه احتمال نشوب "حرب ضد الصين، الدولة التي انبثقت من أعظم ثورة مناهضة للاستعمار في التاريخ". وبعد اتهامات لوسوردو، قد يتساءل المرء ببراءة عن مدى العداء، الذي كانت تضمره، النظرية النقدية والماركسية الغربية للصين.
    في الواقع، ينبغي الإشارة هنا إلى مشاركة كارل أوغست فيتفوغل، هو الآخر في "أسبوع العمل الماركسي" عام 1923، الذي تمت الإشارة إليه. وهناك التقى فيتفوغل بجورج لوكاش وكارل كورش. ثم كتب أول أعماله عن الصين بصفته أحد العاملين بالمعهد. وتناول فيه الاستبداد الشرقي ونمط الإنتاج الآسيوي.
    بالنسبة لفيتفوغل، كان الاستبداد الشرقي شكلاً مستقراً وسلطوياً للحكم، خالياً من التناقضات الداخلية التي أدت في أوروبا إلى الإقطاع والمجتمع البرجوازي، وفي نهاية المطاف إلى الرأسمالية. ومن منظور أوروبي مركزي، رأى أن الصين تتمتع باستمرارية تاريخية طويلة لسلطة الدولة الاستبدادية، وصولاً إلى إعلان جمهورية الصين الشعبية عام 1949، والتي فسرها على أنها شكل حديث من أشكال هذا الاستبداد.
    في الواقع، تحوّل فيتفوغل إلى ممثل محافظ للمؤسسة الحاكمة في خمسينيات القرن العشرين. وأُعيد تفسير مفاهيمه الماركسية أيديولوجيًا خلال الحرب الباردة. وينطبق الأمر نفسه على ماكس هوركهايمر لاحقًا، الذي كان في الأصل شيوعيًا وماركسيًا متحمسًا، والذي حذّر في ألمانيا الغربية من "شمولية إرهابية" من اليسار. ودعا إلى الحفاظ على الملامح الليبرالية للنظام البرجوازي. وجادل هوركهايمر في أواخر ستينيات القرن العشرين: "وإلا، فإن الانتقال إلى ما يُسمى بالشيوعية لا يملك أي مزايا على الفاشية، بل هو ببساطة نسختها في الدول المتخلفة صناعيًا، أي اللحاق الأسرع بعمليات الأتمتة".
    بما أن جميع الثورات المناهضة للاستعمار منذ خمسينيات القرن العشرين فصاعدًا قادتها أحزاب استبدادية متشددة لا أحزاب ليبرالية برجوازية، وبما أن الماركسية اللينينية خدمت هذه الأحزاب والقوى كأيديولوجية لتحديث بلدانها وتصنيعها بسرعة، فإن تصريح هوركهايمر يُعدّ في الواقع إعلان حرب على مناهضة الاستعمار الثورية. ولكن هل كان فيتفوغل وهوركهايمر يُمثلان الماركسية الغربية في ذلك الوقت؟  
    في فرنسا، لعب جان بول سارتر، بمزيج من الوجودية والماركسية، دورًا محوريًا. ناقش وتراسل مع الجيل الشاب الماوي، وانخرط في نقاشات مكثفة مع منظر التحرير الجزائري والمحلل النفسي فرانز فانون حول الاستعمار، وأخيرًا، نشر في عام 1961، بيانًا مناهضًا للاستعمار شديد اللهجة كمقدمة لبيان فانون "معذبو الأرض".
    خلال انتفاضة الطلبة العالمية عام 1968، كان هناك عموماً تقارب مثمر بين الماركسية الغربية ومناهضة الإمبريالية، على عكس تأكيد لوسوردو بأن الماركسية الغربية "أخطأت تماماً موعدها مع الثورة العالمية المناهضة للاستعمار". وبشكل خاص ـ ضمن المعارضة خارج البرلمان في ألمانيا الغربية ومناقشات اتحاد الطلبة الاشتراكي الألماني (اس دي اس) ـ كان هناك إعادة اكتشاف للماركسية الغربية بنقدها لعمليات التشيؤ، مدعومة بتضامن عملي مع نضالات التحرر المناهضة للاستعمار في الجزائر وفيتنام.
