
يُجيد اليمين المتطرف توظيف الأزمات.
ولكن ما هي الديناميكيات الاجتماعية التي تُمكّنه من الصعود؟
في عام 1939، كتب ماكس هوركهايمر، من منفاه في نيويورك، مقالته "اليهود في أوروبا"، وفيها مقولته المعروفة جيداً: "من لا يريد الحديث عن الرأسمالية عليه أيضاً أن يصمت بشأن الفاشية". وبهذا، أسس لعلاقة هيكلية معقدة: الفاشية كمنتج لشكل من أشكال المجتمع الذي ينتجها وينكرها في الوقت نفسه (هوركهايمر 1939، 115).
تستند هذه المقالة إلى هذه الرؤية، غير أنها تستخدم مصطلح Faschisierung (التحوّل الى الفاشية) عن قصد. يشير المصطلح الى عملية لم تُحسم نتائجها بعد. وكما يؤكد أليكس ديميروفيتش (1952، عالم اجتماع ألماني ينتمي الى المدرسة النقدية – المترجم)، فإن مفهوم (التحوّل الى الفاشية) يسمح لنا بتحليل التطورات الاستبدادية من دون افتراض وجود فاشية مكتملة قبل الأوان. ويُشير التمييز بين (التحول الى الفاشية) والفاشية إلى مرحلتين: مرحلة الحركة والاستيلاء على السلطة، ومرحلة الفاشية كشكل للحكم. ويبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت العناصر الحالية ستتوحد لتشكل شكلًا جديدًا من دولة الاستثناء الفاشية، أو ما إذا كنا نتعامل مع أشكال هجينة جديدة، وهو سؤال يتطلب توضيحًا تجريبيًا (ديميروفيتش 2026).
تختلف هذه الرؤية عن فكرة أن التحول الى الفاشية عملية تلقائية بلا فواعل. وكما يؤكد ماريو كاندياس (خبير أبحاث التحول الاشتراكي، واستراتيجيات أحزاب اليسار، في مؤسسة روزا لوكسمبورغ – المترجم)، لا تعني عملية التحول الى الفاشية اليوم بالضرورة استيلاء الأحزاب الفاشية على السلطة فورًا، بل إنها تدفع الأحزاب المحافظة القديمة نحو التطرف، وتجذب الطيف السياسي برمته إلى اليمين (كاندياس، 2025). لذا، فإن عملية التحول هذه ليست حركة "من القاعدة" فقط، ولا هي مجرد مشروع للنخب السلطوية، بل هي نتاج تفاعل ديناميكيات الأزمات المجتمعية، والفاعلين السياسيين، وعمليات التنشئة الاجتماعية.
لا يمكن فهم التحول الى الفاشية كاستراتيجية هيمنة فقط، ولا كرد فعل ذاتي على الأزمات فقط. بل تنشأ عندما تواجه المشاريع السياسية الاستبدادية تجارب اجتماعية ناتجة عن فقدان القدرة على الفعل.
تحليليًا، يمكن تمييز شكلين من أشكال الوساطة في عملية التحوّل الى الفاشية، ولا يمكن فهمهما إلا معًا؛ فمن جهة، هي عملية سياسية استراتيجية تتصدى فيها القوى الاستبدادية والأحزاب المحافظة المتطرفة وقطاعات من كتلة السلطة للأزمات، وتعيد تنظيم هيمنتها، وتروج حلولا استبدادية. ومن جهة أخرى، هي عملية ذاتية تُترجم فيها تجارب العجز والمنافسة وفقدان الهيمنة إلى أشكال من إعادة استيلاء مُغترب عن القدرة على الفعل. ولا تنشأ عملية التحول الى الفاشية إلا من تفاعل هذين الشكلين من الوساطة. فبدون الوساطة السياسية الاستراتيجية، تبقى النزعات الاستبدادية منتشرة اجتماعيًا؛ وبدون الوساطة الذاتية، تفتقر المشاريع الاستبدادية إلى قاعدتها الجماهيرية.
