
جرت انتخابات مجلس النواب العراقي في 11/11/ 2025 ضمن سياق مأزوم، يتسم بتراجع الثقة الشعبية واتساع الفجوة بين المجتمع ومنظومة حكم أعادت إنتاج نفسها منذ عام 2003، وتراكم الأزمات المعيشية، حيث (ان الوضع في بلادنا ومنذ 9/4/2003 ما زال معقداً، وتتفاعل فيه جملة عمليات في آن واحد لتضفي على الحالة العراقية خصوصية يجب الإحاطة بها عند التحليل وتجنب الصيغ الاختزالية والتبسيطية)(1). برغم تقديم الانتخابات بوصفها آلية دستورية لتجديد الشرعية، فإن معطياتها تطرح أسئلة تتجاوز النزاهة الإجرائية إلى وظيفة الانتخابات نفسها داخل النظام السياسي. ولا ينطلق هذا التحليل من فرضية التزوير التقني، بل من افتراض أن الإشكال بنيوي، مرتبط بكيفية إدارة العملية الانتخابية ووظيفتها السياسية: هل ما تزال أداة لتمثيل الإرادة الشعبية، أم تحولت إلى آلية لإعادة تدوير النفوذ ومنح شرعية شكلية لمنظومة مأزومة؟ وتزداد أهمية هذا السؤال إذا ما وُضع ضمن الإطار المقارن لتجارب الديمقراطيات الناشئة، حيث تُظهر الخبرة التاريخية أن الانتخابات، في سياقات التحول غير المكتمل، كثيراً ما تفشل في إنتاج تمثيل فعلي، حيث إن (الكثير من الديمقراطيات الناشئة "حديثة الظهور" كانت فاشلة، او شبه فاشلة، او محدودة النجاح. وهنا نجد ان لأغلب الدول النامية سجلاً سيئاً مثلها مثل القليل من دول وسط اوروبا. اما الشرق الأوسط فهو اشد قتامة)(2).
أعقبت الانتخابات اعتقالات، ولا سيما في الناصرية، رافقها انتهاكات دستورية، كما ورد في بيان حزب "البيت الوطني" بتاريخ 3/ 12/ 2025، الذي ناشد (جميع الفعاليات السياسية والمدنية والحقوقية بالوقوف معنا لمعرفة مصير غانم جواد، عضو مكتب ذي قار الذي حوكم بمادة 198، المتعلقة بأمن الدولة وممتلكاتها)(3).
تحولات السلوك الانتخابي
لم يعد السلوك الانتخابي في العراق فعلاً سياسياً معزولاً، بل غدا تعبيراً مركباً عن تحولات بنيوية أصابت المجتمع منذ عام 2003، حيث باتت المشاركة أو المقاطعة أو التصويت العقابي أنماطاً لا تُفهم إلا في سياق اجتماعي مأزوم تشكّل تحت ضغط الفساد، وتفكك الدولة، وتراجع منظومة القيم، واتساع الفجوة الطبقية. وقد أسهمت السياسات الاقتصادية الريعية، المقترنة بفساد مؤسسي، في إنتاج مجتمع منقسم بين أقلية راكمت ثروات هائلة من المال العام، وأكثرية واسعة تعاني التهميش وانعدام الأمان الاقتصادي وتآكل فرص العيش الكريم. و(قد ساهم الاقتصاد الريعي/ بطرق مختلفة، في ظهور أو على الأقل تقوية "الجماعات غير الرسمية" من جهة وفي ظهور الصراعات العنيفة التي تخوضها بعض الجماعات مع الدولة)(4). لم تبقِ التحولات الاقتصادية والاجتماعية في العراق أثرها محصوراً في المجال المعيشي، بل انعكست مباشرة على الوعي السياسي وعلى علاقة المواطنين بالدولة وآلياتها، وفي مقدمتها الانتخابات. ففي ظل غياب العدالة الاجتماعية وتلاشي مبدأ تكافؤ الفرص، فقدت العملية الانتخابية، لدى شرائح واسعة من المجتمع، معناها بوصفها أداة للتغيير، وأسهم ذلك في إنتاج حالة اغتراب سياسي متزايدة، لم يعد المواطن فيها يرى نفسه شريكاً في القرار العام، بل متلقياً لنتائج تُحسم خارج إرادته، إذ (لا يمكن ان يسود الشعب ما دامت جماهيره امية، ومعدومة، ومبعده عن مراكز القدرة. وما دامت هذه هي حال الجماهير، كما هو الوضع في أمريكا اللاتينية، فان محترفي السياسية يقبضون على ناصية السلطة تحت راية قائد مستبد. ويسكون تسلطهم بغلاف خادع من الانتخابات الديمقراطية)(5).
في هذا السياق، لم تكن العزوف الواسع عن المشاركة الانتخابية سلوكاً سلبياً، انما تعبيرٌ عن قطيعة سياسية متراكمة، تصبح فيها المقاطعة شكلاً واعياً من أشكال الاحتجاج، ولا سيما لدى فئات خبرت الفعل الاحتجاجي سابقاً. وبالتوازي، أعادت التحولات الاجتماعية ـ الاقتصادية تشكيل أنماط التصويت، مع تراجع التصويت البرامجي لصالح الزبائنية والضغوط المعيشية، وتآكل دور الطبقة الوسطى، ما عمّق فقدان الثقة، خاصة بعد الأداء المخيّب لبعض ممثلي انتفاضة تشرين.
وعليه، فإن السلوك الانتخابي في العراق يعكس أزمة بنيوية في العلاقة بين المجتمع والسلطة أكثر مما يعكس أزمة وعي ديمقراطي، حيث يغدو الانسحاب من الانتخابات خياراً عقلانياً ضمن شروط مختلّة. ومن ثمّ، لا يمكن تقييم الانتخابات بمعزل عن سياقها الاجتماعي، لأن أي قراءة تقتصر على إجراءات يوم الاقتراع ستظل قاصرة عن تفسير المقاطعة وحدود المشاركة ودلالات الأرقام المعلنة بوصفها مؤشراً على "الشرعية".