    في الوقت نفسه، تم التعبير هنا عن معاداة الستالينية ونقد الأشكال البيروقراطية لحكم الكتلة الشرقية. ركز رودي دوتشكه، الذي كتب بروح الماركسية الغربية، أطروحته على "المسارات شبه الآسيوية، والأوروبية الغربية نحو الاشتراكية"، منخرطًا ليس فقط في تحليل دقيق للينين ولوكاش والأممية الثالثة، بل أيضًا في مناقشة نتائج أبحاث فيتفوغل، الذي اتهمه دوتشكه بـ  "قلق آسيوي" تحريفي، لأن فيتفوغل أساء فهم مصالح الفلاحين، الذين، وفقًا لدوتشكه، لم يسعوا إلى استبداد آسيوي، بل إلى "شيوعية زراعية بدائية". وجادل دوتشكه بأن خوف فيتفوغل الاشتراكي الديمقراطي من الفلاحين الآسيويين، بعد عقود، دفعه إلى "اللجوء باستمرار إلى حجج بليخانوف، نيابة عن معاداة الشيوعية الأمريكية"، من أجل مهاجمة لينين.
    حاول دوتشكه مناقشة إمكانية قيام شيوعية زراعية في روسيا، والتي كان من الممكن أن تتجنب مناورات التصنيع الوحشية، ولكنه في الوقت نفسه أكد ضرورة فهم الطبقات العاملة الأوروبية للشيوعية، التي كان عليها أن ترث التنوير والديمقراطية وأشكال التفاعل البرجوازية.
جادل دوتشكه بأن ماركس نفسه كان متعاطفًا مع الشعبويين  Narodnik. وفي مراسلاته مع الماركسية المنفية فيرا زاسوليتش، أوضح أنه "في العملية الثورية لشعب زراعي، يجب على الفلاحين تنظيم أنفسهم - وهو مفهوم لم يستوعبه حقًا إلا هو تشي منه وماو تسي تونغ في ظل ظروف متشابهة، وإن كانت مختلفة". وقد أثبت دوتشكه، وهو أحد تلاميذ بلوخ، أن الاتهامات الموجهة إلى الماركسية الغربية بأنها تتسم بمنظور استعماري أوروبي مركزي لا أساس لها من الصحة.
    يُعد هربرت ماركوز، الشخصية المحورية في انتفاضة الطلبة عام 1968 في الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا الغربية، إذ انحاز بوضوح إلى جانب الطلبة المنتفضين. لقد انتقد ماركوز الرأسمالية الغربية باعتبارها نظامًا عالميًا للهيمنة يُحيد الفكر المعارض في مراكزها الحضرية. في كتابه الرائد "الإنسان أحادي البعد" (1964)، يجادل بأن المجتمعات المزدهرة في المراكز الحضرية تدين باستقرارها لاستغلال "العالم النامي". ولذلك، رأى أن إمكانية التحرر لا تكمن في الطبقة العاملة الغربية في المراكز الحضرية بقدر ما تكمن في الحركات المناهضة للاستعمار، والمتسربين من مقاعد الدراسة، والمتمردين، والمضطهدين عرقيًا.
    أيد ماركوز صراحةً حركات التحرر في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وتحدث عن "الفاعل الثوري خارج النظام القائم"، موضحًا أن عنف المضطهدين في ظل الاستعمار يختلف أخلاقيًا عن العنف البنيوي للدول الإمبريالية. واشتهرت أطروحته عن "التسامح القمعي"، التي انتقد من خلالها الليبرالية الظاهرية للديمقراطيات الغربية، والتي كانت في الواقع تحمي علاقات السلطة القائمة.