تهدف الاعتبارات التالية إلى تحليل كلا شكليْ الوساطة في علاقتهما المتبادلة. وتتمثل الفرضية الأساسية في أن التحوّل الى الفاشية ينشأ عندما تواجه المشاريع السياسية الاستبداديّة تجارب اجتماعية ناتجة عن فقدان القدرة على الفعل. ولا يُقصد بها أن تكون نظرية شاملة لفاشية جديدة، بل مساهمة في فهم العمليات المعاصرة للتحوّل الى الفاشية. وتنطلق هذه الدراسة من مفهوم الاغتراب عند راحيل ياغي (راحيل ياغي، المولودة في برن عام 1966، فيلسوفة سويسرية – المترجم). بالنسبة لياغي، يدل الاغتراب على تجربة اجتماعية ناتجة عن الشعور بالعجز في مواجهة ظروف الحياة الشخصية: "الاغتراب يعني اللامبالاة والانقسام، والعجز، وانقطاع الصلة بالذات وبالعالم الذي يُنظر إليه على أنه غير مبالٍ وغريب" (ياغي 2016، 21). وتصف النقاط الثلاث التالية وساطات مختلفة لنفس السياق الاجتماعي، وتوضح كيف يعزز كل من إدارة الأزمات المنظمة سياسياً وتجارب الاغتراب الاجتماعية بعضهما بعضاً.
اللحظة الأولى: التقشف كشرط للتكون
إنّ صعود الحركات والأحزاب اليمينية المتطرفة مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتفكيك المنهجي لهياكل دولة الرفاه. وان التحول الليبرالي الجديد، منذ ثمانينيات القرن الماضي، والذي بلغ ذروته في برامج التقشف الأوروبية وإجماع واشنطن المفروض على الجنوب العالمي كنموذج للتنمية، قد فاقم هذا التناقض. وقد تنبأ كارل بولاني بهذا الارتباط بنيويًا. ففي كتابه "التحول الكبير" (1944)، بيّن أن السوق ذاتية التنظيم تدمر الروابط الاجتماعية التي تُبقي المجتمعات متماسكة. وتتشكل حركة مضادة لهذا التدمير: إذ تحاول المجتمعات حماية نفسها بواسطة الضمانات التي توفرها الدولة. وفي هذا السياق، لا تُعد سياسات التقشف مجرد أداة مالية للموازنة، بل هي هجوم على هذه الضمانة تحديدًا. ولا يترك بولاني مجالًا للشك في المآل الذي قد تؤدي إليه سياسات التقشف: "يمكن وصف المخرج الفاشي من المأزق الذي وقع فيه النظام الرأسمالي الليبرالي بأنه إصلاح لاقتصاد السوق، تحقق على حساب القضاء على جميع المؤسسات الديمقراطية" (بولاني، 2015، ص 314). وبالنسبة له، فإن انهيار الليبرالية العالمية كان السبب الحقيقي للكارثة الفاشية (المرجع نفسه، ص 311).
تصف نانسي فريزر (فيلسوفة معاصرة أمريكية – المترجم) نتائج التحول الليبرالي الجديد بأنها مصيبة مزدوجة: "من جهة، أصبحت مؤسسات الدولة التي كانت تستجيب (إلى حد ما) لاحتياجات المواطنين عاجزة بشكل متزايد عن حل مشاكلهم أو تلبية احتياجاتهم. ومن جهة أخرى، فإن البنوك المركزية والمؤسسات المالية العالمية التي حدّت من قدرة الدولة أصبحت "مستقلة سياسياً": فهي غير خاضعة للمساءلة أمام الجمهور" (فريزر 2023، 207). لم يكن تآكل نظام الضمان الاجتماعي عملية طبيعية، بل كان نتيجة معارك سياسية انتصرت فيها فصائل رأسمالية استندت استراتيجيتها في التراكم إلى إلغاء القيود والخصخصة والتمويل.
يُنتج التزامن بين المصاعب المادية والعجز المؤسسي، وفق راحيل ياغي، تجربة عميقة لفقدان القدرة على الفعل. وتصف ياغي هذه الحالة بأنها "استقلالية المرء عن أفعاله" (ياغي 2016، 80): أي أن المرء لم يعد يشعر بأفعاله كأفعال خاصة. وتتفق تشخيصات بولاني وفريزر وياغي هنا على مستويات مختلفة من العملية نفسها. يصف بولاني تدمير البنية الاجتماعية على المستوى المجتمعي، بينما تترجم فريزر ذلك إلى تجربة مؤسسية. أما ياغي، فتتجلى عندها هذه الحالة كحالة ذاتية: تجربة العيش في ظروف يخلقها المرء ولكنه لم يعد يسيطر عليها.