الإطار القانوني والإداري للعملية الانتخابية
لا يمكن فهم العملية الانتخابية في العراق بمعزل عن إطارها القانوني والإداري الذي لا يعمل كسياق محايد، بل كآلية تحدد مسبقاً طبيعة التمثيل وحدود الفعل السياسي. فالقانون والمفوضية جرى توظيفهما في إعادة إنتاج توازنات السلطة، بحيث جاءت ترجمة المبادئ الدستورية للمشاركة السياسية شكلية، وأُفرغ الحق في التمثيل من مضمونه الفعلي (للمواطنين رجالاً ونساءً، حق المشاركة في الشؤون العامة، والتمتع بالحقوق السياسية بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح)(6)، أن الترجمة القانونية لهذه المبادئ جاءت محمّلة بقيود بنيوية أفرغت هذا الحق من محتواه العملي. فاعتماد آلية "سانت ليغو المعدّلة" في توزيع المقاعد على وفق أولا من المادة 7 التي تنص (تُقسَّم الأصوات الصحيحة لكل قائمة على الأعداد التسلسلية 1.7، 3، 5، 7، 9، …إلخ، وبعدد مقاعد الدائرة الانتخابية ويتم اختيار اعلى النواتج حتى استنفاذ جميع مقاعد الدائرة الانتخابية)(7).
وهي آلية لا تعمل بوصفها إجراءً تقنياً محايداً، بل أداة قانونية لإعادة هندسة التمثيل السياسي بما يحدّ من فرص القوائم الصغيرة والمستقلة. وبهذا المعنى، تحوّل القانون من إطار لضمان عدالة التمثيل إلى وسيلة لإقصاء قوى اجتماعية وسياسية لا تمتلك أدوات النفوذ نفسها. (وبما ان النظام الانتخابي يعتبر من صميم صدقية "شرعية" الديمقراطيات الحديثة، فمن الضروري جدا محاولة إنشاء أكبر إجماع ممكن حول النظام المستخدم)(8). لا يقتصر أثر القانون الانتخابي على النتائج، بل يمتد إلى السلوك الانتخابي نفسه، إذ يدفع إدراك الناخب بأن صوته لقائمة صغيرة سيؤول عملياً إلى القوى الكبرى إلى تراجع الحوافز للمشاركة وترسيخ قناعة بانغلاق العملية، بما يعمّق المقاطعة ويحصر المنافسة داخل دائرة المتنفذين. (تقوم المؤسسات السياسية بتشكيل قواعد اللعب التي تجري ممارسة الديمقراطية في إطارها. وغالبا ما يدور الجدل حول أن النظام الانتخابي، هو المؤسسة السياسية التي يمكن التلاعب بها بسهولة، سواء للأفضل أم للأسوأ، إذ أن اختيار النظام الانتخابي يمكن أن يحدد بفعالية من سيتم انتخابه، والحزب الذي سيفوز بالسلطة، بعد ترجمة الأصوات أثناء الانتخابات العامة إلى مقاعد في الهيئة التشريعية)(9)، وفي موازاة ذلك، ظل استقلال المفوضية العليا للانتخابات محكوماً بسقف المحاصصة، ما قيّد قدرتها على فرض معايير مهنية، وتجلى في احتساب المشاركة عبر استبدال المعيار الدستوري بمعيار إجرائي مخاتل يرفع نسب المشاركة المعلنة ويقلّص المقاطعة الظاهرة. (يحتاج نظام العدالة الانتخابية إلى أن يعمل بكفاءة بالمعنى الفني، كما ينبغي أن يكون فعّالاً، مستقلاً، ونزيهاً. ولا يقتصر دوره على تحقيق العدالة فحسب، بل يمتد ليشمل الشفافية، وسهولة الوصول، والشمولية، وتكافؤ الفرص. ويتعين عليه أيضاً الإبلاغ عن حسن سير عمله، بما يتيح لجميع الأطراف المعنية التحقق من صحته ودقته. فبهذه الطريقة فقط يحقق الغاية الأساسية منه، والمتمثلة بإضفاء المصداقية والشرعية الديمقراطية على الإجراءات الانتخابية ونتائجها)(10). أخفقت المفوضية في ضمان تكافؤ الفرص، وأسهمت سياساتها في تضخم غير مبرر لأعداد المراقبين ووكلاء الكيانات، ما حوّل الرقابة من أداة نزاهة إلى وسيلة تعبئة وضغط. ونتيجة تلاقي قانون إقصائي مع إدارة محكومة بالتوازنات السياسية، تشكّلت بيئة انتخابية غير متكافئة حوّلت الانتخابات إلى عملية محسوبة النتائج، بما يجعل أزمة الانتخابات أزمة إطار قانوني وإداري صُمّم أو طُوّع لخدمة تدوير منظومة الحكم.
وهي آلية لا تعمل بوصفها إجراءً تقنياً محايداً، بل أداة قانونية لإعادة هندسة التمثيل السياسي بما يحدّ من فرص القوائم الصغيرة والمستقلة. وبهذا المعنى، تحوّل القانون من إطار لضمان عدالة التمثيل إلى وسيلة لإقصاء قوى اجتماعية وسياسية لا تمتلك أدوات النفوذ نفسها. (وبما ان النظام الانتخابي يعتبر من صميم صدقية "شرعية" الديمقراطيات الحديثة، فمن الضروري جدا محاولة إنشاء أكبر إجماع ممكن حول النظام المستخدم)(8). لا يقتصر أثر القانون الانتخابي على النتائج، بل يمتد إلى السلوك الانتخابي نفسه، إذ يدفع إدراك الناخب بأن صوته لقائمة صغيرة سيؤول عملياً إلى القوى الكبرى إلى تراجع الحوافز للمشاركة وترسيخ قناعة بانغلاق العملية، بما يعمّق المقاطعة ويحصر المنافسة داخل دائرة المتنفذين. (تقوم المؤسسات السياسية بتشكيل قواعد اللعب التي تجري ممارسة الديمقراطية في إطارها. وغالبا ما يدور الجدل حول أن النظام الانتخابي، هو المؤسسة السياسية التي يمكن التلاعب بها بسهولة، سواء للأفضل أم للأسوأ، إذ أن اختيار النظام الانتخابي يمكن أن يحدد بفعالية من سيتم انتخابه، والحزب الذي سيفوز بالسلطة، بعد ترجمة الأصوات أثناء الانتخابات العامة إلى مقاعد في الهيئة التشريعية)(9)، وفي موازاة ذلك، ظل استقلال المفوضية العليا للانتخابات محكوماً بسقف المحاصصة، ما قيّد قدرتها على فرض معايير مهنية، وتجلى في احتساب المشاركة عبر استبدال المعيار الدستوري بمعيار إجرائي مخاتل يرفع نسب المشاركة المعلنة ويقلّص المقاطعة الظاهرة. (يحتاج نظام العدالة الانتخابية إلى أن يعمل بكفاءة بالمعنى الفني، كما ينبغي أن يكون فعّالاً، مستقلاً، ونزيهاً. ولا يقتصر دوره على تحقيق العدالة فحسب، بل يمتد ليشمل الشفافية، وسهولة الوصول، والشمولية، وتكافؤ الفرص. ويتعين عليه أيضاً الإبلاغ عن حسن سير عمله، بما يتيح لجميع الأطراف المعنية التحقق من صحته ودقته. فبهذه الطريقة فقط يحقق الغاية الأساسية منه، والمتمثلة بإضفاء المصداقية والشرعية الديمقراطية على الإجراءات الانتخابية ونتائجها)(10). أخفقت المفوضية في ضمان تكافؤ الفرص، وأسهمت سياساتها في تضخم غير مبرر لأعداد المراقبين ووكلاء الكيانات، ما حوّل الرقابة من أداة نزاهة إلى وسيلة تعبئة وضغط. ونتيجة تلاقي قانون إقصائي مع إدارة محكومة بالتوازنات السياسية، تشكّلت بيئة انتخابية غير متكافئة حوّلت الانتخابات إلى عملية محسوبة النتائج، بما يجعل أزمة الانتخابات أزمة إطار قانوني وإداري صُمّم أو طُوّع لخدمة تدوير منظومة الحكم.