    طبّقت أنجيلا ديفيس، إحدى طالباته في الولايات المتحدة، مبادئ ماركوز الأممية ومناهضة الاستعمار عمليًا. ففي نشاطها السياسي، جمعت بين النظرية الماركسية والنضال ضد العنصرية، ونظام السجون، والإمبريالية الأمريكية. وأكدت ديفيس باستمرار أن ماركوز شجعها على فهم تحرر السود ليس كحركة وطنية، بل كحركة أممية مناهضة للاستعمار.
لقد دافع ماركوز علنًا عن ديفيس خلال فترة سجنها عام 1970، ورأى في نضالها مثالًا على العلاقة بين الصراع الطبقي، ومناهضة العنصرية، والحركة النسوية، والتحرر العالمي.
الجزء الثالث - ما مدى نفوذ وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في الماركسية الغربية؟
   يقدم كتاب“Who Paid the Pipers of Western Marxism”  للفيلسوف الأمريكي غابرييل روكهيل، الصادر عام 2025 عن دار نشر "مونثلي ريفيو برس"، أطروحة غير معتادة ومثيرة. تشير الى ان أعمال الماركسية الغربية يجب النظر إليها على أنها "شكل لين" من استراتيجية الاستخبارات الغربية. ويؤكد روكهيل أن النظرية النقدية قد أضعفت "المادية التاريخية والجدلية"، وينتقد ابتعادها عن النضالات الثورية العملية والحركات الاشتراكية.
    في سياق الحرب الباردة، كانت مدرسة فرانكفورت عنصراً أساسياً فيما أسماه المجمع الصناعي النظري الامبريالي. يتجلى التوجه المعادي للشيوعية لـ "مدرسة فرانكفورت" بشكل واضح في تعاونها مع القوى والمؤسسات الغربية مثل وكالة المخابرات المركزية ومؤتمر الحرية الثقافية، فضلاً عن دعمها المالي من قبل المؤسسات الرأسمالية مثل مؤسستي روكفلر وفورد. لقد روّجت هذه القوى عمداً لنسخة مؤيدة للرأسمالية من الماركسية. لذا، يجب فهم الماركسية الغربية كأداة في النضال ضد الشيوعية وفي الحرب الأيديولوجية الأمريكية. والمطلوب الآن هو نقدٌ لاذع لهذه الأيديولوجية الأمريكية المضادة، ومنظورٌ مناهض للإمبريالية، وعودةٌ إلى الجذور الثورية للماركسية، والتي يقصد بها روكهيل الماركسية اللينينية وقراءتها لـ"المادية التاريخية والجدلية". 
    بطبيعة الحال، يتجنب روكهيل بشكل منهجي الإجابة على عدة أسئلة: إلى أي مدى يمكن اعتبار ما يُسمى بالماركسية اللينينية، بوصفها العقيدة الرسمية للاتحاد السوفيتي، حيث كانت تُعتبر الرؤية العلمية للعالم لدى الطبقة العاملة، إرثًا أصيلًا للفكر النقدي لماركس وانجلس؟ لقد وصف كل من الاتحاد السوفيتي وجمهورية الصين الشعبية نفسيهما بأنهما الورثة الحقيقيون للماركسية اللينينية.  وتنافسا بشدة في بعض الأحيان، ولجآ إلى اتهام بعضهما البعض بـ "التحريفية". فأيهما إذن هي الماركسية اللينينية الحقيقية؟
في هذا السياق، ينبغي التذكير أيضاً بأن أماديو بورديغا، مؤسس الحزب الشيوعي الإيطالي، رفض علناً مصطلحي "اللينينية" و"الماركسية اللينينية" في وقت مبكر من عام 1925، ومن المثير للاهتمام أنه وصف هذين المصطلحين بأنهما "تحريفيان" بنفسه في اجتماع للهيئة التنفيذية الموسعة للأممية الشيوعية.