في ظلّ هذه الظروف، تقدم الحركات والأحزاب اليمينية المتطرفة إعادة السيطرة كبديل. فهي تُسمّي الخسائر الحقيقية وتُصوّر الخصوم. ولا يُحمّل النظام المالي ولا العلاقات الملكية المسؤولية وتُعلن ان العدو، هو الأحزاب السائدة والمهاجرون والأقليات. وتبقى طبيعة النظام نفسه دون مساس.
اللحظة الثانية: المنافسة في التوزيع والتأثيرات السياسية
لا يُقدّم التفسير الاقتصادي الهيكلي البحت تفسيراً كافياً. فقد بيّن بولاني أن تدمير شبكات الضمان لاجتماعي يُولّد بالضرورة حركة مجتمعية مزدوجة: "فإذا كان اقتصاد السوق يُشكّل تهديداً للمكونات البشرية والطبيعية لجوهر المجتمع، كما ندعي، فماذا يُمكن توقّعه سوى أن يشعر عدد كبير من الناس بالحاجة إلى نوع من الحماية؟" (بولاني 2015، 207-208). ويرى أن الفاشية كانت أحد الأشكال المُحتملة لهذا التفاعل. لكن ما يُبقيه بولاني دون إجابة هو: لماذا يميل هذا التفاعل الوقائي نحو اليمين بدلاً من اليسار؟
تُجيب زابينا نوس (حقوقية وصحفية ألمانية معاصرة – المترجم) ، في عام 2005 على هذا السؤال بمفهوم التنافس التوزيعي: فعندما تُصبح الموارد شحيحة، ينشأ التفكير التنافسي بين أولئك الذين يضطرون للنضال من أجلها. ليس النظام الذي يُنتج الندرة هو الخصم، بل المنافس في نفس بيئة الحياة. النقطة الحاسمة، التي تتجاوز بولاني، هي أن البنى الرأسمالية المتأصلة تجعل وجهات النظر اليمينية أكثر سهولة في الوصول إلى الوعي اليومي من وجهات النظر اليسارية. "إن هذه البنى الرأسمالية المتأصلة تحديدًا هي التي تُوفر أرضًا خصبة للأيديولوجيات اليمينية" (حوار مع نوس في جريدة Freitag، في 3 شباط 26).
تُستغل هذه الأرضية استغلالًا حثيثًا. يصف ماريو كاندياس انتشار الأشكال الرجعية لـ "إدارة الاستياء" كسمة مميزة لعملية التحوّل الى الفاشية، مرتبطة بالتمييز الواضح بين الطبقة العليا والدنيا، وبتميز طبقي قاسٍ، والتكرار المستمر لتصوير "الآخر" كتهديد خارجي (كاندياس، 2025). تعمل الطبقية والعنصرية والتمييز الجنسي كأشكال فعالة اجتماعيًا للتعويض الأيديولوجي والاجتماعي عن التبعية اليومية. فهي تُمكّن اليمين المتطرف، على عكس تركيبته الطبقية الأصلية، من تحويل السخط "الناشئ" إلى دعم شعبي. لا ينشأ الاستياء تلقائيًا؛ بل يُصنع ويُوجّه ويُوظّف سياسيًا.
في ظل الظروف الليبرالية الجديدة، حيث تُحافظ الموارد كالعمالة والسكن والخدمات الاجتماعية على ندرتها بشكل منهجي، لا توجّه الحماية ضد الأعلى، بل ضد من يناضلون من أجل الحصول على نفس الموارد الشحيحة. ولا يُنظر إلى المهاجرين واللاجئين والمتضررين من الفقر كحلفاء في الهشاشة المشتركة، بل كمنافسين. ويُضفي اليمين المتطرف على هذا التنافس طابعًا سياسيًا دون أن يُشكك أبدًا في منطق التوزيع الأساسي. تُلخص نوس الأمر بإيجاز: "يمكنك أن تُوضح عشر مرات أن الهجرة ليست هي المشكلة، بل نقص الموارد التي تُوفرها الدولة، لكن ذلك لا يُغير الشعور: إنهم يسلبوننا شيئًا ما" (المصدر السابق).