تفكيك البنية الرقمية ونِسَب المشاركة*
تمثّل الأرقام الانتخابية جوهر الصراع على الشرعية، إذ تُعاد من خلالها صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع. فالانتخابات، في جوهرها، عملية حسابية تُترجم سياسياً، تتحول فيها الأعداد إلى تمثيل، والنِّسَب إلى مشروعية، والنتائج إلى سلطة، بحيث إن أي انحراف في إنتاج الأرقام أو تأويلها لا يغيّر النتائج وحدها، بل يغيّر معنى العملية الانتخابية برمّتها. وقد أعلنت المفوضية أن (نسبة المشاركة النهائية في الانتخابات البرلمانية العراقية 56.11%)(11)، استناداً إلى طريقة احتساب محل جدل، لا تعكس بدقة مستوى المشاركة الفعلية للمواطنين الذين يحق لهم التصويت دستورياً. فقد احتُسبت هذه النسبة عبر قسمة عدد المقترعين (12,009,453) على عدد الناخبين المسجَّلين بايوميترياً فقط (21,416,335)، وهي معادلة تخالف المعايير الدولية المعتمدة لاحتساب المشاركة الانتخابية، لأنها تستبعد شريحة واسعة من المواطنين الذين يحق لهم التصويت دستورياً. كان الأجدر بالمفوضية اعتماد المعادلة التي اتبعتها شبكات المراقبة العراقية، والتي قامت على قسمة عدد المقترعين (12,009,453) على العدد الكلي للمواطنين الذين منحهم الدستور حق الانتخاب (29,262,288) وفق المادة 20 من دستور عام 2005. وبهذا تكون المعادلة على النحو الآتي:
12,009,453/29,262,288=41% وهذه هي النسبة التي أعلنها تحالف الشبكات والمنظمات الوطنية لمراقبة الانتخابات في العراق(12) استناداً إلى أرقام المفوضية نفسها.
هذا التحول في معيار الاحتساب لا يمكن اعتباره إجراءً فنياً محايداً، لأنه يعيد تعريف “الجسم الانتخابي” على نحو يُقصي ملايين المواطنين من معادلة المشاركة، ويحوّل المقاطعة الواسعة إلى ظاهرة غير مرئية إحصائياً. وفق الدستور العراقي، ولا سيما المادة (20)(13) التي تكفل حق المشاركة السياسية لجميع المواطنين، فإن احتساب المشاركة ينبغي أن ينطلق من مجموع من يحق لهم التصويت قانوناً، لا من عدد من استكملوا إجراءً إدارياً مسبقاً. فاستبدال هذا المعيار الدستوري بمعادلة أضيق يؤدي إلى رفع مصطنع لنسب المشاركة وتقليص رقمي لحجم العزوف، بما يخدم سردية سياسية محددة عن “القبول الشعبي”. ويتفاقم هذا الخلل عند تفكيك مكونات الأصوات المحتسبة ضمن نسب المشاركة، إذ لا تميّز الأرقام المعلنة بين التصويت الحر القائم على إرادة فردية مستقلة، وبين أصوات خضعت لأشكال مختلفة من الضبط والتوجيه، ما يُفرغ هذه النسب من دلالتها التمثيلية الفعلية.
غير أن تفكيك الرقم الكلي للمقترعين يكشف أن جزءاً كبيراً منه لا يمثل إرادة سياسية حرة، إذ يشمل (729,933) أصواتاً أُبطلت(14)، وأصوات التصويت الخاص الخاضعة للانضباط المؤسسي (1,084,289)، إضافة إلى أعداد هائلة من المراقبين ووكلاء الكيانات بلغت نحو (2,250,000) وفق مصادر مستقلة، وهو رقم هائل لم تستطع المفوضية إنكاره بالكامل، واضطرت إلى الاعتراف بـ (1,450,000) مراقب ووكيل وبذلك يبلغ مجموع الأصوات غير الحرة أو المُدارة نحو (4,784,289) صوتاً.
وعند طرح هذا الرقم من مجموع المقترعين، يتبقى (7,225,164) ناخباً فقط. وباحتساب هذه الأصوات قياساً إلى مجموع من يحق لهم التصويت دستورياً (29,262,288)، تنخفض نسبة المشاركة إلى نحو%24 وإذا استُبعدت كذلك أصوات القواعد المتحزبة والمنتفعة المرتبطة بالأحزاب المتنفذة، فإن نسبة المشاركة الحرة الفعلية لا تتجاوز 18%.