    لا تقتصر إسهامات غابرييل روكهيل في تاريخ النظرية النقدية على مجرد تبسيطات مستندة إلى الأرشيف، بل هي جزء من مشروع سياسي واضح: نزع الشرعية عن الماركسية الغربية لصالح ماركسية لينينية متجددة. يستخدم روكهيل الماركسية الغربية ككبش فداء أيديولوجي، إذ يفترض أنها استبدلت السياسة الطبقية بالثقافة، والتنظيم بالنقد، والثورة بالمعارضة الأخلاقية. ويرد روكهيل على ذلك بماركسية تُشير صراحةً إلى لينين وماو والدول المناهضة للإمبريالية وسياسات السلطة الجيوسياسية الواقعية. ويؤكد أن الصراع الطبقي الذي تقوده الأحزاب، والدولة، والسلطة الثورية عناصر أساسية في الماركسية، ويُقارنها بشكل دوغمائي بالماركسية الغربية.
    يتهم روكهيل، مدير ورشة النظرية النقدية في جامعة فيلانوفا بولاية بنسلفانيا، هربرت ماركوز بالتواطؤ المباشر مع الإمبريالية الأمريكية. ويُعدّ ماركوز هدفًا مناسبًا للانتقاد، إذ أن كتابه الصادر عام 1958 بعنوان "الماركسية السوفيتية: تحليل نقدي" قدّم تحليلًا نقديًا لاذعًا للماركسية السوفيتية بعد لينين، حيث أكد أن المجتمع السوفيتي كان مُنظّمًا بشكل غير عقلاني وإرهابي، وليس ديمقراطيا ولا اشتراكيا حقيقيا، بل يهيمن عليه مجمع صناعي عسكري. وادّعى أن "ماركسيته" قد تحوّلت من نظرية نقدية للممارسة الاجتماعية إلى أيديولوجية دولة تُضفي الشرعية على السلطة؛ ففي الاتحاد السوفيتي، لم تعد الماركسية أداةً للنقد، بل أصبحت لغةً للحاكمين.
    يجادل ماركوز بأن الجدلية في الماركسية السوفيتية قد أُفرغت بشكل منهجي من جوهرها. فالنقد والتناقض والسلبية والانفتاح التاريخي - وهي عناصر أساسية في فكر ماركس - استُبدلت بالحتمية العقائدية. لم يعد التاريخ يظهر كعملية مفتوحة للصراع الاجتماعي، بل كسلسلة قانونية نهايتها محددة مسبقًا. ولذلك، فإن للماركسية اللينينية آثارًا صوفية أكثر من كونها علمًا؛ فهي تجسد أيديولوجية تعبئة مليئة بالتعاويذ السحرية والطقوسية.
    يعجز روكهيل عن معالجة هذا النقد الجوهري، ويلجأ بدلاً من ذلك إلى الإشارة إلى تمويل مؤسسة روكفلر لدراسات ماركوز، مُصعِّداً الأمر إلى ادعاء استفزازي مفاده أن ماركوز كان يعمل فعلياً ضمن المحيط الأيديولوجي لوكالة المخابرات المركزية. لكن روكهيل يستطيع الإشارة إلى تشابكات مؤسسية حقيقية، مثل عمل ماركوز لصالح مكتب الخدمات الاستراتيجية (OSS) التابع لوكالة الاستخبارات العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية، وتمويل المؤسسة لكتابه عن الماركسية السوفيتية، وأنشطته الاستشارية في مجال السياسة الأمنية - وكلها أمور سُبقت دراستها بتفصيل أدق في البلدان الناطقة بالألمانية، على سبيل المثال من قِبَل تيم ب. مولر في كتابه الصادر عام 2010 بعنوان "المحاربون والعلماء: هربرت ماركوز وأنظمة الفكر في الحرب الباردة".