ووفق ياغي، يُعدّ هذا استعادةً مُغْتَرِبَةً للفاعلية: لا يمكن تغيير الديناميكيات النظامية، لكن يمكن تسمية الخصم ومحاربته وتهميشه. وهذا يخلق إحساسًا خادعًا بالفاعلية، حقيقيًا ومؤثرًا بما يكفي ليكون فعالًا سياسيًا؛ وضارًا بنيويًا بما يكفي لتثبيت علاقات السلطة المجتمعية الفعلية.
اللحظة الثالثة: الحيازة الوهمية، وفقدان الهيمنة، وكتلة السلطة
حددت إيفا فون ريديكر (1982 فيلسوفة وصحفية ألمانية ناقدة للرأسمالية – المترجم) بُعدًا ثالثًا لعملية التحول الى الفاشية. تاريخيًا، تم تصنيف السيطرة على الآخرين على أنها ادعاء بما يشبه ملكية. تُطلق فون ريديكر عليه الملكية الوهمية: ادعاء متبقٍ ناتج عن عملية بتر (ريديكر، 2024، 96-97). يُعد فقدان السيطرة هذا الرابط الأساسي بين تحليل فون ريديكر ونقد السود الجذري للفاشية الذي أعادت فانيسا إي. طومسون (عالمة اجتماع مختصة بالدراسات النقدية للهجرة والعنصرية – المترجم) (2025) صياغته. في المراكز، يتجسد فقدان الهيمنة في صورة تساؤل حول العلاقات الاستغلالية والإقصائية؛ وفي الأطراف، في صورة تحطيم هياكل ما بعد الاستعمار وسلطة الدولة الاستبدادية. يختلف شكل الفقدان، لكن جوهره واحد. كلاهما مظهران لنفس منطق الملكية الرأسمالي، الذي يصنف الهيمنة على الآخرين كسلعة قابلة للاستهلاك. اما بالنسبة للماركسيين السود والمناهضين للاستعمار، لم تكن الفاشية مسارًا أوروبيًا فريدًا؛ بل كانت تكثيفًا لعلاقات الهيمنة المتأصلة هيكليًا في الاستعمار (المرجع نفسه).
إنّ ردّ الفعل على فقدان السيطرة هو استعادة عدوانية للهيمنة. هذه الديناميكية لا تقتصر على فئة واحدة من أصحاب رؤوس الأموال، بل هي متأصلة بعمق في الطبقة البرجوازية الصغيرة وأجزاء من الطبقة العاملة. ان الذين استبطنوا مواقع السلطة ينظرون إلى التشكيك فيها كتهديد وجودي. بتعبير ياغي، هذا أيضاً فقدان للقدرة على الفعل، واستعادة الهيمنة بالعنف هي إعادة استيلاء مشوهة.
والحاسم في الأمر، أن هذه الديناميكية التصاعدية لا تنفصل عن مشروع فاعل من أعلى. يُبين كاندياس أنها تصبح خطيرة دائمًا "عندما تدعم فصائل رأسمالية كبيرة، أو حتى تُروج بنشاط، عمليات التحول الى الفاشية سعيًا وراء أهدافها أو للتغلب على الأزمات" (كاندياس، 2025). وهكذا، تستطيع الحركات اليمينية وبعض الفصائل الرأسمالية ممارسة تأثير معين لاستقرار أزمة الهيمنة من خلال إعادة تشكيل كتلة السلطة. وفي الوقت نفسه دمج الطبقات المهمشة وتفريقها. إن سياسات اليمين المتطرف، كما يُصيغها كاندياس بدقة، هي "عملية واعية للتراجع المجتمعي" لا "تمنع فقط الاستجابة المناسبة للمشاكل المجتمعية الكبرى، بل تُحشد أيضًا قوى مضادة تُدمر الموارد اللازمة للحل" (كاندياس، 2025، نقلاً عن ياغي، 2023، ص 218). وما يتبقى هو مشروع رجعي وتدميري لإثراء القلة.
لذا، فإن عمليات التحول الى الفاشية ليست مجرد رد فعل على الخسارة. فكما أكدت كلوديا جونز وجورج جاكسون وأنجيلا ديفيس (مفكرون ومناضلون سود امميون – المترجم)، هي قمعٌ فعّال للقوى المضادة من الأسفل، "إعادة تركيب وتكثيف لعلاقات الهيمنة المصممة لعرقلة أي ثورة محتملة للمستغَلين والمحرومين من حقوقهم في أوقات الأزمات" (تومسون، 2025). وبالتالي، فإن استعادة الهيمنة في المراكز والأطراف تخدم الغرض نفسه: فهي تمنع التبعية المشتركة من أن تصبح سياسة مشتركة. هذا هو تجسيدٌ ملموس لتشابك هوركهايمر: نظام الملكية يُنتج في الوقت نفسه القوى التي تمنع أيَّ تساؤل حول طبيعة هذا النظام.