أما مجموع الأصوات التي حصلت عليها القوى الفائزة، فقد بلغ (4,008,481) صوتاً. ووفق معيار المفوضية نفسها، لا تمثل هذه الأصوات سوى %19 من المسجلين بايوميترياً، بينما تنخفض إلى %13 فقط عند احتسابها قياساً إلى مجموع من يحق لهم التصويت دستورياً، ما يعني أن %87 من المواطنين لم يمنحوا الفائزين شرعية انتخابية(15). تُظهر هذه المعادلات أن الشرعية المعلنة ليست سوى بناء رقمي مُصطنع، ينهار عند أول اختبار علمي، ويكشف أن ما جرى لم يكن تنافساً ديمقراطياً، بل إعادة تدوير لمنظومة النفوذ عبر أرقام مُهندسة وخطاب سياسي مضلل. فالتضخيم المتعمد لنسب المشاركة لا يعكس قوة النظام بقدر ما يدل على قلقه، إذ إن الشرعية الواثقة لا تحتاج إلى تجميل النتائج.
ولا يكمن الخلل في رقم بعينه، بل في المنهج الذي صُنعت به الأرقام ووُظّفت ضمنه، حيث يؤدي الاحتساب الانتقائي ودمج الأصوات الخاضعة للضبط مع الأصوات الحرة إلى تفريغ النِسَب من معناها التمثيلي، وتحويل الأرقام إلى أداة سياسية لتغطية ضعف التمثيل، لا لقياسه، بما يفتح الباب لتحليل "الخرق الصامت" في بنية العملية الانتخابية.
الخرق الصامت: تضخم المراقبين ووظائفه السياسية
يُعدّ التضخم غير المسبوق في أعداد المراقبين(16) ووكلاء الكيانات(17) أحد أخطر مظاهر الخلل البنيوي التي رافقت العملية الانتخابية، لا بوصفه خرقاً فاضحاً، بل خرقاً صامتاً جرى تمريره تحت شعار "تعزيز النزاهة". ويتكامل هذا الخلل مع ظاهرة (الركائز)** التي انتقلت من نشاط انتخابي عارض إلى آلية بنيوية لشراء الأصوات وتزييف الإرادة الشعبية، حيث يعمل الركيزة وسيطاً مالياً وتنظيمياً يجمع الأصوات، وينقل الناخبين، ويوزع المنافع مقابل المال أو الوعود، محوِّلاً الصوت إلى سلعة والانتخابات إلى سوق نفوذ. وتكشف النزاعات التي تفجرت بعد الانتخابات بين المرشحين والركائز أن العملية قامت على تعاقدات مالية لا على تنافس سياسي. يبين التحليل المهني والرقمي أن تضخم أعداد المراقبين لم يؤدِّ وظيفة رقابية حقيقية، بل تحوّل إلى أداة سياسية داخل مراكز الاقتراع. فالرقابة الانتخابية تفترض مراقبين مستقلين ومحدودي العدد، فيما شهدت العملية تسجيل أعداد هائلة تجاوزت المعايير المعتمدة، بما يدل على خلل جوهري في الإدارة الانتخابية. وعليه، لم يكن هذا التضخم تفصيلاً إجرائياً، بل مؤشراً يهدد معيار الشرعية، إذ حوّل الأرقام من أداة لضبط النزاهة إلى مادة للطعن فيها، وانعكس سلباً على مجمل العملية الانتخابية.
أولاً: توزيع المراكز والمحطات في عموم العراق
عدد المراكز الانتخابية: 8,703، وعدد المحطات: 39,285، في إقليم كردستان: عدد المراكز: 1,312، عدد المحطات: 5,599.(18) يكشف هذا التوزيع اختلافاً جوهرياً في الإجراءات الإدارية للعملية الانتخابية. فوجود 8,703 مركزاً و39,285 محطة في عموم العراق، مقابل 1,312 مركزاً و5,599 محطة في الإقليم، يشير هذا التباين إلى نمطين مختلفين في تنظيم البنية الانتخابية. فمع احتساب الفوارق في عدد المحافظات بين العراق وإقليم كردستان، يتضح أن تضخّم أعداد المراقبين لم يكن إجراءً مهنياً، بل توجهاً تعبويّاً هدفه خلق حضور بشري كثيف داخل مراكز الاقتراع بما يتيح التأثير غير المباشر على الناخبين. وهكذا تحوّل التضخم من نشاط رقابي إلى أداة سياسية للدعاية والضغط وإرباك بيئة الاقتراع، في حين حدّت الحدود العددية المتوازنة وتوزيع المراكز في إقليم كردستان من هذا التأثير، وحصرته ضمن نطاق قابل للضبط والمتابعة المهنية.
ثانياً. أعداد المراقبين ووكلاء الكيانات
سجّلت ما بين 1,000,000 و1,200,000 مراقب محلي. وقد أكد ذلك حسن هادي زاير، عضو الفريق الإعلامي للمفوضية، في لقاء على قناة النجباء بتاريخ 11/ 11/ 2025. كما بلغ عدد وكلاء الكيانات السياسية 450,000 وكيل. بالمقابل، تداولت مصادر أخرى رقمين يصلان إلى مليونَي مراقب ووكيل، لكننا سنعتمد أقل رقم أعلنته المفوضية لضمان حيادية التحليل: ولأن مهمة المراقب والوكيل متقاربة في يوم الاقتراع، يمكن جمعهما في فئة وظيفية موحدة لغرض الحساب والتحليل
1,000,000+450,000 = 1,450,000 عدد المراقبين ووكلاء الكيانات في عموم العراق.
ثالثاً. استثناء المراقبة المهنية الفعلية
نخصم من هذا الرقم مراقبي تحالف الشبكات والمنظمات الوطنية لمراقبة الانتخابات في العراق (6,500) مراقب، هو التحالف الذي يضم كلاً من: شبكة شمس لمراقبة الانتخابات، فريق مراقبي منظمة تموز للتنمية الاجتماعية، شبكة عين لمراقبة الانتخابات والديمقراطية، شبكة چاڤ للشفافية وحقوق الإنسان، المعهد الكوردي للانتخابات KIE ، مؤسسة النور الجامعة – بعثة نراقب، تحالف الأقليات في العراق. ويُعدّ هذا التحالف الجهة الرقابية الوحيدة التي تلقت تدريباً دولياً من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وشاركت في مراقبة جميع الانتخابات التي أُجريت في العراق، بما في ذلك الاستفتاء على الدستور. وقد قدّم تقارير مهنية رصينة أشادت بها الأمم المتحدة، واعترفت المفوضية العليا نفسها بمستوى مهنيتها، كما نُشرت تقاريره بالتنسيق مع منصة 964+.
1,450,000- 6,500 = 1,443,500 العدد الفعلي للمراقبين والوكلاء المسجَّلين في عموم العراق.