    يخلط روكهيل بين الحقائق التاريخية والاتهامات السياسية، التي تبدو أحيانًا مفتعلة. ففي رأيه، لا يظهر ماركوز كمفكر مناهض للفاشية والاستعمار والستالينية خلال الحرب الباردة، والذي انخرط في مؤسسات الحكومة الأمريكية حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بل كعرض من أعراض نظرية كانت، منذ البداية، "غير مناسبة" لمواجهة القوى الإمبريالية. يتجاهل روكهيل نوايا ماركوز، وحقيقة أن الماركسي الناقد، داخل المؤسسات، واجه دعاة الحرب الباردة المناهضين للشيوعية في وزارة الداخلية الأمريكية بصورته الخاصة عن الاتحاد السوفيتي. ووفقًا لماركوز، بعد وفاة لينين، لم يعد الاتحاد السوفيتي متوجهًا نحو الثورة العالمية، بل انشغل ببناء مجتمع صناعي داخليًا. ولا يمكن مساواته بالاشتراكية القومية (النازية)؛ ولذلك كان الانفراج الدولي ممكنًا لأن الاتحاد السوفيتي كان قادرًا على الإصلاح من الداخل. وفي هذا الصدد، فإن لعمل ماركوز خصماً فكرياً محلياً: نظرية الشمولية المناهضة للشيوعية بتحيزها واستراتيجيتها العدوانية في السياسة الخارجية.
    لو أن الفيلسوف الماركسي اللينيني غابرييل روكهيل ركّز فقط على ماركوز لتسليط الضوء على قابلية التلاعب بالنظرية، حتى النظرية النقدية، من خلال قوة المؤسسات وقابليتها على التوظيف لأغراض جيوسياسية، لكان ذلك مشروعًا وضروريًا. بالطبع، إنتاج المعرفة متأصل في هياكل تخدم مصالح أهم بكثير من النوايا الفردية.
    تكمن المشكلة في أن حججه غير متكافئة وذات طابع أيديولوجي. فالقمع الهائل، والتعصب، وعنف الدولة الذي مارسته كل من أنظمة الاشتراكية الفعلية ودول ما بعد الاستعمار غائبة تمامًا عن سرديته. لا يُؤرَّخ للماركسية اللينينية ولا يُخضعها للتدقيق النقدي، بل يُضفى عليها دلالات معيارية. وينتج عن ذلك انقلاب أخلاقي: فليست الممارسة الاستبدادية هي التي تحتاج إلى تفسير، بل المسافة النقدية تجاهها.
    في حالة ماركوز، يؤدي هذا إلى نتيجة متناقضة. فالمفكر الذي كان تحت مراقبة مكتب التحقيقات الفيدرالي، والذي عارض حرب فيتنام، ودافع عن الشيوعية أنجيلا ديفيس، ودعم الحركات المناهضة للاستعمار، وحلل الرأسمالية المتأخرة كنظام شمولي، يُصنف بأثر رجعي كجزء من الجهاز الإمبريالي. هذا التفسير يكشف في نهاية المطاف عن ميول روكهيل السياسية أكثر مما يكشف عن نظرية ماركوز.
 
نشر هذا النص على ثلاث حلقات في جريدة نويز دويجلاد، وعلى الروابط التالية:
رابط القسم الاول
https://www.nd-aktuell.de/artikel/1200227.politische-theorie-wo-gehtrs-nach-westen-im-westlichen-marxismus.html
رابط القسم الثاني
https://www.nd-aktuell.de/artikel/1200247.politische-theorie-war-der-westliche-marxismus-kolonial-oder-antikolonial.html
رابط القسم الثالث
https://www.nd-aktuell.de/artikel/1200270.politische-theorie-wie-viel-cia-steckt-im-westlichen-marxismus.htm
 
غيهرد هانلوزر: مواليد 1972، باحث مختص بعلم الاجتماع. نشر العديد من الكتب حول الماركسية والنظرية النقدية، وتاريخ نقد الحركات اليسارية ومعاداة السامية. ويكتب للعديد من الصحف اليسارية الصادرة في المانيا. والترجمة لمقالته، التي  نشر الجزء الأول منها في 7 حزيران 2026، والجزءين الثاني والثالث في 9 حزيران 2026 في جريدة نويز دويجلاند الألمانية.