هوركهايمر وياغي.. تفكير مشترك
اللحظات الثلاث التي مرّ ذكرها، زعزعة الاستقرار الهيكلي والاقتصادي نتيجة للتقشف، وتأثير التنافس السياسي على التوزيع، والدفاع عن الممتلكات الوهمية كرد فعل على فقدان الهيمنة - ليست تفسيرات متنافسة، بل هي أبعاد مترابطة لعملية التحول الى الفاشية. وتختلف أهميتها النسبية تبعًا للسياق السياسي. ومع ذلك، لا يمكن إغفال أي منها دون تشويه الصورة، ولا يمكن تفسير أي منها بمعزل عن الأخرى.
ما يجمع بين هذه التصورات الثلاثة هو تشخيص ياغي للعجز الناتج عن بنية المجتمع. ان عملية التحول الى الفاشية، في جوهرها، محاولة مُغتربة لاستعادة القدرة على الفعل: من خلال خلق خصوم، والدفاع عن ممتلكات وهمية، وفرض الهيمنة بالعنف. وفي الوقت نفسه، كما يرى تومسون، هي عملية فعّالة لعرقلة أي سلطة مضادة: عملية التحوّل الى الفاشية كثورة مضادة وقائية. ولا تكتسب عملية التحول الى الفاشية فعاليتها إلا عندما تتضافر التجارب الذاتية للعجز مع مشاريع استبدادية منظمة سياسياً. وقد عبّر فالتر بنيامين بدقة عن هذا المنطق بقوله: "للجماهير الحق في تغيير علاقات الملكية؛ وتسعى الفاشية إلى التعبير عن هذا الحق من خلال الحفاظ عليها" (بنيامين 1974، 506).
لعملية التحوّل للفاشية فاعلون. وتنشأ حيث تتصادم المشاريع السياسية الاستبدادية مع تجارب فقدان القدرة على الفعل. ولهذا السبب تحديدًا، فهي ليست عملية تلقائية، بل تتطلب قوة مضادة. تُكمل فرضية هوركهايمر الصورة وتُصبح هنا توجهًا استراتيجيًا. على كل من يرغب في وقف مسيرة التحول الى الفاشية أن يكون مستعدًا للحديث عن الرأسمالية: عن علاقات الملكية، وعن إنتاج الهشاشة، وعن الاقتصاد السياسي المثير للاستياء، وعن التدمير الرأسمالي للمستقبل الجماعي. لا يمكن أن يكون الرد على عملية التحول الى الفاشية إلا ما ترفضه هي: استعادة الفاعلية الجماعية من خلال قوة مضادة ديمقراطية. تقرير المصير ليس كحق فردي مُلكي، بل كممارسة جماعية، ومع تومسون، كممارسة أممية. هذا، بمفهوم هوركهايمر وياغي، لا ينفصل عن مسألة من يُحدد شروط الحياة الاجتماعية. يبقى هذا السؤال بلا إجابة ما دامت الشروط التي تُثيره قائمة.
ألدو بيريتا: فيلسوف ومنظّر سياسي. بعد حصوله على الدكتوراه، شغل مناصب بحثية وتدريسية في جامعة أليس سالومون للعلوم التطبيقية ومركز تشيلي - أمريكا اللاتينية للبحوث والتوثيق. عمل بيريتا مستشارًا سياسيًا لعدد من حكومات أمريكا اللاتينية، وتعاون مع كرسي اليونسكو للتكامل الجامعي والإقليمي. والترجمة لمقالته المنشورة في 30 حزيران 2026 في مجلة "لوكسمبورغ - التحليل الاجتماعي والممارسة اليسارية"، نصف السنوية تصدر بنسخة مطبوعة ونسخة الكترونية التي تصدرها مؤسسة روزا لوكسمبورغ..
رابط النص الألماني:
https://www.zeitschrift-luxemburg.de/artikel/drei-momente-der-faschisierung