رابعاً. أعداد المراقبين في الإقليم وفق توزيع المراكز والمحطات
10,116 عدد المراقبين و25,303 عدد وكلاء الكيانات، وحاصل جمعهما يبلغ 35,419
35,419 (عدد المراقبين)÷ 1,312 (عدد المراكز)= 27 مراقبا لكل مركز.
35,419 (عدد المراقبين) ÷ 5,599 (عدد المحطات) = 6 مراقبين لكل محطة.
ورغم أن هذه الأرقام مرتفعة نسبياً، فإنها تظل متواضعة جدً مقارنة بما يظهر في باقي محافظات العراق.
خامساً. أعداد المراقبين في محافظات العراق كافة، باستثناء محافظات إقليم كردستان، وفق توزيع المراكز والمحطات
نطرح أعداد الإقليم من مجموع عموم العراق
1,443,500- 35,419 = 1,408,081 مراقبا ووكيلا في محافظات العراق كافة، باستثناء محافظات إقليم كردستان. الآن نوزع هذا الرقم على المراكز البالغ عددها 7,391 مركزاً، وعلى المحطات البالغ عددها 33,686 محطة، وتكون النتائج كما يأتي:
1,408,081÷ 7,391= 190 مراقباً لكل مركز، وهو رقم كبير لا يمكن تبريره مهنياً أو تنظيمياً.
1,408,081÷ 33,686 = 42 مراقباً لكل محطة، والمحطة هي غرفة صف دراسي واحدة. وجود 42 شخصاً بصفة مراقبين داخل غرفة واحدة غير ممكن عملياً، ولا يحقق أي وظيفة رقابية، بل يتحول إلى حالة ضغط على العملية الانتخابية. نلاحظ ان لكل محطة انتخابية في مركز انتخابي في إقليم كردستان 6 مراقبين يقابله 42 مراقب في المركز الانتخابي في محافظات العراق الأخرى.
سادساً. دلالة هذا التضخم
من الناحية المهنية، “العدد الزائد” لا يعزّز النزاهة، بل ينتج آثاراً مضادة، منها:
- تحويل المراقب إلى فاعل سياسي داخل المحطة، لا إلى رقيب مستقل.
- أصبحت هوية المراقب (الباج) تصريح دخول لأغراض أخرى.
- تحويل يوم الاقتراع إلى ساحة تزاحم داخل المراكز بدل أن يكون مكاناً للرقابة المهنية.
- وإذا افترضنا أن كل مراقب من مجموع (1,408,081) مراقبا، استمال شخصين فقط داخل المركز الانتخابي أو أثر في قرارهم، فإن عدد الخروقات المحتملة قد يتجاوز (2,816,162) مليونين وثمانمائة وستة عشر الفا ومئة واثنين وستين خرقا، وهو رقم كفيل بتغيير مسار العملية الانتخابية برمتها.
يكشف توزيع المراقبين على المراكز حجم المفارقة، إذ استقبلت المحطة الواحدة عشرات "المراقبين" و"الوكلاء"، وهو عدد يستحيل معه أداء رقابة مهنية، ليغدو الحضور الكثيف شكلاً من الضغط المباشر وغير المباشر على مجريات الاقتراع. ومع تحوّل صفة "المراقب" إلى تصريح دخول مفتوح من دون تدقيق في الاستقلالية أو الدور، تلاشى الفاصل بين الرقابة والدعاية، وبين المتابعة والتأثير، وهو ما تؤكده ندرة التقارير المهنية الصادرة عن هذه الأعداد الهائلة، بما يكشف أن وظيفتها لم تكن رقابية بقدر ما كانت تعبويّة –سياسية. وهذا يسجل كرشوة انتخابية إذ (منع القانون الكيان السياسي الذي تولى الترشيح للانتخابات من تقديم الهدايا والتبرعات او أي مساعدات أخرى عينية كانت ام مادية)(19). تحليلياً، لا يؤدي "العدد الزائد" إلى تعزيز النزاهة، بل إلى تقويضها، إذ كلما ازداد عدد المراقبين غير المهنيين تقلّصت القدرة على المحاسبة واتسعت مساحة الفوضى المنظمة، ليتحوّل المركز الانتخابي من فضاء محايد إلى ساحة تأثير غير متكافئ. وحتى بافتراض تأثير محدود لبعض هؤلاء، فإن الأثر التراكمي يصبح حاسماً، وهو ما يفسر خطورة “الخرق الصامت” الذي لا يخلّف أثراً قانونياً مباشراً، لكنه يعيد تشكيل بيئة الاقتراع تدريجياً لمصلحة القوى الأكثر تنظيماً. لا يمكن فصل تضخم أعداد المراقبين عن بقية عناصر المنظومة الانتخابية المختلة، إذ يتكامل مع قانون انتخابي إقصائي، وإدارة انتخابية ضعيفة الاستقلال، ومال سياسي واسع، ليشكّل شبكة متكاملة لإعادة إنتاج النفوذ. وبهذا المعنى، لم يكن التضخم الرقابي خللاً إدارياً عارضاً، بل جزءاً من هندسة انتخابية أوسع تُنتج الشكل الديمقراطي من دون مضمونه. وعليه، يفقد الحديث عن نزاهة العملية الانتخابية معناه حين تُختزل الرقابة إلى أرقام لا إلى معايير، إذ تُقاس النزاهة بجودة الأداء والاستقلال لا بكثرة الحضور. ويكشف ما جرى أن الإفراط في تسجيل المراقبين كان من أخطر الآليات التي ابتلعت النزاهة من الداخل، من دون ضجيج يوازي حجم أثرها.
القوى المتنفذة وآليات إعادة إنتاج النفوذ
لا يمكن فهم نتائج العملية الانتخابية عبر أدواتها الإجرائية وحدها، من قانونٍ وأرقامٍ ورقابة، ما لم تُربط بالبنية الفعلية للقوى القادرة على تشغيلها وتوجيهها. فالقوى المتنفذة في العراق لا تتحرك كأطراف انتخابية عادية، بل كمنظومة متكاملة تجمع السلطة والمال والسلاح والإدارة والإعلام، وتستخدم الانتخابات لإعادة إنتاج نفوذها، لا لخوض تنافس حر.
راكمت الطغمة نفوذها داخل مؤسسات الدولة، واستثمرت وجودها في السلطتين التنفيذية والتشريعية لتحويل موارد الدولة إلى أدوات قوة سياسية. وبذلك لم تعد الانتخابات بالنسبة لها استحقاقاً مفتوح النتائج، بل آلية لإعادة تثبيت المواقع، وضبط التوازنات الداخلية، وإعادة توزيع الحصص داخل المنظومة نفسها. ويبرز المال السياسي كأحد أهم آليات هذا النفوذ، إذ حوّل الفارق الهائل في الإمكانات المالية المنافسة الانتخابية إلى ساحة غير متكافئة منذ بدايتها، متجاوزاً الدعاية إلى شراء الأصوات، وتمويل شبكات التعبئة، وتغطية نفقات أعداد ضخمة من المراقبين والوكلاء. وإلى جانب ذلك، تمارس هذه القوى سيطرة مباشرة أو غير مباشرة على الإعلام، فتُدار الحملات الانتخابية كمساحة موجهة تُعيد إنتاج الرواية الرسمية وتُهمّش الأصوات النقدية، لا كساحة نقاش عام متكافئة. وتتضاعف فاعلية هذه الآليات حين تقترن بالنفوذ المؤسسي داخل أجهزة الدولة، حيث يُستخدم التساهل في تطبيق القوانين وتسهيل الإجراءات لأنصار القوى المتنفذة لتكريس الاختلال، فيما يتحول خرق القانون من استثناء إلى ممارسة محمية بتوازنات السلطة. ويكتمل هذا المشهد بحضور السلاح بوصفه عاملاً بنيوياً، يفرض بيئة ردع غير معلنة تُقوّض تكافؤ الفرص وتقيّد المنافسة الحرة، حتى من دون اللجوء إلى استخدام مباشر للقوة. تتكامل هذه العناصر لتنتج ما يمكن تسميته "الهيمنة الانتخابية"، حيث لا تُلغى الانتخابات شكلياً، بل تُفرَّغ من مضمونها التنافسي. يبقى التغيير محصوراً في حدود ضيقة تسمح بتبديل بعض الوجوه أو إعادة توزيع المقاعد داخل المعسكر المتنفذ نفسه، من دون المساس بالبنية العامة للسلطة، لتتحول الانتخابات إلى آلية لضبط النظام لا لمساءلته أو تغييره. وفي هذا الإطار يُفهم لماذا لم تُفضِ الدورات الانتخابية المتعاقبة إلى تحولات سياسية جوهرية، رغم الأزمات المتفاقمة والاحتجاجات الواسعة، إذ تعمد القوى المتنفذة إلى تفكيك المجتمع انتخابياً عبر الزبائنية والهويات الفرعية والحاجات المعيشية، وتحوّل الصندوق إلى أداة لإدارة هذا التفكك لا لمعالجته. وعليه، فإن إعادة إنتاج النفوذ عبر الانتخابات ليست خللاً عارضاً، بل نتيجة منطقية لمنظومة متكاملة تُحسن توظيف القانون والأرقام والمال والإعلام والسلاح ضمن سياق واحد، ما يجعل أي رهان على الانتخابات، بمعزل عن تفكيك هذه المنظومة، رهاناً محدود الأثر مهما حسنت النوايا أو تغيّرت الشعارات.
القوى المدنية: الأزمة، التشتت
تكشف نتائج الانتخابات، إلى جانب قوة المنظومة المتنفذة، عمق الأزمة التي تعانيها القوى المدنية والديمقراطية في العراق، (إذ لم يكن تراجعها نتاج اختلال شروط المنافسة وحده، بل أيضاً حصيلة اختلالات بنيوية داخلية تراكمت عبر السنوات، وأضعفت قدرتها على التحول إلى بديل سياسي فعلي)(20)، تتمثل الأزمة الأساسية للقوى المدنية في فجوة الثقة بينها وبين قطاعات واسعة من جمهورها، وهي فجوة نتجت عن تجارب برلمانية سابقة، وبالأخص تجربة النواب المدعين تمثيل انتفاضة تشرين، حيث فشلت في ترجمة الشعارات إلى ممارسات مؤسسية واضحة، وعززت الانطباع بأن الدخول إلى النظام السياسي القائم يقود غالباً إلى التكيّف معه لا تغييره. ولم تكن هذه الفجوة نتاج إخفاقات فردية بقدر ما كانت حصيلة غياب رؤية مؤسسية واستراتيجية طويلة الأمد للعمل البرلماني، ما حوّل التجربة إلى مسار شخصي منفصل عن الحراك الاجتماعي. لا يمكن فصل أزمة القوى المدنية والديمقراطية عن أزمة أعمق تتعلق بدور النخب الثقافية والسياسية التي يُفترض بها أن تشكّل الرافعة الفكرية والأخلاقية لأي مشروع تغيير. فجزء من إخفاق هذه القوى لا يعود فقط إلى اختلال شروط المنافسة أو القمع أو المال السياسي، بل إلى ميل بعض النخب إلى التكيّف مع منظومة السلطة، أو تبريرها خطابياً، أو الاكتفاء بنقد أخلاقي عام لا يترجم إلى فعل سياسي منظم.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية النخب الثقافية والسياسية بوصفها جزءاً من معركة الشرعية ذاتها، لا بوصفها شاهداً محايداً. فحين تنحاز قطاعات من المثقفين وبعض قيادات الاحتجاج إلى أحزاب السلطة، أو تبرر ممارساتها باسم العقل أو الاستقرار، فإنها تسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إنتاج الشرعية الزائفة التي تمنحها الانتخابات الشكلية. ومن هنا تكتسب راهنيتها مقولة (لقد أنبهر المثقفون لمدة طويلة بالسلطات التي كانت تقدم نفسها باعتبارها وكيلة للعقل يتعين علينا اليوم ان نطالب اولئك الذين خدموا الطغاة، بالصمت، وان نطالب الاخرين بان يدافعوا على افضل وجه عن الحرية ضد السلطات)(21). إلى جانب ذلك، أسهم التشتت التنظيمي والدخول بقوائم متعددة بلا تنسيق أو خطاب موحّد في هدر واسع للأصوات المدنية، التي جرى امتصاصها، بفعل القانون الانتخابي، لمصلحة القوى الكبرى. وتفاقم هذا الضعف مع اختلال معايير اختيار المرشحين، ومحدودية البنية التنظيمية، وغياب العمل القاعدي والنقابي المستدام، ما جعل الفعل المدني موسمياً وغير متجذر اجتماعياً. وعليه، لم تكن المقاطعة الواسعة من قبل الجمهور المدني حدثاً طارئاً، بل تعبيراً عن قطيعة سياسية متراكمة، اختار فيها هذا الجمهور الانسحاب بوصفه موقفاً سياسياً واعياً. وتكشف هذه المعطيات أن حدود الفعل المدني الراهنة لا تعود فقط إلى القمع أو المال السياسي، بل إلى عجز هذه القوى عن بناء مشروع سياسي ـ اجتماعي متكامل يربط بين النضال الانتخابي والعمل الاجتماعي اليومي، ويعيد وصل السياسة بالمصالح الملموسة للناس. (لقد انقطعوا عن الناس إلى درجة أن الحوار معهم ضاع تماما. لذا أعتقد أننا يجب أن نركز على وعينا الذاتي وبناء أنفسنا)(22). لا يهدف هذا التشخيص إلى تحميل القوى المدنية مسؤولية اخفاق لم تصنع شروطه وحدها، بل إلى وضع الأزمة في إطارها الواقعي، إذ إن غياب مراجعة جذرية للأدوات والتحالفات وأنماط العمل سيُبقي حضور هذه القوى هامشياً، وتظل الانتخابات ساحة تُدار بمنطق إعادة إنتاج السلطة لا كسرها.
أزمة الشرعية وأسئلة المستقبل
تُفضي قراءة العملية الانتخابية إلى نتيجة مركزية مفادها أن الأزمة التي تكشفها الانتخابات في العراق ليست خللاً إجرائياً أو تراجع مشاركة ظرفياً، بل أزمة شرعية بنيوية تمس جوهر العلاقة بين المجتمع والسلطة. فالشرعية لم تعد تُستمد من صندوق الاقتراع بقدر ما تُصنَّع عبر منظومة متكاملة من القوانين والأرقام والإدارة والتعبئة، في ظل اعتماد النظام السياسي على قاعدة اجتماعية محدودة لكنها منظمة، مقابل أكثرية واسعة مقاطِعة أو مهمَّشة أو غير ممثَّلة فعلياً. ولا يمكن تغطية هذا الاختلال عبر رفع نسب المشاركة حسابياً أو توسيع دوائر "الشرعية الشكلية"، لأن الفجوة بين الرقم والمعنى تظل قائمة وتتسع مع كل دورة انتخابية. فأزمة الشرعية هنا لا تعني غياب الاعتراف القانوني بالمؤسسات، بل غياب الثقة السياسية بها، ما يضعف قدرتها على إدارة الأزمات واتخاذ قرارات كبرى. وفي هذا السياق، لم تعد الانتخابات، بصيغتها الحالية، أداة وساطة بين المجتمع والسلطة، بل آلية لإعادة تنظيم السلطة داخلها، ما يجعل الاستقرار الذي توحي به النتائج استقراراً هشّاً يخفي تحت سطحه أسباب الاحتجاج والمقاطعة وتآكل الثقة التي ما تزال قائمة وتتفاقم. لا يعني هذا الاستنتاج الدعوة إلى إلغاء الانتخابات أو التقليل من أهميتها المبدئية، بل إعادة تعريف موقعها ضمن مشروع تغيير أوسع. فالانتخابات، حين تُفصل عن العمل الاجتماعي والنقابي والمطلبي والاحتجاجي، وحين تُقدَّم بوصفها الطريق الوحيد للتغيير، تتحول إلى وهم سياسي، أما حين تُدرج ضمن استراتيجية شاملة لإعادة بناء القوة الاجتماعية، فقد تستعيد جزءاً من وظيفتها التمثيلية. وفي هذا السياق، لا يقتصر التحدي أمام القوى المدنية والديمقراطية على تحسين أدائها الانتخابي، بل يتعداه إلى إعادة بناء علاقتها بالمجتمع على أسس مستدامة، تعيد للسياسة معناها بوصفها تعبيراً عن المصالح اليومية للناس لا موسماً انتخابياً عابراً. وعليه، فإن أزمة الشرعية التي تكشفها الانتخابات ليست قدراً محتوماً، لكنها أيضاً لا تُحل بإجراءات سطحية، بل تتطلب مراجعة جذرية لمفهوم التمثيل، ولطبيعة النظام الانتخابي، ولأدوات الفعل السياسي.
إن السياق الاجتماعي الذي جرت فيه الانتخابات كان سياقاً مأزوماً، اتسم بتراجع الثقة، واتساع الفجوة الطبقية، وتآكل الإحساس بالمواطنة السياسية، بحيث لم يكن السلوك الانتخابي، بما في ذلك المقاطعة الواسعة، تعبيراً عن عزوف أو لا مبالاة، بل موقفاً سياسياً واعياً تشكّل عبر تراكم تجارب خيّبت آمال شرائح واسعة من المجتمع، وأضعفت قناعتها بقدرة صندوق الاقتراع، بصيغته الراهنة، على إحداث تغيير فعلي. وبناءً على ما تقدّم، يمكن استخلاص الاستنتاجات الآتية:-
- أن الإطار القانوني والإداري للعملية الانتخابية لم يعمل كإطار محايد للتمثيل العادل، بل أسهم في إعادة إنتاج توازنات القوة القائمة، عبر قانون انتخابي إقصائي، وإدارة انتخابية محدودة الاستقلال، وأرقام جرى توظيفها سياسياً لصناعة شرعية شكلية لا تعكس المشاركة الشعبية الحرة.
- برز التضخم غير المسبوق في أعداد المراقبين ووكلاء الكيانات بوصفه أحد أخطر مظاهر "الخرق الصامت"، إذ لم يعزز النزاهة، بل غيّر بيئة الاقتراع من الداخل عبر الضغط والتعبئة والتأثير غير المباشر.
- أن القوى المتنفذة سخّرت القانون، والمال، والإعلام، والنفوذ المؤسسي، والسلاح ضمن منظومة متكاملة أعادت إنتاج نفوذها عبر الانتخابات، التي لم تعد ساحة تنافس سياسي متكافئ.
- لم يكن ضعف حضور القوى المدنية والديمقراطية ناتجاً عن اختلال شروط المنافسة وحده، بل أيضاً عن أزماتها الداخلية، من تشتت تنظيمي وضعف بنيوي، وسوء إدارة للتجربة البرلمانية، ما عمّق فجوة الثقة بينها وبين جمهورها ودفع قطاعات واسعة منه إلى المقاطعة.
- أن الانتخابات، بصيغتها الحالية، لم تعد قادرة على إنتاج شرعية سياسية مستندة إلى الإرادة الشعبية، وأن الشرعية التي تقوم على مشاركة محدودة ومعايير انتقائية وأدوات نفوذ غير متكافئة تظل شرعية هشة وقابلة للتآكل. غير أن هذا الاستنتاج لا يعني الدعوة إلى تجاوز الانتخابات، بل إلى إعادة تعريف موقعها ضمن مشروع تغيير أوسع، يقوم على إصلاح بنيوي للقانون، وضمان استقلال الإدارة الانتخابية، وفصل المال والسلاح عن السياسة، وبناء قوة اجتماعية متجذرة قادرة على تحويل السخط الشعبي إلى فعل منظم.
ختاماً، إن أزمة الشرعية في العراق ليست أزمة رقم أو دورة انتخابية بعينها، بل أزمة نموذج سياسي استنفد أدواته، وأن تجاوزها لا يبدأ بتجميل النتائج أو تضخيم نسب المشاركة، بل بالاعتراف بالفجوة القائمة والعمل على ردمها عبر إعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والسلطة، وبين السياسة بوصفها إدارة للنفوذ، والسياسة بوصفها تعبيراً عن الإرادة العامة. دون ذلك، ستبقى الانتخابات تدور في حلقة مغلقة، بينما تتراكم تحت السطح أسباب الانفجار المؤجَّل. يطيب لي هنا ايراد ما كتبه المفكر اليساري الكبير فالح عبد الجبار (قطعا نحن بحاجة الى ماركس لفهم الازمة، لكننا أيضا بحاجة الى كانْت لفهم مشكلات تنظيم سلام العالم، وبحاجة الى ماركس فيبر لفهم الدين، والنظم الاجتماعية، وبحاجة الى دوركهايم لفهم تماسك وتفكك البنى الاجتماعية، وبحاجة الى نيتشه وتلامذته الفرنسيين "فوكو مثلا" لفهم تعدد التمثيلات، وهلمجرا. العالم مركب لا مثيل له في تعقده، واطياف ماركس تنير بعض منه)(23).
الهوامش:
* جميع الأرقام التي دخلت في حساب المعادلات مصدرها بيانات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات.
** الركائز هم وسطاء انتخابيون غير رسميين يعملون بوصفهم سماسرة أصوات، يتولّون جمع الأصوات وتنظيم نقل الناخبين وتوزيع المال والمنافع والوعود مقابل مكافآت مالية أو امتيازات، بهدف تصنيع كتلة انتخابية مصطنعة منفصلة عن الاختيار الحر. وبهذا الدور، يحوّلون الصوت الانتخابي إلى سلعة، والانتخابات إلى سوق نفوذ، ويشكّلون أداة بنيوية لإعادة تدوير سلطة الطغمة وإقصاء المستقلين والقوى المدنية، بما يُفرغ العملية الانتخابية من مضمونها الديمقراطي.
- صالح ياسر، الدولة السلطة الطبقات الاجتماعية، بيت الكتاب السومري، بغداد، ط1، 2019، ص 301.
- فالح عبد الجبار، ما بعد ماركس، دار الفارابي، بيروت، ط2، 2015، ص 262.
- بيان البيت الوطني، بغداد، 3/12/2025. ينظر: قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969، الصادر في 19/ 7/ 1969 والمنشور في الوقائع العراقية العدد 1778 بتاريخ 15/ 9/ 1969، والذي تنص المادة (197) منه على عقوبة قد تصل إلى الإعدام.
- صالح ياسر، الدولة السلطة الطبقات الاجتماعية، مصدر سبق ذكره، ص187.
- روبرت م. ماكيفر، تكوين الدولة، ترجمة حسن صعب، دار العلم للملايين، بيروت، 1966، ص238.
- دستور جمهورية العراق، المادة 20، مجلس النواب، الدائرة الإعلامية، ط5، بغداد، 2011، ص 19.
- قانون التعديل الثالث رقم 4 لسنة 2023، لقانون انتخابات مجلس النواب ومجالس المحافظات والأقضية والنواحي رقم 12 لسنة 2018.
- ستيفن دي تانسي، علم السياسية الأسس، ترجمة رشا جمال، الشركة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ص 289.
- إيليا غوردون واخرون، اوراق ديمقراطية، مركز العراق لمعلومات الديمقراطية، العدد الرابع، آب 200، ص19.
- خيسوس أوروتشكو-إنريكي، تحرير: أيمن أيوب، العدالة الانتخابية: دليل المؤسسة الدولية للديمقراطيات والانتخابات، المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات (IDEA)، ستوكهولم، 2012، ص 3 .
- بيان المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في 12/ 11/ 2025
- ينظر: بيان المركز الإعلامي، تحالف الشبكات والمنظمات الوطنية لمراقبة الانتخابات في العراق، بغداد، 12/ 11/ 2025
- دستور جمهورية العراق، المادة 20، مصدر سبق ذكره، ص 19.
- ينظر: بيان اعلان نتائج الانتخابات، المركز الإعلامي للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات.
- جاسم الحلفي، 56% نسبة مشاركة لا يشاهدها احد، جريدة المدى، العدد 6032 في 20/ 11/ 2025، ص6.
- ينظر: مجلس المفوضين، تعليمات اعتماد المراقبين المحليين لسنة 2025، المصادق عليها في 23/ 9/ 2025
- ينظر: مجلس المفوضين، تعليمات اعتماد وكلاء الأحزاب السياسية والتحالفات والمرشحين الافراد لسنة 2025، المصادق عليها في 23/ 9/ 2025.
- ينظر: قاعدة بيانات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات.
- طارق حرب، الدستور العراقي لسنة 2005، في بحوث ومقالات، منشورات دار الحنش، ط1، بغداد، 2007، ص115
- جاسم الحلفي، "شاركوا الناس التقييم… فالإجابة لا تكتمل إلا بهم... رسالة للأحزاب والتحالفات المدنية"، جريدة المدى، العدد 6034 في 24/ 11/ 2025.
- آلان تورين، نقد الحداثة، ترجمة عبد السلام الطويل، افريقيا الشرق، 2010، المغرب، ص362
- أ.ج. دوغن، مناهضة الرأسمالية.. مسارات نحو استقلالية الفكر محادثات مع رودي د. ف. ومفكرين اخرين، ص142.
- فالح عبد الجبار، ما بعد ماركس، مصدر سبق ذكره، ص365 .